الأمن المصري وتنظيم «الدولة» يتنافسان على ارتكاب الانتهاكات في سيناء

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: وثقت مؤسسة «سيناء لحقوق الإنسان» وقائع استمرار تدهور الأوضاع الحقوقية في مدن شمال سيناء، وذلك في تقريرها السنوي الذي يغطي الفترة من 1 يناير/ كانون الثاني، إلى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2021، مشيرة لانتهاكات ارتكبها كل من الجيش والشرطة، وتنظيم «ولاية سيناء» الموالي لتنظيم «الدولة الإسلامية» ويرقى بعضها إلى مصاف جرائم الحرب.
وحسب التقرير الذي حمل عنوان «عودة مُلَغّمَة» فإن مدينة بئر العبد حازت النصيب الأكبر من الانتهاكات بواقع 35 انتهاكاً، تليها الشيخ زويد بواقع 24 انتهاكاً، فضلا عن توسع الانتهاكات ضد النساء، وخاصة الاعتقال التعسفي لهن.
ووفقاً لما وثقته المؤسسة، فإن طرفي النزاع، المتمثلين في قوات إنفاذ القانون المصرية في الجيش والشرطة، وتنظيم «ولاية سيناء» قد تقاسما ارتكاب الانتهاكات التي ترقى في بعضها إلى مصاف جرائم الحرب.
وتوصلت إلى أن الممارسات التي ارتكبها أطراف النزاع أفضت إلى «سحق الحقوق الأساسية للمدنيين، وبعض هذه الممارسات بات سلوكا اعتاد أطراف النزاع فعله».
وكشفت عن «الواقع القاتم لحقوق الإنسان في شمال سيناء التي لا يُسمح للمنظمات الحقوقية بالدخول إليها ويقيّد على نحو كبير عمل الصحافة فيها».

مقتل 32 مدنيا

ووثّق فريق المؤسسة، في الفترة التي يغطيها التقرير، مقتل 32 مدنيا، منهم 7 أطفال و3 سيدات، وإصابة 17 آخرين منهم 4 أطفال على يد طرفي النزاع. كما أجرى مقابلات مع 107 أشخاص من شهود عيان وذوي ضحايا وسكان محليين.
وشهدت فترة التقرير «مقتل 6 أشخاص، من بينهم طفل وسيدة في عمليات قتل غير قانونية محتملة، حيث تم إطلاق الرصاص من كمائن الشرطة والجيش بشكل كثيف، كإجراء روتيني، بهدف تأمين محيط المكان والتثبت من عدم وجود تهديد، وأهداف عسكرية محتملة».
والأهم أنه يحصل «دون توجيه إنذار مسبق، أو اتباع أي قواعد لإطلاق النيران تجاه المدنيين وسياراتهم التي لم تشكل في سلوكها أو بمظهرها، أي تهديد عسكري».
ووثق التقرير أيضا «وقوع هجمات بقذائف مدفعية عشوائية بواسطة الجيش المصري، أفضت إلى مقتل سيدة وإصابة مدنيين اثنين آخرين».
ولم تعترف السلطات منذ بداية العمليات العسكرية في سيناء بسقوط ضحايا مدنيين بنيران القوات الحكومية. وحصلت المؤسسة على وثائق طبية رسمية تفيد بأن «ضحايا تلك الحوادث قُتلوا أو أصيبوا بسبب قصف مجهول المصدر، كما جرت العادة في تنصل السلطات من تبعات أعمالها العسكرية عندما تصيب المدنيين».

