الأمن الاجتماعي مفقود واللبنانيون من جلجلة إلى أخرى فهل يخرج الوضع عن السيطرة؟

ناديا الياس
حجم الخط
0

بيروت-»القدس العربي»: لا معاناة تعلو على معاناة اللبنانيين في هذه الأيام بعد استفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والحياتية غير المسبوقة التي تنغّص حياتهم وأوضاعهم المعيشية والصحيّة، فبات من الصعب عليهم العيش بهناء ورخاء وبحبوحة وكرامة بعد الذل الذي لحق بهم من جرّاء انقطاع الكهرباء بصورة متواصلة، وعجز أصحاب المولدات الكهربائية عن تشغيل مولداتهم بشكل متواصل بسبب فقدان مادة المازوت وارتفاع أسعار الصفيحة في السوق السوداء وارتفاع أسعار قطع الغيار، الأمر الذي دفع كثيرين منهم مرغمين إلى إطفاء مولّداتهم لأكثر من ست ساعات مداورة صباحاً ومساء في العديد من المناطق التي حلّت فيها العتمة، وشهدت أيضاً انقطاعاً للمياه بسبب غياب الكهرباء ومادة المازوت لتشغيل المولدات لضخّ المياه إلى المشتركين، كما تمّ الخوف من انقطاع الإنترنت بعد الصرخة التحذيرية التي أطلقها مدير هيئة أوجيرو عماد كريدية لتزويد قطاع الاتصالات والإنترنت بالطاقة، أو بتزويدهم بمادة المازوت التي شحّت في المراكز لتشغيل المولدات الكهربائية لدى هيئة أوجيرو لتتمكن من استكمال تقديم خدماتها.

وانسحبت أزمة الكهرباء وعدم توفر مادة المازوت على الأوضاع الصحيّة حيث بدأت القطاعات الاستشفائية والغذائية والأساسية للمواطنين رفع الصوت تحذيراً من انقطاع المادة نهائياً وتوقّف كل خدماتها، حتى أن بعض مديريات ومؤسسات الدولة التي نفد منها مازوت المولدات فتوقفت أعمالها، وأطفأ مستشفى رفيق الحريري الحكومي مكيّفات التبريد في أجزاء من المستشفى، وأرجأ بعض العمليات بسبب انقطاع الكهرباء، ودقّ ناقوس الخطر لتزويده بالمازوت ليتمكّن من تشغيل المولدات.

صرخة تحذيرية

وأطلقت نقابة أصحاب المستشفيات في لبنان صرخة تحذيرية بشأن عدد من المستشفيات التي استنفدت المخزون الموجود لديها من مادة المازوت وما تبقّى لديها لا يكفي لتأمين حاجة 24 ساعة، وناشدت النقابة المسؤولين المعنيين كافة بضرورة تأمين هذه المادة للمستشفيات فوراً، وإلا فهي مقبلة على كارثة صحية مع عدم قدرة المستشفيات على تأمين التيار الكهربائي.
وكادت السوبرماركات تتهدّد وتتضرّر السلع الغذائية التي تحتاج إلى تبريد متواصل لولا طمأنة نقيب أصحاب السوبرماركت نبيل فهد إلى أن السوبرماركت ستفتح أبوابها ولن تقفل إلا في حال وجود قوة قاهرة لناحية عدم تأمين وجود المازوت لتأمين الكهرباء.
بدوره، ناشد رئيس نقابة الدواجن وليم بطرس السلطات المعنية وجوب تسليم مادة المازوت إلى منتجي ومزارع الدجاج، محذّراً من كارثة كبيرة قد تقع في القطاع من جراء هذه الحالة التي قد تقضي على الدجاج الحي الموجود في المزارع والدجاج الموجود في برادات المسالخ.
هكذا، بدأت علامات الإرتطام تتجلّى لمعظم الناس البائسة التي أصبحت أحلامها تختصر بتعبئة صفيحة البنزين وتأمين حليب الأطفال المفقود من السوبرماركت، وفقدان الدواء في الصيدليات، وتأمين أبسط أنواع المواد الغذائية التي باتت نادرة وغير موجودة على الرفوف في المحلات، فعَلَت الصرخات واحتجاجات المواطنين الغاضبين تعبيراً عن الخوف والقلق لما ينتظرهم من مصير قاتم مجهول، فنزل البعض منهم في طرابلس وصيدا وجبل لبنان والبقاع احتجاجاً على طوابير الذّل أمام محطات المحروقات لتعبئة القليل القليل من البنزين، فقطعوا الطرقات واشعلوا إطارات السيارات تعبيراً عن غضبهم.
وتزامن هذا المشهد السوداوي مع التباينات السياسية الحادة وصراعات المسؤولين في ما بينهم على المحاصصة والتجاذب حول الصلاحيات غير آبهين بأوجاع وقهر الناس الجائعة بسبب تآكل القدرة الشرائية للعملة اللبنانية أمام تقلبات الدولار الذي وصل إلى عتبة الـ 18000 وفوضى والتهاب أسعار معظم المواد الأساسية والحيوية بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، حيث بلغ سعر صفيحة البنزين 71 الف ليرة والمازوت 54 ألفاً.

الغضب الشعبي

وفور صدور جدول اسعار المحروقات اعتمدت تسعيرة جديدة للسلع والخدمات بزيادة تراوحت ما بين 3 إلى 5 في المئة، من دون احتساب الزيادة التي طرأت نتيجة ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي مقابل الليرة كما ارتفعت أسعار الخضار والفاكهة بحدود3000 ليرة للكيلو.
ولفت رئيس تجمع أصحاب المولدات الخاصة في لبنان عبدو سعادة إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات سينعكس تلقائياً على المولّدات، وفاتورتها تتأثر بسعر المازوت وصرف الدولار والتقنين الحاصل، واستناداً لما هو مطروح أعلن أن سعر الـ 5 أمبير سيتخطى الـ 500 ألف ليرة، وطالب بدعم حصة أصحاب المولدات من المازوت على سعر 1500 للدولار وهو ما سينعكس مباشرة على المواطن من خلال الفاتورة.
وما كان ينقص اللبنانيين وسط هذه الأزمات المتشعبّة والمترابطة إلا تهديدا إضافيا للأمن الغذائي الذي نبّهت منه مجدداً الغرفة الدولية للملاحة في بيروت التي تخوّفت من أن تدخل سلسلة استيراد الأمن الغذائي إلى لبنان في دائرة الخطر في حال استمر ارتفاع عدد الرافعات الجسرية المعطلة في محطة الحاويات في مرفأ بيروت، وأصبح المزيد منها خارج الخدمة، ولفتت إلى انخفاض عدد الرافعات الجسرية الصالحة للعمل حالياً إلى 5 رافعات من أصل 16 رافعة مجهّز بها الرصيف الرئيس رقم 16 في المحطة لتأمين تفريغ وشحن سفن الحاويات، وناشدت الرؤساء الثلاثة التدخل سريعاً مع حاكم مصرف لبنان لتمكين الشركة المشغّلة لمحطة الحاويات BCTC من تحويل أموال من ودائعها بالعملة الصعبة إلى الموردين في الخارج لشراء قطع الغيار المطلوبة لإصلاح معدات المحطة من رافعات جسرية وآليات ومقطورات، قبل فوات الأوان والوقوع في المحظور.
واحتواء لتداعيات الغضب الشعبي المتوقّع ان يتصاعد نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار، انعقد المجلس الأعلى للدفاع في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي أوضح أن الغاية الأساسية هي البحث في الوضع الأمني، ورأى أن ما حصل أمام محطات المحروقات هو أمر غير مقبول، وإذلال المواطنين مرفوض تحت أي اعتبار، وعلى جميع المعنيين العمل على منع تكرار هذه الممارسات ولاسيّما أن جدولاً جديداً لأسعار المحروقات صدر، ومن شأنه أن يخفّف الأزمة. وأضاف عون ان إقفال الطرقات أمام المواطنين يتسبب بمعاناة كبيرة لهم تضاف إلى ما يعانونه نتيجة الأوضاع المالية والاقتصادية الصعبة، لافتاً في الوقت عينه إلى أن التعبير عن الرأي مؤمن للجميع ولكن لا يجوز أن يتحول إلى فوضى وأعمال شغب، وعلى الجهات الأمنية عدم التهاون في التعاطي معها حفاظاً على سلامة المواطنين والاستقرار العام.
بناء على كل هذه الوقائع والأزمات المعيشية والاجتماعية والخدماتية، هل ينطبق القول المأثور»إشتدّي أزمة تنفرجي» أم يكون الوضع «إشتدّي أزمة تنفجري»؟.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية