بغداد ـ «القدس العربي»: استذّكر الأكراد في العراق، الأحد، مرور 37 عاماً على حادثة قصف مدينة حلبجة في إقليم كردستان بالسلاح الكيميائي، والتي خلّفت نحو 5 آلاف قتيل وإصابة أكثر من 10 آلاف شخص، فيما جدّدت الحادثة التي وقعت إبّان فترة حكم نظام صدام حسين، المطالبات بإنصاف الضحايا وتعويضهم، وتحويل المدينة إلى المحافظة العراقية رقم 19.
رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، ذكر في بيان صحافي أمس، أنه «لم يكن القصف الكيميائي لحلبجة مجرد جريمة، بل جزءاً أليماً من سلسلة جرائم وإبادة جماعية هدفها محو شعب كردستان».
بشاعة الجرائم
وأضاف أن «الشعب الذي كانت جريمته الوحيدة هي مطالبته بحقوقه المشروعة في الحياة والحرية، فأصبحت حلبجة رمزاً لمظلومية شعبنا وشاهداً على بشاعة الجرائم التي اقترفها النظام ضده، ولو كانت العدالة الحقيقية قائمة، لكانت تلك الفاجعة وحدها تكفي للإقرار بجميع الحقوق المشروعة لشعب كردستان».
وجدد التأكيد على ضرورة «تعويض أبناء حلبجة وجميع ضحايا الإبادة الجماعية والأنفال، وتقديم أفضل الخدمات لهم في المجالات كافة» لافتا الى أن «من واجب الحكومة العراقية أن تضطلع بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية تجاه الضحايا وتفي بكل الالتزامات لحلبجة وسكانها وتحقق لهم العدالة».
كما طالب الحكومة العراقية بأن «تكمل جميع إجراءات لتحويل حلبجة إلى محافظة» مؤكدا أنه «على المجتمع الدولي أن يواصل مساعيه لمنع تكرار أمثال هذه الجريمة في أي بقعة من العالم».
وأفاد أيضاً بأن «إقليم كردستان اليوم، بكيانه الدستوري والاتحادي وكل مكاسبه، هو نتاج نضال وتضحيات الشهداء، ومن واجبنا جميعاً أن نحميه بوحدة الصف والتلاحم» معتبراً أن «الوفاء لضحايا حلبجة ولجميع شهداء كردستان يكون بتوطيد التعاضد والتفاهم والتعاون لحماية حقوق شعب كردستان».
في حين دعا رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، الحكومة الاتحادية إلى الوفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية تجاه إنصاف وتعويض عوائل ضحايا الإبادة الجماعية، مطالباً في الوقت ذاته مجلس النواب بالإسراع في تحويل حلبجة إلى محافظة.
وقال في بيان صحافي إنه «مع أن بعض الجناة والمتورطين الرئيسيين في هذه الجريمة قد نالوا جزاءهم، إلا أن هذه المأساة الكبرى ما زالت ألماً نابضاً وجرحاً غائراً لم يندمل رغم مرور 37 عاماً على اقترافها، ومن هنا، يحتم الواجب علينا جميعاً مواصلة السعي الحثيث لتعريف العالم بحجم وبشاعة ما اُرتكب من إبادة جماعية بحق حلبجة والأنفال وغيرها من المذابح التي استهدفت شعب كردستان، وأن نكون سنداً وظهيراً لعوائل وذوي شهداء وضحايا هذه الجرائم، وأن نضاعف جهودنا لتلبية احتياجاتهم وتقديم الدعم اللازم لهم».
وأضاف أن «مما يؤسف له في هذه المناسبة الأليمة هو تقاعس الحكومة الاتحادية عن الوفاء بمسؤولياتها الدستورية والقانونية تجاه إنصاف وتعويض عوائل ضحايا وشهداء حلبجة والمؤنفلين، حتى أن مجلس النواب لم يبت لغاية الآن في عملية تحويل حلبجة إلى محافظة».
وأكد ضرورة «عدم تجاهل تضحياتها الجسام، والعمل على تعويضها تعويضاً عادلاً ومنصفاً» داعيا إلى «الإسراع في إقرار تحويلها إلى محافظة بأقرب وقت».
إجماع على تحويل المدينة المنكوبة إلى محافظة عراقية
أما زعيم الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، مسعود بارزاني، فرأى أن جريمة قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية ستبقى حاضرة في وجدان الكردستانيين، مشدداً على مسؤولية الدولة العراقية عن تخفيف آثارها وتعويض ذوي الضحايا.