عبوات ناسفة

وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، قتل 10 مدنيين، من بينهم 4 أطفال وأصيب 11 آخرون من بينهم 4 أطفال بسبب العبوات الناسفة التي زرعها تنظيم «الدولة» لاستهداف القوات الحكومية.
وحازت مدينة بئر العبد النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات، تليها مدينة الشيخ زويد، بسبب سقوط ضحايا من المدنيين العائدين إلى منطقة تفاحة في بئر العبد وبعض مناطق جنوب الشيخ زويد عقب نزوحهم بعد أن سيطر عليها مسلحو تنظيم «الدولة».
ويعكس ذلك، حسب التقرير «فشلا مستمرا للقوات الحكومية في تطهير المنطقة من الألغام واللامبالاة بحياة المدنيين الذين رغبوا في العودة لبيوتهم وقراهم».
ووفق التقرير «مع استمرار منع الجيش الصحافيين والمراقبين المستقلين من دخول سيناء، وصعوبة الحصول على المعلومات على الأرض، فإنه من الصعب الوصول إلى استنتاج نهائي وقاطع بخصوص ما إذا كانت حالة النزاع المسلح كتوصيف قانوني قد انتفت تماما، إلا أن الواضح بالتأكيد أنها آخذة في الاتجاه إلى ذلك من حيث انخفاض حدة الهجمات وافتقاد تنظيم (الدولة) للتماسك الهرمي».
وراجعت «جميع البيانات الرسمية الصادرة عن وزارتي الدفاع والداخلية، فيما يتعلق بشمال سيناء، ولاحظت انخفاضا ملموسا طرأ على عدد البيانات الصحافية الصادرة من وزارتي الدفاع والداخلية الخاصة بعمليات مكافحة الإرهاب في سيناء، وكذلك أعداد قتلى المسلحين التي تتضمنها خلال عام 2021 مقارنة بالأعوام السابقة».

مقتل 32 خلال عام… عمليات إعدام وخطف واعتقالات تعسفية

وزاد التقرير: «نشرت وزارة الداخلية عدد (1) بيان صحافي بإجمالي عدد قتلى بلغ (3) أشخاص، بينما نشرت وزارة الدفاع (2) بيانا صحافيا بإجمالي عدد قتلى بلغ (102) شخص».
في حين أشارت جميع البيانات أن «القتلى كانوا مسلحين قتلوا في اشتباكات مع القوات الحكومية» وجدت المؤسسة «أدلة دامغة على واقعة قتل بدم بارد جرى تصويرها وعرضها كإنجاز عسكري في بيان رسمي، كما وثقت في تقارير سابقة وجود معلومات ملفقة وردت في بيانات رسمية عدة، الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة حول مدى مصداقية هذه البيانات».
كما تابع فريق المؤسسة أنه تمت «عشرات حالات الاعتقال التعسفي غير القانوني من قبل السلطات تجاه المدنيين، بعضهم جرى اعتقاله لأشهر طويلة دون توجيه تهم رسمية وخارج أي عملية قضائية، وبعضهم الآخر قضى مدداً طويلة في السجون لإرغام أحد أقاربه لتسليم نفسه للسلطات، ومن بين هؤلاء أطفال قاصرون ونساء مع أطفالهن».
ونقل التقرير إفادة لسيدة جرى اعتقالها وتعذيبها، لفريق المؤسسة عمّا كابدته بسبب صلة قرابتها مع أحد عناصر التنظيم، إبان فترة احتجازها في أحد أقسام الشرطة في مدينة العريش.

انتهاكات في المحاكمات

ورصد الفريق القانوني في المؤسسة، خلال فترة التقرير، وقوع عدد من الانتهاكات، يمكن معها وصف المحاكمات بأنها «تفتقر لمعايير المحاكمة العادلة» كان من بينها ظهور محتجزين أمام القضاء كانوا في عِداد المختفين قسرياً لمدد زمنية مختلفة لدى أجهزة الأمن، بعض هؤلاء المختفين احتجزتهم السلطات الأمنية وأخفتهم قسريا بعد حصولهم على قرارات رسمية بالإفراج عنهم، بعدما تجاوزوا المدة القانونية القصوى للحبس الاحتياطي والمقررة قانونا بعامين. كما سجلت المؤسسة جملة من الانتهاكات للحقوق التي أقرها القانون لصالح الأطفال دون الثامنة عشرة.

دون إذن قضائي

إضافة إلى ذلك، وثقت المؤسسة خلال التقرير، استمرار احتجاز الأشخاص المقبوض عليهم دون إذن من السلطات القضائية المختصة، في أماكن احتجاز غير رسمية وغير خاضعة للرقابة القضائية. كما سجلت عشرات الحالات رفضت فيها السلطات الأمنية إطلاق سراح أشخاص بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم وإعادة اتهامهم في قضايا جديدة تتحد في موضوعها مع القضايا السابقة التي جرى إخلاء سبيلهم منها. كما رصد الفريق استمرار الأوضاع السيئة غير الإنسانية للمحتجزين على قضايا ارهاب من شمال سيناء، ووثقت المؤسسة وفاة أحد المحتجزين خلال فترة التقرير بسبب الإهمال الطبي داخل السجن.
ولفت التقرير إلى أن عام 2021 شهد سماح السلطات الأمنية بعودة المدنيين النازحين إلى ثلاث قرى تابعة لمدينة الشيخ زويد بعد سنوات من نزوحهم القسري بسبب العمليات العسكرية، وعلى الرغم من أن عودة بعض الأهالي لمناطقهم بعد سنوات من النزوح تمثل حالة نجاح للسلطات الأمنية، إلا أن الحكومة المصرية عجزت حتى وقت نشر التقرير، عن توفير مقومات الحياة الأساسية للسكان المحليين، كما أظهرت العودة تقصيرا ملحوظا في تطهير هذه المناطق المحررة من مخلفات الحرب والعبوات الناسفة التي حصدت أرواح المدنيين.
ليس ذلك فحسب، بل إنه وخلال عام 2021 استمرت الحكومة المصرية في تدشين مرحلة جديدة لسياستها القائمة على تهجير السكان تحت حجج ومبررات مختلفة، حيث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار رقم 465 لسنة 2021، بتحديد ما يناهز 542 فدانا من الأراضي في مدينة العريش، كأراض من أعمال المنفعة العامة، تابعة للقوات المسلحة، ما يعني عمليا ابتلاع المزيد من أراضي المنطقة وتهجيرا وشيكا لقرابة 20,000 نسمة.
كما رصدت المؤسسة استمرار التنظيم في توسيع رقعة هجماته تجاه المدنيين، حيث سجلت المؤسسة 15 عملية إعدام وقتل لمدنيين بتهم من بينها التعاون مع الجيش والقوات الأمنية أو العمل في مشاريع اقتصادية تابعة للجيش، من بينهم سيدة غير منخرطة بالنزاع قتلت بجوار زوجها المتهم لدى التنظيم بالتعاون مع الجيش، وكذلك مقاول مدني يعمل في أحد المشاريع الإنشائية في رفح.

اختطاف مدنيين

كما سجلّ التقرير عشرات حالات الاختطاف التي طالت مواطنين غير مقاتلين خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وتركزت معظمها في بئر العبد والشيخ زويد.
وتبعا للمؤسسة «يشترك هؤلاء المختطفون بأنهم مدنيون غير منخرطين بالنزاع، ولم يتخلوا عن صفتهم كمدنيين التي تقرها القوانين الناظمة للنزاعات».
وقد لاحظ فريق المؤسسة «نمطاً متكرراً من حالات الاختطاف بهدف الحصول على فدية مالية من أسرة المختطف» كما وثق «العديد من حالات الاختطاف الجماعي، يتجاهل فيها التنظيم الإشارة إليها عبر إعلامه الرسمي، ثم يقوم لاحقاً بإطلاق سراح المختطفين بعد أيام من إخفائهم قسريا والتحقيق معهم. وفي بعض الحالات استخدم التنظيم أساليب تعذيب نفسية وجسدية من أجل انتزاع المعلومات».
ووفقا لأحمد سالم، المدير التنفيذي للمؤسسة «يبيّن سجل الانتهاكات التي وثقها التقرير اتفاقاً غير مكتوب بين طرفي النزاع على عدم احترام حقوق الإنسان، أو الاكتراث لحياة وكرامة أهالي سيناء، وهو ما أدى إلى تحوّل مساحات واسعة من شمال سيناء إلى بيئة طاردة للحياة تتفشى فيها الإساءات والاعتداءات بحق المدنيين».
وأضاف: «على السلطات المصرية اعتماد ونشر استراتيجية وطنية عاجلة تعطي الأولوية لمحاكمة مرتكبي جرائم حرب باتهامهم بجرائم محددة تضمن عدم إفلاتهم من العقاب بحجج ومبررات واهية، أما فيما يتعلق بالمشتبه بانتمائهم إلى داعش دون أي أدلة على ارتكابهم جرائم خطيرة، وخاصة الأطفال، فعلى السلطات النظر في اعتماد بدائل عن الملاحقات الجنائية، تضمن اعادة دمجهم في المجتمع بشكل يحقق استقرارا مستداما في شبه جزيرة سيناء».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية