الرباط – “القدس العربي”: الاولتراس أو الالتراس، هي كلمة لاتينية تعني المتطرفين، وخرجت هذه الظاهرة من رحم حب فريق كرة القدم حد التعصب والجنون، حيث أنشأت أول فرقة ألتراس عام 1940 بالبرازيل ثم انتقلت الظاهرة إلى أوروبا، وتحديدا كرواتيا ويوغوسلافيا وحديثا دول شمال إفريقيا.
في المغرب يمكن وضع هذا الفعل الجماهري المجنون والمنظم، في خانة التفريغ عن مكبوت شبابي جعل منهم أساطير مدرجات، ما قاد بعض المخرجين أو القنوات التلفزيونية تلتفت لهذا العالم الصاخب والناطق بلغة جديدة تحمل في مدلولها العديد من الكلمات التي صيغ لها عالمها وألوانها حب الفريق، وكان بداية تعبير عن الألم والحب والكراهية والتعصب، وكل هذه المتناقضات تتجمع في أغاني الالتراس ونتلمسها من خلال الآهات والأنين الذي تستبق أغانيها، بالإضافة الى ذلك، نجد هذا العالم الصاخب يخط عبارات حبه وتمسكه بهذه العوالم من خلال جمل وكلمات تكتب في الشوارع والأزقة والطرقات، قد يضن البعض أنها خالية من المعنى والمدلول، لكنها أسلوب تعبير لشباب اليوم عما يحسه من فراغ وجداني اتجاه مجتمع ينظر من زاوية وحيدة تجعله قاصرا عن فهم هذا المتغير. فحينما تبث مقابلة في كرة القدم تجد العديد من التحليل حول أسلوب لعب الفرق وخطة المدرب وأسماء اللاعبين، إلى غير ذلك، لكن يبقى الجمهور مغيبا وغير حاضر في هذا التحليل من زاوية دقيقة تتيح للمتابع فهم أسلوب الجماهير وماذا تريد أن تقول من خلال ردود أفعالها العاطفية اتجاه فريقها .
بداية التسعينات في المغرب كانت الزمن الذي أنجب فيه هذا المتغير (الالتراس) كنمط جديد لتشجيع ومساندة فرق كرة القدم، حيث أعطت هذه الحركة “أكلها” على مستوى الكرة الوطنية، وخلقت صيرورة تشجيع مختلفة، بل حضارية وفنية أبهرت العديد من المتابعين للشأن الرياضي بالمغرب وخارجه. وقامت مجموعات الألتراس بالمغرب على مبدأ التجديد والإبداع لتنتشر انتشارا واسعا في صفوف جماهير الفرق الرياضية بربوع المغرب .
أبدع الألتراس في المغرب، وبلوحات إبداعية رائعة ومعبرة، فشعارات البعض تختلف عن الآخر، نجد أخرى موالية للسلطة تمجد، وأخرى تعبر عن وجه بشع للحياة في المغرب، وتحكي عن ألم يحاصر شبابها، وخير مثال على ذلك أغنية “في بلادي ظلموني” التي انتشرت في كل البلاد العربية والعديد من القنوات العربية والعالمية. هي أغنية لمساندة فريق الرجاء الرياضي المغربي، وهي بمضمون كلمات قوي حيث التعبير فيها عن معاناتهم، مع المطالبة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية.
ويقول لحسن تفروت أستاذ علوم التربية والسوشيولوجيا بالمدرسة العليا للاساتذة التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، إن موضوع الالتراس يشكل عام، وما يتعلق بالمغرب خاصة، يتطلب مزيدا من تدقيق النظر، النظر الموضوعي وليس الأحكام المتسرعة. أليست ثقافة الألتراس هي جزء من ثقافتنا اليوم وفي نفس السياق وفي حديثه عن علم السلوك الانساني (سيميولوجيا) “الالتراس” المغربي، ويقول موضوع السيميولوجيا، كعلم للعلامات، كنظر في الدال، بمعناه الموسع، أي الرمز والعلامة، سواء كان لسانيا، أو عقليا، أو طبيعيا. فالسميولوجيا تتدخل لفك ما يعقده الدال أثناء عملية التواصل، اللفظي وغير اللفظي. فكل شيء في المجال السميولوجي له أهميته. ودور المحلل هو أن يفكك بنية العلامة في علاقتها مع الذات المستعملة، عليه أن يكشف المعاني ويميط اللثام عما تستلزمه عند المتلقي المفترض. فالصوت، الصورة، علامات الجسد، الرقص… وكل أشكال التعبير تقتضي من الدرس السميولوجي أن يسبر أغوارها، أن يطلع على مدلولاتها.
