الأمركة.. كآخر إمبراطورية في نهاية التاريخ ؟
مطاع صفديالأمركة.. كآخر إمبراطورية في نهاية التاريخ ؟هل هو حقاً القرن الأمريكي الذي يدشن الألفية الثالثة، كما أعلن عنه البيان الافتتاحي للمحافظين الجدد. أليست سنوات العقد الأول من هذا القرن قد أتت بأوضح البراهين المضادة لأحلام الأمبطرة الأحادية. إنها سنوات التمارين الكارثية الهادفة إلي وضع مشروع السلطنة المطلقة قيد التنفيذ. وهذه التمارين كانت لها القارة العربية الاسلامية ساحتها الأولي المفضلة. كأنما تجيء أحدث إمبراطورية بربرية لتقضي علي قارة الأوطان الأقدم للمدنيات الأولي الصانعة لتباشير العصر الإنساني لما بعد العصرين الحيواني والحجري.إذن، أكبر إمبراطورية تقتحم الألفية الثالثة، لا تجد لها خصماً يستحق أهوالها غير المسبوقة، سوي بقايا لمدنية العرب والإسلام. إنها تحارب أبعد هدف واقع في غور التاريخ، خوفاً من استعادة أطلاله الراهنة لبعض أسمائها ورموزها الماضية. فلا شيء من ظاهرات العالم الحاضر الكبري إلا ولها ما تتمرأي معه، من نماذج العهود الأولي، سواء المشابهة أو المعارضة لها بصورة استباقية. فإن كان ثمة من مغزي لأسطرة صراع الحضارات فهو اختراع سلاح الإرهاب الذي عليه بدوره أن يخترع العدو الأكبر، ولو كان عليه أن يستدعيه من ما وراء التاريخ. هذه الواقعة تبرهن علي الأقل أن مشروع الأمبطرة للألفية الثالثة، ليس هو سوي مشروع ماضوي من جنس الهدف المركزي عينه الذي اختاره. أي أن الأمبطرة المعاصرة أمست قضية خاسرة، من سقط المتاع، تحارب في غير زمكانها. لكن، كيما لا يقر عقلها بهذه الحقيقة، فإنه يعمل علي ابتعاث أقدم وأخطر غرائز الاقتتالات الأهلوية التي يحتاجها (القبيل الابتدائي) كيما يصارع بها أمثاله من حوله. الإمبراطورية، علي طريقة (البوشية) محتاجة حاجة حيوية مصيرية إلي عدة القبيل الابتدائي، إلي ما يناظر هذه العدة العريقة حالياً، كإيديولوجيا وشعارات ومفاهيم وأجهزة قتالية ودعاوية، تسترجعها بحسب أسمائها الجديدة العصرية. فالاستيلاء علي العالم ليس بدعة أمريكية مستحدثة. إنه محرك ذاتي باطني لمعظم الحضارات القديمة التي لم تكن تكتفي بمواردها الأساسية، وتتطلع دائماً إلي تغطية تكاليفها الباهظة بنهب ثروات الشعوب الأخري. هذا المبدأ لا يزال هو المحرك الأول لنشأة الإمبراطورية، كما أن العجز عن تطبيقه عملياً، هو الذي سيؤدي إلي زوالها.لقد أتيح لأمريكا فرصة تاريخية وجودية هي الاستفراد وحدها بالعالم بعد انقضاء القطب المضاد الشيوعي. لم تكتسب أحادية السيطرة بفضل إمكانياتها، بل بسبب من اختفاء القطب الآخر المنافس لها. لم تحقق انتصاراً عسكرياً أو سياسياً علي الاتحاد السوفييتي. لم توقع فيه أية هزيمة من أي نوع. فلقد آثر العملاق الانسحاب من تلقاء ذاته. لم يجبره عدو خارجي علي الاستقالة عن جبروته، بقدر ما كانت تكاليف هذا الجبروت عينه قد استنفدت موارده الحيوية، بحيث لم تعد لديه القدرة علي حماية نظامه عينه، من أمراض البيروقراطية الأحادية المسلحة بسلطوية الحزب الواحد، والمصادرة بدورها من قبل (الحرس القديم) بفئوياته المختلفة، المتصارعة فيما بينها علي مغانم الحكم الفعلية، المتوارية وراء الأدلجات المستهلكة.لقد تساقط الهرم الأعظم لآمال العدالة الإنسانية، منذ بداية الحلم بالعدالة، بفعل تآكل خلاياه من داخله، تحت وطأة الصراع علي التسلط وليس السلطة وحدها، ومفاسدها الأخلاقوية، وليس الإيديولوجية فحسب. كان الحدث أكبر ما عرفه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن بالمقابل لم يستطع العقل الأمريكي أن يفهمه إلا من خلال منطق النصر للذات والهزيمة للآخر. فتعامل مع العالم كأنه غنيمة حرب. وكأن الاتحاد السوفييتي كان حارس هذه الغنيمة قبل أن تصير إلي الاستباحة التي تقنعت وراء اسم العولمة.لكن عقد التسعينيات، وحتي اليوم، لم يشكل حقاً تلك الفرصة الذهبية لإنسانية العصر في استئناف طريقها إلي عدالتها المنسية، خارج الاستتباع لقوي الهيمنة الكبري، بقدر ما كان، هذا العقد وما بعده، زمناً ضائعاً جديداً، وفرصة تقتنصها مجدداً أقوي هذه القوي، كيما تجعل من هيمنتها المطلقة نهاية للتاريخ. فكم أساء العقل الأمريكي، ولدي المبشرين والصانعين لاستراتجيته، إدراك المغزي الحقيقي للانقلاب الكوني، علي أنه لن يكون إلا خاتمة لعصر الهيمنات، وتحريراً للتاريخ من نماذج طواغيته. ذلك أن انقضاء حقبة الحرب الباردة التي أَسَرتْ حاضر العالم بين قطبيها الاشتراكي والرأسمالي تحت طائلة ما كان يسمي بتوازن الرعب، أو التهديد بفناء الإنسانية نووياً، كان الخلاص من هذه الحقبة بمثابة ميلاد جديد، ليس لتعدد الأقطاب أو حكام العالم الجدد، وإنما لتلك التعددية المنسية، الشاملة لأعضاء النادي العالمي الآخرين، كل الآخرين المنسيين تحت عباءة القطبية الثنائية. ذلك أن الدلالة الاستراتيجية الأهم لسقوط الاتحاد السوفييتي هو سقوط مبدأ التسلط القطبي نفسه، سواء كان ثنائياً أو أنه سيصير تعددياً. فكان المنتظر هو أن يحضر العالم كله أخيراً بمختلف حضاراته إلي المسرح الكوني، بدون أوصياء أو وكلاء بالتزوير والإرغام، عن كل (الآخرين) المغيبين، عن غالبية الإنسانية المغمورة، طيلة التاريخ، تحت شرعة بضعة عمالقة أو طواغيت متمسكين بتأبيد عصر البربرية علي امتداد المستقبل الإنساني.لكن الأمركة المدعية للنصر العظيم، استطاعت أن تأخذ العالم علي حين غرة؛ أن تطرح نفسها كالوريثة الحصرية لتراث التقدم البشري نحو سلطة السلام والحرية. اغتصبت تلك اللحظة الذروية حقاً التي اختصرت انتظار التاريخ كله. أعلنت ثقافة الحرب وحدها، كالمحصلة النهائية لتطور البشرية. وبالتالي فإن أقوي الأقوياء في صناعة الموت الجماعي هو الذي يحق له أن يسن شرعة السيطرة الأحادية علي العالم، وأن يكون القيّم علي موازينها. ولقد مارست (البوشية) خلال بضعة أعوام فقط من تحكّمها في الاستراتيجية الدولية، كل النماذج العليا المعيقة والمحبطة لمولد الديمقراطية العالمية. فقدمت بذلك كل البراهين البائسة علي ما يمكن أن يحققه مبدأ القطبية الأحادية فيما لو أتيح له أن يمد بسلطانه من حدود القارة العربية والاسلامية إلي بقية المعمورة.ولا شك قد تكون آسيا التي احتضنت من غربها إلي أواسطها، أوضح تلك التمارين الشيطانية للأمركة الغازية، هي المرشحة أولاً لتقديم الأمثلة المضادة لاغتصاب نهاية التاريخ.القرن الحادي والعشرون، فاتحتُه الأمركة بطريقة عولمة الحرب. لكن كل ما سيأتي بعدها قد يكون من نوع تلك السلالة المضادة علي مقدماتها، كما يتنبأ المتفائلون بمستقبل كوني آخر مختلف. فالحديث الاستراتيجي عن هذا المستقبل راح ينزاح تدريجياً بين أقطابه من (حتمية) نهاية التاريخ في الأمركة، إلي نهاية الأمركة نفسها، وذلك علي أساس أن الأمركة هي آخر إمبراطورية في مسيرة الأنظمة السياسية. أما الكلام عن تعددية الأقطاب (روسيا، الصين، الهند، اليابـان، أوروبـا، إلخ..) لا يعني ذلك سوي التأمل بقيام حقيقي للمجتمع الدولي، متجاوزاً انحرافاته الراهنة، ومؤسساً لصيغة التعادل والتوازن والمشاركة بين أعضائه. ومن المفترض أن هذا المجتمع سوف يأخذ علي عاتقه معالجة الأعطال البنيوية المزمنة، والمانعة من انفتاح الحضارات علي المدنية الإنسية الشاملة والمنشودة من جميع طلائع الفكر الكوني، الرائدة لتحولات الوعي، ولكن المعاقة، في الوقت عينه، من تبادل ثمراته لصالح الشأن الإنساني العام. فلقد ساد تاريخ الإنسان مبدأ (خَوْصَنَةٍ) للكلي لمصلحة الجزئي أو الفردي، سواء ضمن إطار الحضارة الواحدة ما بين فُعلائها، أو في العلاقة ما بين الحضارات. لم يحدث تمدين قانون صراع البقاء والبقاء للأقوي، وتحويله إلي صيغة: البقاء للأصلح. فكان تفسير حال الاستعصاء، شبه الأزلية، هذه، محتكراً غالباً من قبل القوي، بحيث قلما ينجو التفسير من أدلجات الترسيخ لأولوية التأسيس علي قاعدة التسليم دائماً بأزلية الدفع الغريزي لشرعنة العنف المحض، لكي يكون العنف هو المنتج الوحيد لأفعاله، وهو المسوّغ لنتائجها في آن معاً.هل يمكن القول في لحظة الانعطاف الراهنة من مسيرة الأمبطرة نحو أفولها (المفترض)، أن العالم مقدم حقاً علي التحرر من طغيان القطبيات، مهما كان عددها أو طبيعتها؛ وأنه بالتالي هل يمكن الوثوق من هذا التبشير شبه الجماعي بمولد حقبة القطبية التعددية، كمدخل أممي نحو عصر اللاقطبية، قليلها أو كثيرها. فلا شك أن كسر الاستعصاء الكوني الذي تعيشه إنسانية العصر، بأقويائها وضعفائها، لن يكتب لدعاته النجاح إلا من باب التصدي الجماعي لمبدأ أحادية القطبية.إنها مرحلة الانتقال، وهي الأصعب دائماً في تجارب الصراعات المزمنة بين (إنتاجات) البربرية كأمر واقع، والمدنية، لا كنظرية مثالية فحسب. بل كواقع إنساني آخر، لن يكف البشر عن اكتشاف ملامحه مهما اشتدت حلكة الظلمة المخيمة علي المعمورة.9