الأمريكان مقبلون علي تجرع السم العراقي لا محالة
هارون محمدالأمريكان مقبلون علي تجرع السم العراقي لا محالةليس صحيحاً ما نقل عن جلال طالباني أنه فاوض ممثلي سبعة فصائل من المقاومة العراقية وأقنعهم بالمشاركة في ما يسمي بـ(العملية السياسية) لأن التفاوض لو حصل بالفعل، لحدثت ضجة كبيرة وربما احتفالات حكومية صاخبة، يتم فيها الاعلان عن المجموعات وأسماء ممثليها، وتقديمهم عبر شاشات التلفزة والفضائيات يفصحون عن مبرراتهم وأسباب مغادرتهم ساحة المقاومة الي ملعب الحكومة ويتحدثون عن التطمينات والتعهدات التي تلقوها سواء من جلال او غيره من مندوبي الاحتلال. نعم طالباني اجتمع مع عدد من ضباط الجيش العراقي السابق اختارهم مستشاره العسكري وفيق السامرائي الذي أعيد الي الخدمة ورفع الي رتبة فريق أول بعد احتساب سنوات لجوئه في شمال العراق وبريطانيا لاغراض الراتب ومنحه مقاولة لحماية أنابيب النفط بين سامراء وبغداد بتوقيع وزير الدفاع السابق حازم الشعلان، وهؤلاء الضباط وأغلبهم من السنة العرب ليست لهم علاقات او صلات مع أطراف المقاومة، وهم لم يدعوا ذلك رغم ان بعضهم كان قد اعتقل من قبل قوات الاحتلال وأجهزة وزارتي الداخلية والدفاع في وقت سابق للاشتباه بتعاونهم مع المقاومة. ويبدو ان طالباني ومستشاره السامرائي يريدان توظيف اللقاء مع هؤلاء الضباط واستثماره سياسياً لمصلحتهما الوظيفية والسياسية، وهو ما اعترض عليه عدد منهم امتنع لاحقاً من الذهاب الي مكتب جلال او الاجتماع مع مستشاره وفيق، ومنهم قائد فيلق سابق كتب الي الاثنين انه لبي دعوة (الرئيس) واللقاء به بعد ان افهم بان الغرض من الاجتماع هو الاستماع الي رأيه كقائد عسكري سابق في موضوعات تتعلق بأفضل السبل والآليات لتشكيل فرق وكتائب وألوية الجيش الجديد، وأنه أبدي وجهة نظره في هذا الشأن مؤكداً ان المرحلة الراهنة التي يعيشها العراق لا تسمح ببناء جيش جديد محترف ومهني، والطريق الصحيح لذلك هو العودة الي الجيش السابق الذي يضم قادة وخبراء وضباطاً وضباط صف ومراتب أكفاء وغير مسيسين، مع اعادة تشكيلات وصنوف عسكرية مهمة ألغاها الاحتلال. ثم ان المقاومة العراقية بفصائلها المعروفة ليست بتلك السذاجة حتي تكشف عن قادتها وممثليها وتصدق وعود هذا الطرف المحلي او ذاك الموظف الحكومي، فهي كما اثبتت طيلة السنوات الثلاث المنصرمة، ان مشكلتها مع الاحتلال الذي طالبته في اكثر من مناسبة بالانسحاب من العراق وتنازلت منذ عام عن شرطها هذا ووافقت علي جدولة الانسحاب باعلان رسمي من الادارة الامريكية في الامم المتحدة، إضافة الي شروط وطنية اخري وفي مقدمتها التزام امريكي باعادة اعمار العراق وتعويض الخراب والدمار الذي لحق بالعراق وابنائه.ويبدو ان الحكام الجدد للعراق اليوم وقد أفزعتهم الاصوات الكثيرة التي تصدر يومياً في الولايات المتحدة وهي تطالب بانسحاب القوات الامريكية من العراق، يحاولون ركوب الموجة الامريكية الجديدة ولكن بطريقة ملتوية وتلفيقية ومبتذلة، والهدف واضح تماماً يكمن في محاولاتهم اليائسة لتجميل ادوارهم الخيانية للوطن وطي صفحات تآمرهم علي وحدة وسيادة العراق، وكلها موثقة بالصور والافلام والتصريحات والمواقف، فمن يريد الحوار مع المقاومة لا يحرض عليها، ولا يأتي بأناس يستغل أوضاعهم وهم ملاحقون ومتهمون سلفاً وتقديمهم دعائياً علي انهم يمثلون المقاومة، ثم ان لا جلال طالباني ولا وفيق السامرائي يصلحان لإدارة حوار أو اجتماع مع ممثلي المقاومة لسبب بسيط جدا هو: ان الأثنين موظفان حكوميان، كل واحد منهما تسلم منصبه الحالي بإرادة ورغبة الاحتلال، ومن العبث الاعتقاد ان امريكا هذه الدولة الاستعمارية الكبري تخول هذا أو ذاك من المتعاونين المحليين معها، صلاحيات التفاوض مع خصوم وأعداء لها، وهي التي تملك في العراق حشداً من الجنرالات والسياسيين والمستشارين والسفراء والدبلوماسيين وكبار المسؤولين في اجهزة ووكالات استخبارية ومراكز دراسات وابحاث، يرتبطون مباشرة بالبيت الابيض والبنتاغون ووزارة الخارجية ومستشارية الامن القومي والسي آي ايه، خصوصاً وان المعلومات المتسربة من واشنطن تشير الي ان (لجنة الحكماء) التي شكلها بوش في نهاية آذار (مارس) الماضي برئاسة وزير الخارجية الاسبق جيمس بيكر يعاونه النائب الديمقراطي السابق لي هاملتون لوضع دراسة تقويمية للوضع في العراق وكيفية التصدي لتحديات المرحلة المقبلة وافضل الخيارات المتاحة للامريكيين في العراق، هي التي ستحدد أسس الحوار والتفاوض بين الجانب الامريكي وبين المقاومة العراقية، ولا يستبعد ان يتولي رئيسها وأعضاء فيها هذه المهمة علما بان اللجنة عقدت سلسلة اجتماعات خلال الاسابيع القليلة الماضية بعيدا عن الاضواء حسب ما يدور في أوساط مراكز بحث ودراسات امريكية استعين بها كما يبدو، وتقدمت بمذكرة سياسية اولية ـ هكذا وصفت ـ الي البيت الابيض وصلت بعض مضامينها الي أطراف سياسية وعشائرية عراقية معينة عبر السفارة الامريكية في عمان تقول فيها: ان اللجنة توصلت مبدئياً الي حقيقتين اساسيتين لابد من التعاطي معهما امريكياً في المرحلة المقبلة، أولاهما ان (التمرد) السني ـ هكذا تسميه اللجنة الامريكية ـ له ما يبرره، عندما وجد السنة العرب الذين يعزي اليهم الفضل في قيام الدولة العراقية الحديثة واستمرارها، وجدوا انفسهم فجأة مهمشين ومبعدين ومتهمين بانهم من انصار النظام السابق، ولا يمكن انهاء هذا التمرد الا بتوفير بيئة سياسية واجتماعية ومناطقية تضيق أعمال العنف عبر الاستماع الي آراء وجهاء السنة العرب ورموزهم الحقيقيين، وتورد أسماء عدد من هؤلاء ومنهم شخصيات سياسية ودينية وعسكرية وعشائرية واكاديمية، وعدم الاعتماد علي من أسمتهم اللجنة بـ(المصطنعين) السنة الذين لا يمثلون الا انفسهم، واشارت بهذا الخصوص الي أسماء عدد من هؤلاء سبق لهم وشاركوا في عضوية مجلس الحكم الانتقالي والحكومات المتعاقبة، وتقول مذكرة اللجنة ان عمليات (الارهاب) كما تصفها في المناطق السنية لا يقضي عليها الا بالسنة انفسهم. أما الحقيقة الثانية التي توصلت اليها لجنة (الحكماء) الامريكية فتقول: ان التصدي للنفوذ الايراني في جنوب العراق وتحدد محافظات معينه كالبصرة والناصرية والعمارة والنجف وكربلاء، لا ينهض به الا العلمانيون والمتنورون والديمقراطيون الشيعة، ورؤساء العشائر ووجهاء المدن والموظفون الكبار من ابناء المنطقة، وتطالب المذكرة بهذا الصدد تقديم الدعم لهذه الفئات