دمشق ـ «القدس العربي»: مع مباشرة إدارة الأمن الجنائي في العاصمة السورية دمشق، إعادة منح وثيقة «لا حكم عليه» للمرة الأولى منذ إسقاط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تكدست طوابير بالمئات أمام مبنى إدارته في ساحة الجمارك في منطقة البرامكة، وأمام فرع مدينة دمشق في باب مصلى.
ومنح وثيقة «لا حكم عليه» هو أول عمل بات الأمن الجنائي ينجزه، بعد توقف عن العمل لفترة تجاوزت خمسة أشهر، ما يؤشر على المباشرة بإعادة تفعيل العمل تدريجيا في هذه الإدارة ذات الأهمية الكبيرة في ضبط الحالة الأمنية باعتبارها الضابطة العدلية المسؤولة عن الكثير من الجرائم.
وما إن انطلق العمل بمنح هذه الوثيقة، حتى توافد مئات السوريين على المبنيين المشار إليهما سابقاً، ومن محافظات مختلفة بما فيها المحافظات الشرقية، باعتبار أن وثيقة «لا حكم عليه» من أكثر الأوراق التي يحتاجها السوريون في معاملاتهم أثناء التقديم على الوظائف أو تقديم أوراق للبعثات الخارجية، وحتى للعمل خارج البلاد، على اعتبار أنها بمثابة براءة ذمة لحاملها بأنه غير محكوم بأي جرم جنائي أو جنحوي أو مطلوب لأي جهة أمنية، أو أنه متخلف عن أداء الخدمة الإلزامية التي كان معمولا بها في زمن النظام المخلوع.
ومنذ السادسة من صباح أمس، ولحجز الدور المطلوب، استنفر شبان أمام نوافذ منح الوثيقة، وكشف بعض ممن سألتهم «القدس العربي» أنهم قادمون من محافظات بعيدة مثل دير الزور والرقة والحسكة وحلب، وتحملوا عناء السفر لساعات لينالوا الوثيقة، لكنهم تفاجأوا بالازدحام الكبير.
ازدحام غير متوقع
إدارة الأمن الجنائي كانت فقد فتحت باب التسجيل منذ أكثر من أسبوع، لتقديم طلبات الحصول على وثيقة «لا حكم عليه».
وبيّن محمد وهو من محافظة دير الزور، أنه قدم طلبه منذ عشرة أيام، ولا يعلم إذا كان بإمكانه الحصول عليها أم لا، باعتبار أن اسمه لم يرد بعد في قوائم تتلى على الحضور، لكنه ظل واقفاً ينتظر، مشيراً إلى أنه مضطر للحصول على الوثيقة خلال أيام بدواعي السفر.
أم سامر، امرأة أربعينية، كانت جالسة أمام باب الفرع في باب مصلى، ولم ترغب بالاسترسال في الحديث للإرهاق الذي أصابها، فقد جاءت للحصول على وثيقة تحاول أخذها منذ شهر، واليوم عندما تم فتح باب منح الوثائق، كانت الأعداد كبيرة وتقدر بالآلاف.
بعد توقف استمر أشهراً… وتوقعات أن يحصل عليها الآلاف يومياً
خالد شاب دمشقي شرح لـ«القدس العربي» آلية الحصول على الوثيقة، وقال: يجب تقديم الطلب أولا في القصر العدلي، ومن ثم التوجه إلى إدارة الأمن الجنائي في الجمارك أو لفرعه في باب مصلى للحصول على الوثيقة، عبر مرحلتين، مشيراً إلى أن الطلب قبل ذلك كان يقدم في مقر وزارة الداخلية في منطقة كفرسوسة ومن ثم ينتظر دوره.
ويريد سامر، شاب في الثلاثين من عمره من حمص، الحصول على الوثيقة لتقديمها من ضمن أوراقه لبعثة خارجية. ويوضح أنه يقوم حالياً بالتسجيل في قائمة الدور لتقديم طلب الحصول على الوثيقة، وبعد يوم أو يومين، حين يصل دوره، يستطيع حينها تقديم طلب للحصول على الوثيقة، وأيضا وبعد يوم أو اثنين قد يتمكن من أخذ الوثيقة من الإدارة أو من فرع باب مصلى.
واستغرب سامر كل هذا التعقيد، باعتبار أن الخدمة كانت متوفرة قبل إسقاط النظام، بآلية الدفع عبر الحكومة الإلكترونية، ويتم التسجيل عليها من أي جهاز هاتف نقال ثم يستطيع صاحب العلاقة استلام الوثيقة من أي مركز للنافذة الواحدة في أي محافظة.
مراكز جديدة في المحافظات
مصادر وزارة الداخلية أكدت لـ«القدس العربي» أنه تم البدء بمنح وثيقة «لا حكم عليه» منذ أيام، والبداية كانت من فرع الأمن الجنائي في دمشق، لكن الازدحام الكبير يعيق الحصول على الوثيقة بسرعة، والكثيرون ينتظرون لليوم التالي أو حتى لأيام، مشيرة إلى أن السبب وراء هذا الازدحام مرده توقف الشبكة الإلكترونية خلال الفترة الماضية منذ إسقاط النظام السابق، بسبب الضرر الكبير الذي تعرضت له.
وقالت المصادر إن هذه الخدمات وغيرها قد توقفت بعد التدمير الذي لحق بالكثير من مقار وزارة الداخلية سواء التابعة منها لإدارة الهجرة والجوازات أو لإدارة السجل المدني، وفي أكثر من محافظة، وإن عاد بعض هذه الخدمات مثل التسجيل على جوازات السفر، أو الحصول على إخراجات القيد والبيانات العائلية وغيرها إلا أن خدمات أخرى ما زالت تنتظر الانتهاء الكامل من صيانة الشبكة وربط الجهات الإدارية ببعضها.
وتوقعت أن يتم منح الآلاف من هذه الوثيقة يومياً، وفي الفترة المقبلة سيحصل المواطن عليها بسهولة بعد أن يتم فتح مراكز أخرى في باقي المحافظات السورية تدريجياً.
وقبل يومين ذكر المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، عبر تصريح له نُشر على صفحته على «فيسبوك»، أن من بين أسباب تأخر إطلاق عمل المباحث الجنائية استمرار «معالجة المدخلات الجنائية، ودمجها ما بين المناطق المختلفة في نظام واحد، من إذاعات بحث، وكف البحث، ومذكرات قضائية، وخلاصة أحكام، للحصول على قاعدة بيانات موحدة على مستوى الجمهورية».
وأشار إلى وجود محافظات لم تستقر فيها بعد إدارات الدولة السورية، ولم يتفعّل عملها بشكل كامل نتيجة بعض الظروف، ما أخّر تفعيل خدمة غير المحكوم فيها، وأثّر سلباً على راحة المواطنين وجهدهم وزاد التكلفة عليهم للحصول عليها من مناطق ثانية، ما سبّب ضغطاً على المراكز في المحافظات المُفعّلة فيها الخدمة.