الأمية والديمقراطية: التاريخ يعلمنا ان الاغلبية قد تكون فاعلة في حال الأزمات

حجم الخط
0

الأمية والديمقراطية: التاريخ يعلمنا ان الاغلبية قد تكون فاعلة في حال الأزمات

محمد شاويشالأمية والديمقراطية: التاريخ يعلمنا ان الاغلبية قد تكون فاعلة في حال الأزمات أريد في هذا المقال أن أناقش فكرة سائدة عند المثقف العربي المعاصر، تربط بين الجموع واللاديمقراطية، وبالذات سأتطرق في القسم الأخير من المقال إلي الفكرة التي تربط بين الأمية والاختيار السياسي الإسلاماني.في اعتقادي أن هذا الارتباط وهمي وهو مصادرة شائعة أريد أن ألقي الضوء علي بعض أواليات نفسية تقف وراءها، وعلي بعض الأخطاء المنطقية أيضاًً التي تجعلها تستقر في الأذهان.وكما في مقالات أخري يقف الفقير لله كاتب هذه السطور في صف عالم تعددي متنوع الثقافات والهويات تعيش فيه الثقافات إلي جانب بعضها بسلام وتغتني من بعضها، وهو حين ينقد الإسلامانية المعاصرة، فلأنها حولت الإسلام العظيم الذي هو اسم شامل جامع لثقافة عظيمة من حقها أن تقف إلي جانب الحضارات الأخري وتدلي بمساهماتها التي لا غني عنها، إلي حزب متمايز عن المجتمع والثقافة الإسلامية، بل في حالات متطرفة إلي عدو للإنسان نفسه وللمجتمع.1 ـ الجموع: بين الجهل و الجاهلية في التحليل النفسي الطبقي عامة الشعب مثير طبيعي لعاطفة الاحتقار، إذ أن التراتب الطبقي- العنصري الاجتماعي يدفع الفرد المستلب (في حالتنا هنا يهمنا المثقف ) إلي محاولة الانفصال عن هذه الجموع وإثبات التمايز عنها، وهذه المحاولة تتجلي علي شكل الظاهرة الشائعة جدا التي هي احتقار الجموع، وفي هذه النقطة يلتقي أناس من تيارات فكرية مختلفة، فقد تجدها عند الإخواني كما تجدها عند المثقف الحداثي المتعصب، وقد تجدها أيضاً عند المثقف الذي كان يسارياً ذات يوم، وهي المفارقة الكبري إذ أن اليسار (كما لعل القارئ لا يزال يذكر!) يفترض أن ما يميزه من بين كل الملل والنحل الفكرية أنه داعية للمساواة المطلقة بين البشر ومدافع عنها مبدئياً!عاطفة الاحتقار هذه لا غرابة فيها من وجهة نظر تحليلية، ولكن ما لم ينل حظه من التحليل هو الظاهرة المهمة التي أسميها رهاب الجموع ، وكلمة رهاب كما يعلم القارئ هي الترجمة العربية المعتمدة عادة للكلمة Phobia وتعني الخوف المرضي، وهو أنواع وأصناف منها رهاب الأماكن المغلقة ورهاب الأماكن المفتوحة وإلي آخره..إن الجموع سبب للخوف المنفلت عند شرائح اجتماعية تشترك فيما بينها بأنها أقليات لا تثق بالأغلبية.وقد ينصرف ذهن القارئ العربي إلي الأقليات الطائفية، ولا غرو لأن الصراع الطائفي هو حديث الساعة في بلادنا! ولكني لا أقتصر علي هذا، وأذكر أن رهاب الجموع موجود بشكل حاد ومثير للانتباه عند أقلية عربية تلتقي طائفياً مع الأكثرية، وعنيت بها الأقلية المالكة والحاكمة في مصر، وتشهد علي رهاب الجموع هذا مشاهد أبواب الجامعة المصرية المقفلة في وجه الطلاب المتظاهرين الذين يسجنون ضمن أسوارها الحديدية لئلا يخرجوا إلي الشارع حين يتظاهرون في شأن ما من شؤون العالم (فما الذي سيكون عليه الحال لو تظاهروا في شأن مصري داخلي!)