والعمل علي عزل الاحزاب والجماعات والميلشيات الشيعيه الموالية لايران. ويعتقد ان هذه المذكرة هي التي دعت الرئيس بوش الي استدعاء أحد عشر وزيراً سابقاً للخارجية والدفاع والتباحث معهم في الاسبوع الماضي حول الوضع في العراق، واعلن في نهاية الاجتماع ان التحدي الذي يواجه العراق الان هو الميليشيات الحزبية المسلحة في اشارة واضحة الي الاحزاب الشيعيه التي تمتلك ميليشيات، وهو تحول جديد في مواقف الرئيس الامريكي الذي كان في السابق يضع الارهاب والزرقاوي وانصار النظام السابق في أوليات خطبه وتصريحاته. واستناداً الي هذه المعطيات التي لا يمكن فصلها عن مبادرة كيسنجر الذي دعا الي تشكيل منظومة دولية من اوروبا واليابان وروسيا والصين ودول الجوار العراقي للتعاون مع الولايات المتحدة وحلفائها في وضع استراتيجية جديدة لحاضر العراق ومستقبله السياسيين، يتوصل المراقب والمحلل والمتابع للشأن العراقي الي ان ثمة متغيرات طرأت علي الخطط والبرامج الامريكية في العراق، وبالتأكيد فان نجاحات المقاومة العراقية في الصمود والمواجهة هي التي اجبرت الادارة الامريكية علي هذه التوجهات الجديدة، وبالتالي فان علي واشنطن إذا ارادت ان تحفظ ماء وجهها وتقلل من خسائرها المالية والبشرية وتخفف من هزائمها العسكرية والسياسية في العراق اتباع معايير جديدة في التعامل مع القضية العراقية، وهذا يعني ان عليها ان تنصت جيدا الي رموز من السنة العرب ـ اجتماعيا ومناطقيا ـ أمثال الشيخ حارث الضاري والشيخ عبدالسلام الكبيسي والدكتور خيرالدين حسيب والاستاذ صبحي عبدالحميد والدكتور شامل السامرائي والدكتور عبدالكريم هاني والفريق نزار الخزرجي والشيخ حواس الصديد والمحامي طلال فنر الفيصل والشاعر الكبيرسعدي يوسف والنقابي المخضرم عمر البجاري وغيرهم من الشخصيات الوطنية والقومية والديمقراطية الرصينة، وكذلك عليها ان تصغي مرغمة الي آراء شخصيات وزعامات من الشيعة العرب ـ اجتماعيا ومناطقيا أيضا ـ امثال الزعيم ناجي طالب والدكتور عبدالصاحب العلوان والوزير الاسبق أحمد الحبوبي والعالم الاقتصادي عبدالحسن زلزلة والمحامي عبد الله الركابي والدكتور سعدون حمادي والناشط السياسي عبدالامير الركابي والبرفسور جعفر ضياء جعفر والقانوني الدكتور مالك دوهان الحسن وشبيب المالكي والفريق عبدالواحد شنان آل رباط والمحامي سهيل السهيل والروائي المبدع عبدالرحمن مجيد الربيعي والسادة محسن الشيخ راضي وباقر ابراهيم الموسوي، فهؤلاء أصحاب مكانة ومنزلة ونفوذ واحترام في أوساط عرب العراق وليس عدنان الباجةجي وحاجم الحسني وسعدون الدليمي وفلح النقيب وغازي الياور ووفيق السامرائي والمترهلين فكريا وجسديا من امثالهم، أو عبدالعزيز طباطبائي وابراهيم جعفري وموفق (ربيعي) ومحمد حجة خان وعادل عبدالمهدي المنتفجي وأياد علاوي واحمد الجلبي وصفية السهيل وجواد المالكي وحسين شهرستاني وحميد مجيد موسي ومهدي الحافظ الي آخر شلة التقلبات السياسية، فهل فهم الامريكان العراق علي حقيقته وعرفوا شخصياته وقياداته الاصيلة، وتعرفوا علي الاخرين من الطارئين عليه، أم انهم مازالوا علي غبائهم الذي قادهم الي هزائم متتابعة وسيقودهم الي مزيد من خسارات متلاحقة؟9