الأمهات لا يستطعن كثيراً

حجم الخط
0

منهل السراج

وجه أمي المعاتب بسلام وعلي الدوام، هو آخر وجه رأيت من البلد. أو ربما نويت أن لا أنظر بعده في غيره. غادرتها وأنا أغالب الدموع، فقد تربينا أن نخجل من التعبير عن مشاعر الحب، الحزن، الشوق. في الطائرة نظرت في وجه ابني لأني رغبت أن أحتفظ بوجهها، فهو يشبهها بشدة. ودعتها بقبلات سريعة، من دون أن أضع عيني أمام عينها. كنت خجلي منها. لا أذكر أني نظرت مرة في وجهها، إلا وشعرت بندم، حتي وإن قالت: الله يرضي عليك.

أمي لم ترض عني كثيراً، إلا حين صرت أماً، عندها فقط، فرحت وصارت راضية.

قبل أن تقلع الطائرة بدقائق، اتصلت بي، لا لتودعني، كما سمعت من هواتف أهل المسافرين، ولا لتدعو لي بالتوفيق، أو لتنصحني بعبادة الله وطاعة رسوله كعادتها، أو أن توصيني بأن أعتني بطفلي وبنفسي وأراعي زوجي، كعادة الأمهات، أبداً لم تقل كل هذا، اتصلت لتقول بشيء من الحدة: ـ لِمَ لم تأكلي من صحن الفاكهة التي غسلتها لك قبل سفرك؟ ولماذا لم تضعي بعضها في حقيبتك؟ صمت مستغربة هاتفها، فأنا مغادرة إلي بلد بعيد، وهي تعاتبني أني لم آكل الفاكهة. لم تنتظر جوابي، أضافت بصوت يرتعش:

ـ وأيضاً لم تطعمي ابنك، لم تحاولي معه كفاية بالموزة، ثم أنهت حديثها بجملتها المعتادة: ما بتعرفوا تربوا. وهنا تهدج صوتها، ثم صمتت علي دموع أحسسست أنها تغص بها. تعيش أمي وحدها في بيت كبير.

تتابع أخبار العرب كل يوم وتعيد سماع الخبر أكثر من مرة وعلي أكثر من محطة. حين تسمع بأن تفجيراً حدث، تبهت أولاً، ثم تتأسف متسائلة:

ـ لماذا يفعلون هذا ببعضهم؟. ثم تضع غطاء الصلاة وتصلي من دون أن تخفض صوت التلفزيون، تنهي صلاتها وتدعو للسلام بجفن مرتجف. يقول لها أحدنا: ـ لا تزعلي، قتلي اليوم من اليهود.

فتجيب:

ـ لكنهم أرواح، ولهم أمهات ولهم أولاد، مثلنا.

غير متابعة أخبار التلفزيون، تقضي يومها مع الياسمينة، والنخلة.. والجدران حائلة اللون. تتشاحن مع طيور الدار، تؤنبها لأنها تقرض ورق العنب، تقول وهي تكشها:

ـ الله يهمدكم، ماأكثركم. لم تعد تخشع كما كانت أثناء الصلاة، صارت تلتهي بمراقبة شؤون البيت الكبير، طيوره وحديقته العنيدة الجافة. تأتي الطيور كل مساء لتنام بين أغصان نخلته العالية، وفي الفجر تزقزق كثيراً بينما تمص عنب الدالية. وأمي لا تكف عن مراقبتها. تنهي فرض صلاة العشاء علي عجل، وتسحب منشفتها وتخرج قبل أن تصلي الوتر والسنة. تكشها بعنف أكثر:

ـ ما في نوم هون. ثم تستدير باتجاهنا:

ـ حتي الياسمينة يقطمونها. تكمل الصلاة، وتسرع لتكسر البطيخة الحمراء، وتغسل قطع الجبنة، ثم تطوي أرغفة الخبز الكبيرة وتضعها أمامنا. تجلس علي الأريكة، معتذرة أنها تحتاج أن تمد قدميها علي كرسيها الواطئ. كرسيها الذي تضعه أمامها أثناء الصلاة، فيما أولادنا يدورون حوله ويزيحونه، فتبتسم، وبعد أن تسلم وجهها إلي الطرفين، تعاتبهم وهي تغالب ضحكها:

ـ والله نسيت كم ركعة صليت!

لم تضحك مرة إلا وقالت:

ـ الله يعطينا خير هاالضحك.

ترفع قدميها علي كرسيها وتسارع وتغطيهما بخراطة الصلاة. تخجل، قدما أمي متفسختان، كان أبي يمازحها:

ـ يمكن إدخال ربع ليرة في كل فسخ. فتمضي إلي الحمام وتفرك أقدامها بحجر الخفان الأسود، من دون فائدة، تتمتم:

ـ لم نعد صبايا. وحين تمل، تترك الحجر من يدها، وتسحب الخرطوم لتغسل أرض الدار الكبيرة، فتزيد فسوخ قدميها. ما زالت تغسلها بنفسها وتلهث، مرددة:

ـ ما بقي فينا حيل. وحين نقترح أن نحضر امرأة لتساعدها، تجيب:

ـ المبذرون اخوان الشياطين. تقولها بصيغة الواعظ، مثلما تسمعها من الراديو أو من خطيب الجمعة الذي يسلط ميكروفون الجامع إلي نافذة غرفة نومها. فإن ناقشناها بحجة دامغة مستمدين أدلتنا من آيات قرآنية، سرعان ما تبتسم مستسلمة وتقول لكي نسكت:

ـ لا أحب أن يخدمني أحد.

تأتي القريبات والجارات لزيارتها، يتبادلن أحاديث نسوانية كثيرة، منها المسلي ومنها الممل. يحدث أن تقول لها إحدي الزائرات كلمة لئيمة، كما تفعل النسوة عادة ببعضهن، تتضايق أمي، لكنها تسكت، وبعد أن تمضي زائرتها، تقول لنا: ـ كان علي أن أجيبها بكذا وكذا.

لم ترد لأحد قوله في وقته، دائما كانت أجوبتها متأخرة، وغالباً تقولها في قلبها. ثم تنسي. كان يحلو لإحدي قريباتها أن ترجع نسب عائلتهم إلي عمر بن الخطاب، فتفرح أمي بأصلها العريق وتنظر بيننا بافتخار. ثم ما تلبث أن تخفي فخرها. في طفولتنا كانت تشعل أضواء البيت والحديقة كلها لكي نلعب، وحين تركنا البيت إلي بيوتنا، وبقيت وحدها، صارت تدريجياً تختصر في الأضواء، حتي اقتصرت علي ضوء نيون أبيض واه فوق رأسها، وبقية أرض الدار تظل معتمة. حين أسألها: ـ لماذا تطفئين أنوار الحديقة؟ تقول مؤنبة نفسها:

ـ لاأعرف، لاحقة علي عتمة القبر. فكنت أتذمر من جوابها هذا:

ـ هل تستمتعين بهذا الكلام؟.

فتضحك منتشية بحبنا. ثم تسألنا إن كنا نراعي أم الزوج، وإن كنت أفكر بوضع الحجاب، الصلاة، ثم الله يهديكم. وحين لاتجد أذناً صاغية تنظر في السقف، وتقول:

ـ يا ربي عملت واجبي.. ثم تعرض علينا: لدي ملوخية ورز.. لم تنظر مرة في وجوهنا إلا واقترحت علينا أن نأكل طعامها.

كنت في صغري، أفرح بعيد الأم، ربما لأنها تتبادل معنا الأدوار.. أما اليوم.. ربما علي أن أقول لها كلاماً جميلاً أو أقبل جبينها أو أكثر من الاعتذارات وأعدها وعوداً سعيدة.. يمكن أن أفعل كل هذا، ولكن أبداً لن أخبرها أن قدمي بدأتا بالتفسخ وأنني مثلها تتناهبني نشرات الأخبار، وأني أخجل من الفرح، وأخفي فخري، و.. وأن الأمهات لا يستطعن كثيراً. كاتبة من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية