بيروت-“القدس العربي”:الأمر الثابت والمتفق عليه أن “بيروتشيما” التسمية التي أطلقت على الانفجار – الزلزال الذي ضرب مرفأ بيروت نسبة إلى هيروشيما، أحدثت سحابة بيضاء على شكل نبتة الفطر، وهي عادة لا تنتج إلا عن الانفجارات النووية أو التي تعادلها قوّة. رواية السلطة أن الانفجار سببه اشتعال كمية ضخمة قدرت بـ2755 طناً من نترات الأمونيوم الشديدة الانفجار، حملتها إلى ميناء بيروت “السفينة روسوس” التي أبحرت في 23 أيلول/سبتمبر من مرفأ باتومي في جورجيا رافعة علم مولدافيا. يومها قيل إن السفينة عدّلت وجهتها الأساسية من الموزمبيق إلى بيروت لمشكلات ميكانيكية، ولكن “مانيفست” الشحنة يُشير إلى طلب رسوها في بيروت لتحميل معدات، بينما ظهر في مستندات المرفأ “مانيفست” آخر يُشير إلى أنها جاءت من اليونان إلى بيروت.
قبطان السفينة الروسي الجنسية بوريس بروكوشيف روى، بعد الانفجار الذي أرعبته مشاهده أن السفينة توقفت في تركيا بسبب خلاف البحارة السابقين على الراتب، فتم التعاقد معه لاستكمال الرحلة من تركيا إلى موزمبيق مقابل مليون دولار. قائلاً إنه لم يستطع عبور قناة السويس بسبب تخلف المالك عن تأمين المال، فطلب منه التوجه لميناء بيروت لتحميل شحنة من المعدات ستوفر لهم الأموال اللازمة لعبور قناة السويس، مضيفاً أن السفينة وصلت إلى لبنان بعد شهرين من إبحارها من جورجيا.
لكن حين وصلت إلى بيروت لم تتمكن من تحميل المعدات كونها قديمة وغير قادرة على تحمّل أوزاناً إضافية. وفشل في الاتصال بمالك السفينة لتوفير المال للوقود والمواد الغذائية الذي يبدو أنه قرر تركها والتخلي عنها.
واعتبر أن المسؤولين اللبنانيين أخطأوا عندما أصروا على حجز السفينة والاحتفاظ بالشحنة في المرفأ بدلاً من نشرها في الحقول، مضيفاً أنه علم أن السفينة غرقت في 2015 أو 2016 (مستندات المرفأ تقول إنها غرقت في العام 2018) وأنه تفاجأ بأن الانفجار تأخّر كل هذا الوقت.
هذه الرواية تزيد من علامات الاستفهام حول حقيقة خط سير السفينة، فهل وصلت إلى لبنان عن طريق الصدفة، أم أن أحدهم أراد لها أن تُفرغ حمولتها في لبنان بطريقة ملتوية لاستعمالها لاحقاً؟
المريب في الأمر أن الروسي إيغور غريشيوشكين، مالك السفينة، والذي يعمل حالياً في قبرص مديراً لشركة TETO للشحن البحري، تخلّى عنها وتركها من دون أن يدفع النفقات المتوجبة عليها، وانقطع حتى عن التواصل مع الطاقم الذي حصل أفراده على حكم قضائي يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم، كما أن الطرف الذي طلب شحنة نترات الأمونيوم في الموزمبيق، الذي لا يزال غير معلن، تخلّى عنها.
ومما زاد في الغموض أن السلطات الموزمبيقية ردّت بالنفي على التقارير التي تحدثت عن أن السفينة كانت قد أبحرت من جورجيا قاصدة ميناء بيرا على ساحل المحيط الهندي في موزمبيق لكن أعطالاً فنية دفعتها للرسو في بيروت، موضحة أن وصول أي سفينة إلى الميناء يتطلب إعلاناً من وكيل هذه السفينة لهيئة تشغيل الميناء قبل موعد الوصول بمدة تتراوح بين 7 إلى 15 يوماً.
وبحجة نزاعات قضائية بين شركة الشحن العائدة لمصطفى البغدادي وأحمد غندور، صدر بعد شهر من دخولها المرفأ، قرار عن دائرة تنفيذ بيروت بإلقاء الحجز الاحتياطي على الباخرة. وبعد أشهر قليلة، صدر قرار بإنزال الحمولة إلى المرفأ، فكان أن أفرغت حمولتها في العنبر رقم 12 في 2014. ست سنوات بقيت شحنة نترات الأمونيوم في العنبر تحت أعين الجميع.
وكشفت المستندات التي سُرّبت للإعلام بعد الانفجار عن مراسلات بين إدارة الجمارك وقضاه العجلة تارة لإفراغ الحمولة وتارة أخرى للسماح ببيع الشحنة نتيجة مخاطرها. وهناك مراسلات مع قيادة الجيش التي جرى سؤالها عما إذا كانت بحاجة إلى هذه الكمية الضخمة من الأمونيوم، فكان جوابها بالنفي، مقترحة عرضها على شركة لبنانية متخصصة التي أشارت إلى عدم حاجتها للمواد.
مدير مرفأ بيروت حسن قريطم، ومدير الجمارك بدري ضاهر، الموقوفان على ذمة التحقيق حالياً، قالا إنه تم تجاهل تحذيراتهما المتكررة بشأن الخطر الذي تشكله نيترات الأمونيوم المخزنة ودعواتهما لإزالتها، وهناك نحو 14 شخصاً آخرين من مسؤولي المرفأ قيد الإقامة الجبرية، فيما أوقف المدير السابق للجمارك شفيق مرعي. الكل هو اليوم في موضع تقاذف المسؤولية، حتى أن بعض المستندات تُشير إلى مراسلات أرسلت إلى رؤساء الحكومات في الفترة ما بين 2014 و2020 هما نجيب ميقاتي وسعد الحريري، ووصلت مراسلة قبل أسابيع لرئيس الحكومة الحالي حسان دياب.
الجميع كان يعلم بنترات الأمونيوم، من مسؤولين إداريين في المرفأ إلى الأجهزة الأمنية، وربما هنا الطامة الكبرى، إذ كيف يمكن لكل أعين الرقابة أن تتغاضى عن هكذا خطر محدق بها؟ وكيف يمكن لمؤسسة عسكرية لديها قادة بحرية على بعد أمتار من المرفأ ألا تُؤمّن محيطها؟ وكيف يمكن لمرفأ يستقبل مئات البواخر من مختلف أصقاع العالم أن يستهزئ إلى هذا الحد بسلامة المرفأ؟
والأهم، هل يمكن لـ”حزب الله” المتواجد في كل المرافئ بأجهزته الاستخبارية ألا يكون يعلم بوجود نترات الأمونيوم التي نقل أمينها العام في يوم من الأيام تحذيراً لخبير إسرائيلي بأن حاويات الأمونيوم في ميناء حيفا إذا استُهدفت بصواريخ توازي قوتها قنبلة نووية… فإذا بذلك يصيب لبنان؟