منذ تأسيس الأمم المتحدة لاتزال الأزمات الإنسانيه و فظائع الحروب الأهلية في دول العالم الثالث تقدم مليون دليل على فشلها و انعدام أخلاق رعاتها الخمسة الكبار فقد وضعوا أنفسهم في معسكرين وأخذوا يلعبون لعبة شد الحبل بحبل رُبط حول أعناق الشعوب المعذبة. ظلّ مُدَّعو الإشتراكية منذ عهد الإتحاد السوفييتي إلى الآن يتهمون الولايات المتحدة بالإمبريالية وارتكاب الجرائم في دول العالم الثالث في أمريكا الجنوبية و الوسطى مروراً بفيتنام وصولاً إلى أفغانستان وليس إنتهاءً بالعراق وينسون جرائم الإتحاد السوفييتي بحق شعبه وخاصة الشعوب غير الروسية التي كان يحتلها . أما الليبراليون فيشمئزون من فظاعة جرائم الأنظمة الشيوعية والشمولية الدكتاتورية وقمعيتها وينسون المذابح التي ارتكبتها الولايات المتحدة تحت مسميات نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب. لايزال هذان المعسكران قائمين حتى الآن نوعاً ما فقد ورثت روسيا إمبريالية وديماغوجية الإتحاد السوفييتي البائد و لكن بنكهه رأسمالية ، و لا تزال الأنظمة العربية تقف في آخر الصف في أحدهما تجبرها رغبتها بالإستئثار بالسلطة على دفع فواتير باهظة من جيوب شعوبها التي ظلت النيران تستعر في صدورها حتى أتى قانون ابن خلدون ودفعها لإشعال ثورات في دول باتت أنظمتها في طورها الثالث فسقط الأنظمة في تونس و ليبيا و أتت تسوية غيَّرت قليلاً في اليمن و لكنها لمَّا تنجح في كل من مصر وقد عادت إلى عام 1954 و سورية جرح الإنسانية النازف و إحدى أبشع وصمات العار على جبين الأمم المتحدة فما يجري حولها من مساومات وصراع غربي – روسي إيراني يتقاسم فيه كلا الطرفين نفس القدر من القبح و الكذب و الإثم . فقبل قمة العشرين الأخيرة خرج بوتين ليتهم المعارضة بارتكاب المجزرة الكيماوية في الغوطة الشرقية وتعهد إن كانت من فعل النظام أنّه سيعاقبه بالتعاون مع المجتمع الدولي بعد استصدار قرار من مجلس الأمن بذلك ثم قال إنّه يريد أن يذكر أوباما بالضحايا الذين سيسقطون إذا ما قام بتوجيه ضربة عسكرية للنظام وكأنّ سورية بلد الأمن والسلم الآن، إنّ الفودكا التي شربها ذلك الصباح لم تكن مغشوشة. أما أوباما فظلّ يرسم الخطوط الحمر للنظام إلى أن جاءت المجزرة الكيماوية – الرابعة عشرة بإعتراف فرنسا و بريطانيا – في الغوطة الشرقية والتي عرّته تماماً فظهر بأقبح صوره أمام العالم ، في ظل تجاذبات وصراعات غربية روسية وتجاهل الأمم المتحدة مؤسساتها بشكل كامل . إنّ روسيا تخاف من إمتداد الربيع العربي إلى دول أسيا الوسطى والقوقاز حيث مازالت تكرس أنظمة دكتاتورية تدور في فلكها وبالتالي وصوله إليها يوماً ما لذلك فهي تريد وأده في سورية. منذ صعود نجم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وهي تسعى لإنشاء و الحفاظ على مواقع توتر في مختلف بقاع العالم : كورية الشمالية كورية الجنوبية و اليابان ، الصين تايوان ، الهند باكستان ، إيران دول الخليج ، الصراعات العرقية القبلية في إفريقية، الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا الوسطى والجنوبية ولا تزال