الأمم المتحدة تعول على انتخابات حرّة ونزيهة في العراق لاستعادة ثقة الجمهور وتحث بغداد وأنقرة على الحوار

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: شددت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، هينيس ـ بلاسخارت، على أهمية إيلاء الحكومة العراقية مزيداً من الاهتمام بملف الإصلاحات الاقتصادية، في ظل عيش ثلث سكان العراق تحت خط الفقر، وفيما أشارت إلى استمرار الجماعات المسلحة بـ«استعراض عضلاتها» لتهريب الناشطين والمتظاهرين، حثّت بغداد وأنقرة، على أهمية حسم الخلافات بينهما عبر الحوار.
وتطرقت المسؤولة الأممية إلى جمّلة ملفات تخصّ الشأن العراقي الداخلي، عبر إحاطة قدمتها، مساء أول أمس، إلى مجلس الأمن الدولي.
وقالت في نصّها: «لم يسلم أي بلد أو مجتمع من الأثر المدمر لفيروس كورونا، والعراق ليس استثناءً من ذلك، بل على العكس، فقد فاقمت الجائحة التحديات الاقتصادية والاجتماعية العميقة والموجودة أصلاً» مشيرة إلى ارتفاع «نسبة الفقر بما يزيد على عشرة في المئة خلال الأشهر الأخيرة. ويعيش ثلث عدد سكان العراق الآن تحت خط الفقر، ويعاني اثنان من كل خمسة عراقيين من حرمان متعدد الأوجه في الحصول على الخدمات والحقوق الاجتماعية الأساسية». وأضافت: «لقد تضاعف العنف القائم على النوع الاجتماعي على نحو مقلق، فيما تتضاءل الخيارات في طلب المساعدة أو الحصول على مأوى أمام الضحايا».
ورأت أن «الفساد ما زال مستشرياً وأن تكلفته الاقتصادية لا توصف، فيما يستمر بسرقة الموارد التي تمس الحاجة إليها من المواطن العراقي العادي، مما يزعزع الثقة لدى المستثمرين. كما تحرك آفة الفساد تلك بشكل خطير العديد من القضايا الأمنية في العراق» منوهة أن الحكومة العراقية «تُدرك هذه التحديات وقد جعلت الإصلاح الاقتصادي والمالي أولوية لها. ومن المتوقع أن يقدم وزير المالية إلى البرلمان قريباً خطة مفصلة للإصلاح الاقتصادي».
لكنها اعتبرت «من أجل أن تتجذر هذه الإصلاحات الهامة والمؤلمة في السياق التاريخي للحقوق والاستحقاقات المتوقعة، ينبغي أن تتحد الطبقة السياسية معا مع منح الأولوية لمصلحة البلاد وحماية الضعفاء. ومع ذلك، لم نشهد إلا القليل من هذه الروح حتى الآن».
وأكدت: «هذه الإصلاحات في غاية الأهمية لفتح مستقبل مشرق لجميع العراقيين، مستقبل يمكن من خلاله أن تنتقل البلاد من اخماد النيران إلى بناء حلول مستدامة وقدرة محلية على مواجهة الأزمات».

ملف الاغتيالات

وتطرقت الممثلة الأممية إلى ملف اغتيال الناشطين والمتظاهرين بالقول: «في الأشهر الأخيرة، استمرت الاضطرابات الاجتماعية في أنحاء العراق وإن انخفضت إلى حد ما بسبب استمرار الجائحة» معربة في الوقت عينه عن «القلق الشديد من ارتفاع وتيرة قتل واستهداف الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان»..
واعتبرت أن «اسكات الأصوات المسالمة بالضغط على الناشطين ووسائل الإعلام، بإرباك المشهد أو حتى بأسوأ من ذلك بإراقة الدماء، يشكل إهانة للحقوق الأساسية والكرامة».
وزادت: «يدرك أولئك الذين يعرفون العراق (ويحبونه) مدى الإرباك الذي يكتنف المشهد العراقي، إذ تسعى العديد من الأطراف إلى تحقيق مصالحها الضيقة مما يؤدي إلى إضعاف الدولة من الداخل. فلا تزال الأحزاب الغافلة والسياسات القصيرة النظر وسياسات المحصلة الصفرية تشكل عقبات رئيسية أمام التقدم. ولكن لكي نكون واضحين: ينبغي عدم السماح لأي حزب أو شخص أو كيان باختطاف المطالب المشروعة للشعب العراقي».