بارزاني ذكر في «تدوينة» له بالمناسبة، بأن «جرح وألم جريمة قصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية سيظل محفوراً إلى الأبد في الذاكرة والأذهان، وعصياً على النسيان» لافتاً إلى إن «مسؤولية هذه الجريمة ضد الإنسانية وما ترتب عليها من نتائج وآثار، وحتى تعويض ذوي الضحايا، تقع على عاتق الدولة العراقية».
واختتم رسالته بـ«تحية أرواح شهداء حلبجة وعوائل وذوي الشهداء والمصابين جراء هذه الفاجعة».
في حين دعا زعيم حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، بافل طالباني، إلى اتخاذ خطوات فعلية، بعيدا عن الشعارات، من أجل إعمار حلبجة بصورة أفضل.
نجل الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني ذكر في بيان صحافي أمس، أن «حلبجة بالنسبة لنا هي رمز تضحية ومظلومية شعبنا، فبعد 37 عاما من الإبادة الجماعية والقصف الكيميائي لحلبجة الخالدة، ما زالت آثارها وتأثيراتها السلبية باقية على مواطني وتراب المدينة».
وأضاف: «نحن نتفهم آلام ذوينا في حلبجة الأبية، ومطالبهم وتطلعاتهم، لذا أؤيد كل عتبهم واحتياجاتهم، وسأكون أول المدافعين عن حقوقكم ومحاميا حقيقيا لكم لتلبيتها» مشيراً إلى إن حزبه «يعمل بحرص وبلا هوادة، عن طريق ممثليه في مراكز السلطة والتشريع، من أجل قضية حلبجة، وسنواصل مساعينا لخدمة مدينة الشهداء وأهاليها الأعزاء، فخدمة حلبجة واجب على عاتق كل عضو في الاتحاد الوطني الكردستاني».
ووفق طالباني فقد «آن الأوان لاتخاذ خطوات فعلية، بعيدا عن الشعارات، من أجل إعمار حلبجة بصورة أفضل، وأن نعمل جميعا يدا بيد، من خلال مشروع وطني، لإنجاز خطوات التصويت لاستحداث محافظة حلبجة في مجلس النواب العراقي وتعويض الضحايا، وإيصال المزيد من المشاريع الخدمية الى المنطقة».
وأشار إلى إن «من واجب الحكومة أن تجعل من خدمة حلبجة وإيلاء المزيد من الاهتمام بها أولى أولويات مهامها، وتأمين الميزانية والاستحقاقات المالية التي تكون في مستوى عظمة حلبجة».
ويتفق رئيس الجمهورية، عبد اللطيف جمال رشيد، المنتمي إلى حزب «الاتحاد الوطني» أيضاً، على حثّ الجهات المعنية إلى الإسراع بتحويل حلبجة الى المحافظة الـ19 للبلاد.
نشر مبادئ الديمقراطية
وقال في بيان صحافي: «لقد هزت جريمة حلبجة الضمير العالمي، وجسدت الممارسات الوحشية التي تمارسها الأنظمة الدكتاتورية، وبينت الحاجة إلى المزيد من الجهود والعمل المشترك لتعزيز ونشر مبادئ الديمقراطية وحماية الشعوب وضمان حرياتهم وحقوقهم من تسلط الأنظمة الشمولية».
وأوضح إن «مأساة مدينة حلبجة تدعونا اليوم إلى المضي قدما في ترسيخ التجربة الديمقراطية في بلادنا، وحث المجتمع الدولي على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا، ووقف الحروب والصراعات وإحلال الأمن والسلام في المنطقة والعالم».
كما شدد البيان على أهمية «التعاون والتنسيق الدولي من أجل توثيق تلك الجرائم المرتكبة ضد المواطنين لتكون شاهدة على ما ارتكبته الأنظمة الدكتاتورية بحق الأبرياء».
التعاون والتنسيق الدولي
وأضاف أن «مسؤوليتنا الوطنية والإنسانية تدعونا إلى حث الجهات المعنية إلى الإسراع بتحويل حلبجة إلى محافظة، واستكمال الخطوات التشريعية من قبل مجلس النواب لنيل هذا الاستحقاق للمدينة وتعزيزها بكل ما تقتضيه من خدمات وتعويض ذوي الضحايا عن الأضرار التي لا يزالون يعانون منها».
ووقعت حادثة حلبجة في 16 آذار/مارس 1988، عندما قصف نظام صدام حسين المدينة بالأسلحة الكيميائية، ما أسفر عن مقتل أكثر من خمسة آلاف مدني، معظمهم من النساء والأطفال، وإصابة آلاف آخرين بجروح خطيرة، لا يزال العديد منهم يعانون من تبعاتها الصحية حتى الآن.