تلك الصراعات قائمة حيث تُسْتَجْدى الولايات المتحدة دائماً لتتدخل وهي طبعاً تسعى لإيجاد حلول رمادية لتلك الصراعات لتضمن بقاءها وبذلك تكرس هيمنتها على العالم، ثم خرجت في العقد الأخير بنظرية نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والتي تبرر تدخلها في أي مكان و زمان مما يضمن مصالح شركاتها . وهي لا تزال المسيطرة والقطب الأوحد في العالم وما يجري من حديث عن صعود قوى أخرى ما هي إلا تحليلات لم يثبت الواقع صحتها، وما يجري في مجلس الأمن ما هو إلا مهزلة مطروقه ما عادت تنطلي على أحد ، فوضع بارجتين شرق المتوسط كان كفيلاً بقلع أنياب و مخالب الدب الروسي و نزع عباءات ملالي طهران ولجمهم بها و خلع ملابس الأسد فبدا كقط القمامة ، إذا فالولايات المتحدة كانت دائماً مختبئة خلف الفيتو الروسي و سيظلّ أوباما ممتناً لآخر العمر لصديقه بوتين على مبادرة نزع السلاح الكيماوي من نظام الأسد ؛ فروسيا تبذر ما يتبقى بعد النهب من عائدات النفط والغاز على جيشٍ لا يستقوي إلا على جورجيا وشعوب القوقاز العزلاء عندما تتحرك مدمرات العم سام ويجد الجد يظهر النمر الورقي على حقيقته. أما الصين فإقتصادها العملاق ومليارها و النصف بأيدي الأمريكيين ودولارهم ، و ما قيل عن استنزاف وإنهاك أمريكا من الحروب في أفغانستان والعراق فهذه حجج وحديث لغو فهي منذ دخولها الحرب العالمية الثانية وهي تنتقل من حرب إلى حرب ، وماذا يفعل أربعة آلاف مستشار للبيت الأبيض إذا لم يحسبوا كل خطوة لبلدهم، أما مئات المليارات من مصاريف آخر حربين ففي النهاية قد صرفت في أمريكا نفسها على شراء السلاح ورواتب الجنود، وأما عدد ضحايا الحروب من الأمركيين فهذا أمر لا يهم كثيراً نصف الدزينة التي تملك المال وتحكم أمريكا وبالتالي العالم من وراء الستار . إنّ الولايات المتحدة تتصرف كإمبراطورية وقوة عظمى في كل مكان من العالم إلا في محيط إسرائيل حيث تظهر بأبشع صورها وأقبح ممارساتها وهي تصغي لإملاءات الصهاينة وتعبث في المنطقة بما يتوافق مع مصالحهم؛ وخوف إسرائيل من مستقبل حر ديمقراطي لسورية يدفع أمريكا لإعطاء المزيد من الوقت للنظام ليكمل مهامه بتدمير سورية وقتل أكبر عدد ممكن من شبابها ريثما ينتهوا من وضع خطط لمستقبل عراقي لسورية . مسكينة شعوب العالم الثالث كانت تمني النفس بإصلاح منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن عبر إدخال دول مثل البرازيل والهند و ألمانية… إليه تلك الدول كان ولا يزال لها نفس الموقف الروسي الصيني من الفظائع الجارية في سورية فماذا كنّا سنجني من تلك الإصلاحات ! الأمم المتحدة غير قابلة للإصلاح فإعطاء الحقوق لإصحابها والحكم بالعدل في النزاعات الدولية أمر لم يقتنع به الأمريكيون المسيطرون عليها حتى الآن، و لكن من حسن حظ الشعوب المضطهد المعذبة التي لا تملك لنفسها ضرأ و لا نفعاً أن حركة التاريخ لا تتوقف ، و كما أنّ الدول العربية تتجه نحو نهاية صغرى فإنّ الولايات المتحدة و نظامها العالمي تتجه نحو نهاية عظمى ليس بعدها إلا الحضيض ، وستتعذب أجيال ليصل يوماً ما جيل إلى بر الأمان.