الأمريكتان
د. عبدالوهاب الافنديالأمريكتان(1)طغي خبران لهما دلالات متناقضة علي التغطية الإعلامية لأحداث أمريكا خلال الأيام القليلة الماضية، الأول خبر العدوان علي مدرسة تتبع لطائفة الأميش في مدينة نيكل ماينز بولاية بنسلفانيا في الأسبوع الماضي، حيث قام مسلح موتور (في قضية لا علاقة لها بالطائفة) باحتجاز رهائن في المدرسة وقتل خمس تلميذات وجرح مثلهن. أما الثاني فهو خبر فضيحة عضو مجلس النواب عن الحزب الجمهوري مارك فولي الذي أجبر علي الاستقالة من منصبه بعد أن افتضح أمر مراودته لشبان يعملون في الكونغرس عن أنفسهم.(2)الأميش كما هو معروف طائفة مسيحية بروتستانتية متشددة من أصل ألماني سويسري ظهرت في مطلع القرن السادس عشر وهاجر معظم أفرادها الحاليين إلي الولايات المتحدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويعيش أفراد الطائفة في عزلة عن المجتمع ويرفضون استخدام التسهيلات الحديثة من هاتف وسيارة وغيرها، ويلبسون لباساً تقليدياً غاية في الاحتشام للنساء، ويرفضون الخدمة في الجيش أو تسلم الإعانات الحكومية.(3)عندما وقعت الفاجعة الأخيرة علي الأميش في بنسلفانيا كان أول ما صدر منهم الرضا بقضاء الله وقدره، ولم يتبعوا السنة الأمريكية (والحديثة عموماً) في التحسر علي ما أصابهم أمام كاميرات التلفزيون وإلقاء اللوم يميناً وشمالاً. بالعكس تماماً كان أول ما فعلوه هو إرسال وفد لزيارة أسرة القاتل (الذي انتحر في الحادث) لتقديم التعازي لهم والتضامن معهم وإعلان عفوهم الكامل عن جرمه في اتباع للسنة المسيحية الحميدة.(4)لا يمكن قط تصور خبرين يكشفان حجماً أكبر من التناقض في الرمزية من هذين الخبرين. فمن ناحية نجد اليمين الأمريكي الذي لم يأخذ من المسيحية أيا من قيمها، وقد نخر الفساد في قمة قياداته، وساد فيه اتباع الشهوات وارتكاب الفواحش. ومن جهة، نجد هذه الطائفة التي تعيش في قلب المجتمع الأمريكي الذي صدر حمي الاستهلاك الجنوني واتباع الشهوات إلي العالم قاطبة تحت مسمي العولمة، ولكنها لا تحافظ فقط علي قيم الفضيلة والتعفف، بل ترفض التعامل مع الكثير من الطيب المباح في هذا المجتمع! أي قوة إرادة وصلابة عزيمة عند هؤلاء القوم الذين يناهز عددهم المائتي ألف يقيمون في بضع وعشرين مستوطنة في الولايات المتحدة وكندا ولم تجذبهم هذه الهوجات الاستهلاكية التي بلغت حد الجنون ولم ينج منها كثير من المسلمين؟(5)في سياق مقارب طغت علي بريطانيا خلال الأسبوع الماضي ضجة أثارها تصريح لزعيم الأغلبية في البرلمان جاك سترو حين أعلن في مقال له في الصحيفة المحلية في دائرته في شمال وسط انكلترا أنه يطلب من المسلمات المنقبات اللواتي يرتدن عيادته أن يخلعن النقاب لأنه كما قال يشكل حاجزاً يعيق التواصل الإنساني. الإعلام البريطاني والأوساط المتوجسة من المسلمين استغلت هذه المناسبة للردح بلا نهاية حول تعنت المسلمين ورفضهم الاندماج في المجتمع. وبعيداً عن هذه الضجة استوقفني ظهور تلفزيوني للراهبة الشهيرة الأخت وندي بيكيت، وهي راهبة تعيش في عزلة في مقطورة متنقلة في باحة أحد الأديرة حيث نذرت للرحمن صوماً فتقضي معظم وقتها في الصلاة والتأمل والقراءة ولا تكاد تكلم إنسياً. وقد ظهرت الراهبة وهي ترتدي كامل لباسها الرهباني الذي أصبح غريباً جداً في عالم التلفزيون.(6)الأخت بيكيت البالغة من العمر ستة وسبعين عاماً واشتهرت بتقديم حلقات تعريفية بروائع الفن في التسعينات، ولدت في جنوب افريقيا والتحقت بسلك الرهبانية وهي في السادسة عشرة. وهي حاصلة علي درجة جامعية في اللغة الإنكليزية من أكسفورد وقد عملت بالتدريس قبل أن تختار العزلة في باحة دير في مقاطعة نورفولك. وقد كانت مناسبة ظهورها التلفزيوني الأخير التنويه بمختارات شعرية نشرتها في كتاب جديد. وقد كانت نشرت من قبل عدة كتب في الفن والأدب، إضافة إلي برامجها التلفزيونية. (7)في هذا العصر الذي كثر فيه الحديث عن عولمة القيم الاستهلاكية والشهوانية باعتبارها ليست وباء العصر ولكنها سمته المميزة، بحيث أصبحنا جميعاً من سكان عمورية، من المفرح للنفس الإنسانية أن تري لمسات القوة والسمو الإنساني المتجسدة في جماعات وأفراد يذكرون بأن الإرادة الإنسانية لا تعرف الحدود، وأن الإيمان ـ إذا صدق صاحبه ـ قوة لا يمكن أن يقف أمامها شيء. فلا نامت أعين الانهزاميين.9