ومن خلال كلام لحسن تفروت نلمس بان القراءة الصحيحة لهذا المتحول الجديد في عالم التشجيع بكرة القدم ليس مجرد نمط كباقي الأنماط التي يمكن أن تمر مرور الكرام فنظرا لشعبية كرة القدم وللفراغات العديدة التي تجتذب شبابنا فان هذا الشباب وجد فضاءه الذي من خلاله يخرج طاقته الحبيسة ويعبر بكل أشكال التعبير عن معاناته أو فرحه، لكن كلا هذين الاثنين لهم نفس التعبير هو الهستيريا سواء بالفوز أو الخسارة.
صدامات الالتراس
مجموعات الألتراس لم تعد تكتفي بالتعبير عن موقف رياضي معين من خلال تشجيع الفريق الكروي الذي تسانده، بل صارت تتبنى قضايا تشغل الرأي العام وتعبر عن رأيها فيها عبر الشعارات والأهازيج والأغاني، ما أدى إلى اصطدامها مع السلطة في الكثير من الأحيان، ليتم اعتقال بعض جماهير الالتراس وبعض قادتها (الكابو) وفي خضم هذه التقاطعات سنت الدولة بعض القوانين للحد من أعمال الالتراس، ما خلق تباعد وسوء الفهم بين السلطة والالتراس هذا المنع والذي شمل كافة المظاهر الاحتفالية بشكل نهائي من ملاعب كرة القدم المغربية، وجاء هذا نتيجة أحداث ما بات يعرف بـ”السبت الأسود” التي كانت عبارة عن مشاحنات بين فصيلي “الإيغلز” و”الغرين بويز” المساندين لفريق الرجاء البيضاوي، والتي أسفرت عن مقتل شخصين وجرح واعتقال العشرات، كانت النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت وزارة الداخلية إلى إصدار تعليمات صارمة بمنع أي مظهر يوحي بظاهرة الالتراس، وتجلت ملامحه في الملاعب الوطنية التي غابت عنها صنوف الاحتفال واللوحات الأخاذة أو التيفوهات التي لطالما أنست عشاق الكرة المغربية رتابة الكثير من المباريات التي تجري فوق المستطيل الأخضر، خاصة لقاءات الدربي، لكل هذه الأسباب يطالب الباحث في المجال الرياضي عبدالرحيم غريب بسن سياسة عميقة على المدى البعيد. ويقول أنه على الدولة تبني استراتيجية شاملة وحساب المعادلة رياضيا وسياسيا بحيث تجد فيها تخصصات من قبيل علم النفس والاجتماع موطء قدم، مشددا على ضرورة عدم الاقتصار على المقاربة الأمنية لمعالجة شغب الملاعب.
ويجب أن ندرك أن كل من خلقه الله على وجه الأرض ليس طالحا بطبعه، بل به ايجابيات تحتاج منا لاكتشافها وتوظيفها حتى يستفيد المجتمع منها، أما المقاربة الأمنية العمياء فهي أسلوب تغييب العقل لان النظرة الشمولية هي من تجعل من الحل ممكنا وتخرج من المشكل جمالا وتجعل من اللاحل حلا وتبقى الالتراس أسلوب حياة يحتاج الفهم. إذا هذا العمل الجماهري الذي يلون مدرجات الملاعب بالتعابير المختلفة ورسم الجمال والإبداع والتعبير عن الكبث الاجتماعي والسياسي وغيره، وجب أخده بعين الاعتبار والنظر إليه من زوايا الاختصاص، لأنه توجه مجتمعي جديد يحتاج التمحيص والدراسة ووجب على كل الفاعلين والمثقفين والسينمائيين رصد هذا الصوت الخارج من رحم الملاعب. صوت يرسم الفرح والحزن ويجمع بين النقيض ونقيضه، والحكاية لم تنته ولن تنتهي إلا بتعدد القراءات، لا قراءة وحيدة تعتمد المقاربة الأمنية الجافة التي تعاقب الكل بفعل البعض وتنسى أن الدول تسير دائما وبداخلها متغييرات تحتاج المواكبة الصحيحة لتحويل كل ما هو سلبي إلى جمال .