بلاسخارت: ثلث سكان العراق تحت خطّ الفقر… وتنظيم «الدولة» يستغل الانقسامات والثغرات الأمنية

وعبّرت عن أسفها من مواصلة «الجماعات المسلحة استعراض عضلاتها بشكل متهور وتسعى بشكل عام إلى خلق بيئة من الترهيب الصريح. هذا يعني، أنه في الوقت الذي يكون فيه المواطنون العراقيون في أمس الحاجة الى بيئة مستقرة تتوفر فيها شروط السلامة والأمن، فأن قعقعة السلاح لا تتوقف».
ونوهت أيضاً إلى إن «تنظيم داعش يواصل حصد الأرواح مستغلاً وجود الانقسامات الداخلية والثغرات الأمنية».
وبشأن العلاقات العراقية الخارجية، أكدت أن الحكومة العراقية «عازمة على الإبقاء على القنوات المتعددة للتواصل والتبادل مفتوحةً واختيار الحوار فيما بين الدول وبناء العلاقات أولاً وقبل كل شيء» آملة أن «تتاح للعراق فرصة أكبر للتركيز على قدراته المحلية لمواجهة التحديات بدلاً من أن يُستغل كساحة تتصارع عليها مختلف القوى المتنافسة».
ورأت أن «التصعيد الأخير في مناطق الحدودية العراقية-التركية يعد مسألة تثير قلقلا بالغاً. ونحن نواصل حث البلدين على حل خلافاتهما عبر الحوار والتعاون مع الاحترام الكامل للسيادة الوطنية».
وتطرقت أيضاً إلى ملف الانتخابات التشريعية المبكّرة التي أقرت الحكومة العراقية موعدها في 6 حزيران/ يونيو المقبل، معتبرة بأنها تمثل «المطلب الشعبي الأساسي دائماً».
لكنها لفتت إلى إن مجلس النواب العراقي «لم يحسم المسائل الأساسية المتعلقة بتوزيع المقاعد وتحديد الدوائر الانتخابية. وينبغي أن تحكم الاعتبارات الفنية وليس الحزبية عملية وضع الصيغة النهائية لتلك المسائل الاساسية» مشددة على أهمية «تعضيد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وتحريرها من الضغوط السياسية المستمرة، وبالأخص فيما يتعلق باختيار الموظفين وكذلك صياغة الإجراءات الانتخابية وتنفيذها».

إجراءات ضرورية

وحددت البعثة الأممية ثلاثة إجراءات ينبغي على مفوضية الانتخابات اتخاذها للتصدي للتحديات الانتخابية وبناء ثقة الجمهور بحياديتها وقدراتها الفنية، تتعلق بـ«إعداد سجل ناخبين شامل ويضم الجميع» بالإضافة إلى إعداد «منظومة لإدارة نتائج الانتخابات تمتاز بكونها شفافة وموثوقة وتخضع للتجربة» فضلاً عن وضع «إطار قضائي لمعالجة الشكاوى والطعون والانتخابية».
ورغم ذلك، أقرّت أن «استعادة ثقة الجمهور أمر صعب. وفي ذلك السياق، سيثبت أن الانتخابات الحرة والنزيهة لها أهمية حاسمة. ويمكن أن تفتح عملية (إعادة ضبط) الانتخابات صفحةً جديدةً ومهمةً للعراق. ولكن لكي يتحقق هذا الهدف، يجب أن تكون الانتخابات ذات مصداقية. ولا تقتصر هذه المسؤولية على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والحكومة فحسب، بل إنها مسؤولية جميع الأطراف السياسية العراقية الفاعلة والجهات المعنية بالانتخابات».
وفي زاوية أخرى من الإحاطة، انتقلت الممثلة الأممية إلى العلاقة بين بغداد وأربيل، مبينة أن «المفاوضات البناءة هي السبيل الوحيد القابل للتطبيق، كما قلت مرات عديدة».
وأضافت: «لقد تمت صياغة الدستور العراقي تحت ضغط كبير من الوقت في عام 2005، وكُرّسَت المبادئ العامة في النص مع ترك تنفيذها ليتم تحديده من خلال التشريعات الداعمة اللاحقة. ولكن بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال هذا النقص في التحديد يُشّكّل الجدال بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. خمسة عشر عاماً دون اتفاق على التعزيز التدريجي للنظام الاتحادي؛ خمسة عشر عاماً من دون اتفاق بشأن توزيع الموارد الطبيعية أو حول المناطق المتنازع عليها؛ وخمسة عشر عاماً لم تُسَن القوانين التي تحدد بوضوح حقوق والتزامات كل من بغداد وأربيل».
وأكدت: «الوقت قد حان لأن يفوق العراق مجرد كونه مجموعة من المكونات. نحن نحيي بحذر الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخرا بين بغداد وأربيل، وإن كان هشّاً، بشأن قضايا من بينها دفع رواتب الموظفين في إقليم كردستان».
وتابعت: « في أحدث إحاطة لي في شهر أيار /مايو، أكدت أن الشفافية ومحاربة الفساد وحرية التعبير والإصلاحات الأساسية في إقليم كردستان، كما في أي مكان آخر في العراق ذات أهمية قصوى. ويجب أن أكرر تلك الرسالة اليوم. من المؤكد أن الردود القوية على النقد العام أو الاحتجاجات أو المضايقات أو اغلاق وسائل الإعلام لا تمثل السبيل إلى الأمام. ففي مواجهة التحديات المعقدة، يتوجّب على الحكومات أيضًا (ودائمًا) الاستمرار في الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية