منذ قرر شعب مصر أن ينزل إلى الشوارع، منذ أن قرر شباب مصر التغيير في بلدهم وفق منظومة قديمة جديدة من الأفكار والتصورات التي تقوم على الكرامة وبناء المستقبل، والانتماء للأرض والدفاع عنها.
منذ تلك اللحظة، قرروا الدفاع عن وطنهم ضد أولئك الذين أمسكوا بها وسرقوها منذ ثلاثين عاما، وضد النظم الأمنية التي ولدت داخل هذا النظام الديكتاتوري، وهي حتماً لن تكون غير جزء منه، تتصف بنفس صفاته: القمع، الضرب بالبارود وليس بالعصا، على قاعدة العصا لمن عصا، ليس لدينا إلا السجن والقمع لمن يقول: لا… لأي شيء يصب في مصلحة حكام البلاد والعباد، (هكذا يعتقدون كانوا قد سرقوها ونهبوا أرضها، باعوا تاريخها بأبخس الأثمان. والرد على الأسئلة دائماً: ممنوع أن تقول لا الآن هذا الشباب الثائر الذي استلهم الكثير من الركائز من تاريخ مصر العظيمة، ومن كل الثورات في العالم، وآخرها ثورة الأبطال في تونس، كان هذا الشباب يدرك سلفاً بأن النظام لن يرحل قبل أن يحاول حرق كل شيء قبل ذلك فطبيعة الحكام العرب لا تتغير لو تغير البلد، فقد تتلمذوا جميعاً على يد نفس المعلم الذي قال لهم: إياكم أن تتركوا السلطة بعد أن تصلوا إليها مهما كان الثمن، أقول هؤلاء الشباب يدركون هذا جيداً، من أجل هذا كله لم يراهنوا على رجال أمن النظام ليحمي البلاد والناس، وخصوصاً أن ألاعيبهم كلها باتت مكشوفة للجماهير، فحرق البلاد ونهبها حين تشعر الأنظمة العربية بالنهاية استلهمته ربما من نيرون روما، فليس أكثر من القهر معلم للجماهير لتبدع وسائلها من خلال معاناتها.
كان شباب مصر للبلطجية بالمرصاد قالوا للجيش المصري أهلاً بك نحميك وتحمينا، وبدأت إبداعاتهم بتشكيل اللجان الشعبية لحماية وطنهم وأرضهم، ولم يعودوا حتى يهتموا بسماع أية خطوة يقوم بها حسني مبارك، فهم أخذوا قرارهم:
لا نريدك… لا نريدك ولا نريد أي أحد من حاشيتك، وسنقف لكم بالمرصاد، وبالرغم من محاولات النظام حتى اللحظة الأخيرة خلط الأوراق، وخصوصاً بعد أن تخلى عنه حلفاء الأمس، لأنهم لا يستطيعون حمايته أكثر فلديهم من يحاسبهم أيضاً، بدأ بحرق كل الأوراق، ورقة راهنت عليها أمريكا يوماً: عمر سليمان، وورقة فاروق التي راهنت عليها بعض أطراف المعارضة.
كل هذا حدث وما زال يحدث الكثير ولكن الشباب المصري وقف ليقول كلمته: نحن شعب مصر، لسنا بحاجة لأمنك وشرطتك لحمايتنا وحماية بلدنا، فهذا البلد لنا وليس أقدر منا على حمايته من رجالك البلطجية الذين استأجرتوهم ليحرقوا البلد قبل رحيلك، لن نسمح بهذا.
نقول لمن قال بأن زمن الثورات ذهب وولى، وبأن الشباب العربي غبي، ومنحرف، ولا يستفيد من وسائل الاتصال الحديثة إلا ليرضي غرائزه وأغراض سخيفة لا تفيد أحداً، هاهو الشباب العربي والذي ربما لم يمارس العمل السياسي في حياته قد أعطى درساً حتى لمن قضى حياته في النضال والثورات.
وربما الوقت مبكرا للاستخلاصات، ولكن أهم ما يمكن أن يطرح لاحقاً: ان أحزاب المعارضة وفي كل الساحات العربية يجب أن تعيد النظر بوجودها وببرامجها التي لا تجذب الشباب كما يجب كما هم يريدون كدم ضروري تدفقه في الحركات الوطنية جميعاً.
ما حدث وما يحدث يستحق الكثير الكثير من الوقفات.
لقد أثبتت التجربة بأن هذه الأنظمة وبكل وسائلها الأمنية مهما كانت متطورة إنما هي أنظمة من ورق. ولربما ما صدم مبارك أكثر من أي شيء هو: اكتشافه للضعف الذي يتمتع به بعد أن كرست له نرجسيته بأنه لا أحد يمكن أن يقف في وجه قوته الرهيبة!’فيروز محمود الناجي- الأردن