ميَّعت الهدنات المتكررة الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق حرب إسرائيل على غزة، دون أن ننسى أن الجراح والآلام تبرأ بتقادمها، أو بحلول خبر أكثر جدة في المنطقة التي امتهنت الآلام بشكل متواصل ومتنقل منذ عام الاحتلال الأميركي للعراق في 2003. فما إن تهدأ الحرب في العراق حتى تشتعل حرب في لبنان، ومنها إلى فلسطين، ومنهما إلى العراق مجدداً، وصولاً إلى تسلم سوريا الثورة عصا التتابع التي لاتزال تتنقل بين أيدي الظالمين في المنطقة، بينما يقف الحكمان الدولي والإقليمي متلذذين بفرجة مجانية لم يكونا ليحلما بها.
في غزة يدعي صاحب القوة الإسرائيلي الضعف والمظلومية، متظلماً أمام العالم من صواريخ حماس التي حرمت مواطني إسرائيل نعمة الجلوس في المقاهي والمطاعم آمنين، بينما يدعي الضعيف الفلسطيني الغزاوي القوة «متوهماً» أن المفاوضات ستقوده إلى نصر سياسي مستند على الصمود وتحمل ضربات إسرائيل الموجعة.
صحيح أن عدم استسلامك للقوي الظالم هو نصر معنوي كبير يكسبك احترامك لنفسك، كفرد ومجموع، وصحيح أن ذلك يجعلك تأمل دائماً في تغير موازين القوى، أو في صحوة ضمير تبدو مستحيلة اليوم، بحيث يساعدك من يقف اليوم في صف عدوك الإسرائيلي كي تقفا على قدم المساواة في تفاوض سياسي يرضي الطرفين دون أن يحقق العدالة بالضرورة.
حماس لاتزال تقاوم، ومن خلفها شعب جبار، أو شعب لا يريد أن يوزع معاناته على الأيام، وعلى مزاج إسرائيل متى أرادت أن تجرب جدوى أسلحتها، أو جدوى عمل مخابراتها، فهذا الشعب عض على جرحه ويريد أن تنتهي مأساة تكرار الحرب كل سنتين، ولسان حاله يقول حرب واحدة طويلة ومؤلمة قد تنهي المأساة المستمرة مرة واحدة وإلى الأبد، ولا حروب مجزأة تأكل ما نبنيه اليوم غداً.
الحرب مستمرة، والمفاوضات مستمرة، والوسطاء مستمرون في القيام بدورهم «الحيادي»، ولايزال كلا الطرفين يشكران الوسيط الحيادي، إنما لا حياد مع الدم، فالعالم كله تضامن مع الدم الفلسطيني المراق دون أن يتضامن الوسيط الرسمي المصري مع تراث دمه الذي أُريق على حدود فلسطين منذ عام 1948.
الغزاويون خبروا ثلاث حروب منذ الانسحاب الإسرائيلي وحيد الطرف من القطاع عام 2005، اثنتان على الأقل منهما كانتا رسميتين، عدا عن الهجمات التي لم تتطور إلى حرب كبيرة تحصد ضحايا بالمئات والآلاف، وأما الحرب المستمرة فهي وقوعهم بين ظلمي إسرائيل التي تغلق المعابر باتجاه الضفة الغربية، وظلم الشقيقة مصر التي تغلق معبر رفح، الشريان الوحيد الذي يربط القطاع بالعالم.
حجة الأمن المصري يمكن تفهمها في عهود ما قبل ثورة 25 كانون الثاني/يناير، إذ لابد لكل دولة من عدو داخلي أو خارجي تبرر فيه سياساتها الأمنية، وضرورات أمنها القومي، وهذه الخشية كانت موجودة في عهد مبارك، وبدرجة أقل في عهد محمد مرسي القصير. الحالة هنا تستدعي البحث عن دافع واحد لأطراف تبدو منطلقاتها المعلنة والباطنة مختلفة، والدافع هنا لا يبدو «مصلحة قومية»، أو خطاباً سياسياً واضح الوطنية، وهو على الأرجح خوف باطن، أو غباء سياسي مستحكم.
الخوف الباطن مبرره ضرورة خلق العدو بعد أن أصبح عدو الأمس الإسرائيلي صديقاً، أما الغباء السياسي فحماقة أعيت من يداويها.
وعلى ذلك، يذهب الغزاويون من خلف حماس إلى آخر المطاف، فليس بعد الموت للميتين ولأهلهم من موت آخر، هكذا تفكر الضحية عندما تجرب كل أنواع الخوف. أليس هذا ما نلمسه نحن المتفرجين على مسلسل أخبار الدم الذي لا ينتهي. ولا يمكننا تفسير ذلك سوى بما سلف قوله، فليست المسألة مجرد جرح حار يجعل صاحبه لا يشعر بالألم إلى حين ليبدأ بعدها الألم كله؛ المسألة أن الفلسطيني عموماً، والغزاوي خصوصاً، جربا كل أنواع الموت، والخوف، والقلق، والأمل، والألم، وخبرا وعود الزعماء على أنواعها، وقطعا الأمل من كل هذه الوعود.
وشعورهم الآن بالقوة ليس زائفاً، فهم يقاومون آلامهم بخبراتهم عن كل تلك الآلام، ومن الخطأ الادعاء اليوم أن ما يملكون من سلاح، ومن أسباب الصمود المادية، هي ما جعلتهم أقوياء.
كل ما في الأمر أن الفلسطيني العادي غير العضو في كتائب القسام، وتنظيمات المقاومة المسلحة الأخرى، يفهم تماماً، وبخبرة، أنه ضعيف، ويتفهم أن قوته لا تكفي لمواجهة «رياضي» مدرب ويفوقه حجماً وطولاً بمرات، لكنه مؤمن أن عليه أن يبذل جهده، ويصبر في قتاله ومقاتلته هذا «الرياضي»، وألا يستسلم لمنطق القوة القائم حتى لو كان الثمن حياته، وينسحب الأمر ببساطته على «الأمة الفلسطينية» كلها، كمجموع، دون أن ينسحب ذلك، وبشك كبير، على باقي «الأمم العربية»، فـ «الأمة الفلسطينية» وحدها من جابهت إسرائيل يومياً منذ ما قبل «نكبة 1948»، واستمرت المواجهات في النكبات والنكسات التالية، وعرفت أنها تقاتل الإسرائيلي كإنسان، ضعيف وهش مثل كل البشر، وقوي وصلف، مثل كل البشر المدججين بالأسلحة وبوهم قوة العضلات التي تفنى مع الزمن.
علي العائد