، فيكون شكلهم كما تصورهم كاميرات التلفزيون مماثلاً فعلاً للسجناء أو للحيوانات الهائجة في أقفاصها. ولعلنا نتذكر انتفاضة كانون الثاني (يناير) التي دعاها السادات انتفاضة الحرامية ، وقدمت للنظام صورة تضاعف من خوفه المرضي من هذه الجموع التي تفصلها عن الأقلية الثرية درجات هي بين الأرض والسماء !ومع الأسف فإن عند المثقف اليساري أيضاً مشكلة مع الجموع بدأت برأيي في نهاية السبعينات مع الصعود الإسلاماني الذي افتتحته الثورة الإيرانية، ذلك أن تشبيح هذه القوة الجديدة علي اليسار كان حقيقياً ويدعمه النظام الجديد في طهران بالأمثلة، مما جعل اليساريين لأول مرة يطرحون علي أنفسهم فكرة أن السلطة مهما بلغ من سوئها هي خير من استلام هذه القوة الصاعدة التي لا تختلف مع اليساري اختلافاً سياسيا قابلاً للحوار، بل هي لا تصفه بأقل من صفة الردة التي حكمها الإعدام (وبأحسن الأحوال تتاح له أحياناً فرصة التوبة!). ومما زاد في الطين بلة أن كثيراً من المنتمين إلي الأحزاب اليسارية آتون من أقليات دينية، وبهذا تكون مشكلة هؤلاء مزدوجة مع النسخة التي ظلت سائدة حتي وقت قريب من المدرسة السياسية الإسلامانية.ولكن الإسلاماني الحديث أيضاً مرت عليه قبل هذا أيام كان فيها يعادي الجموع بمرارة هائلة لن تجد لها مثالاً أكثر من الكاتب الإسلاماني الأهم من حيث التأثير ألا وهو سيد قطب رحمه الله، وإذا كان المثقف الحداثي الآن يصف الجموع بالجهل فقطب وصفها بالجاهلية، وفي الحالتين كانت الجموع قد سارت في الزمن المعني في عواطفها السياسية سيراً معاكساً لرغبات الناشط الأيديولوجي، مما دفعه إلي استنتاجات أقل ما يقال فيها إنها استبدادية.2 ـ الاحتلال الأجنبي كملاذ من الجموع:مع صعود الموجة الإسلامانية الذي بدأ في نهاية السبعينات مع الثورة الإيرانية، وتحول الخطر الأصولي إلي وسواس عند قطاع من المثقفين اليساريين العرب (وهذا الخطر كان دافعاً عند كثير من هؤلاء إلي الانتقال بلا قيد ولا شرط ولا نقد إلي حالة الولاء المطلق المتعصب للعم سام، وما يترافق منطقياً مع هذا الولاء من نبذ لكل من ثبت علي مواقفه السابقة من التقدميين بأنهم أصحاب خطاب خشبي إلي آخره).. ظهرت نسخ جديدة من العداء القديم للجموع، ومن الغريب حقاً أن الاتجاهات الشمولية التي يزعمون أن الجموع تتبناها ظهرت عند أعداء الاتجاهات الشمولية المفترضين هؤلاء، ذلك أنهم في وجه النزعة اللاديمقراطية للجموع التي يرونها حتمية تبنوا هم أيضاً برنامجاً سياسياً قمعياً، وقد تجلي هذا البرنامج بصورة فاقعة عند استئصاليي المغرب العربي الكبير ولا سيما الجزائر، لكنه تجلي في المشرق علي شكل خيار احتلالي استعماري عسكري في نسخته الأحدث، إذ أن الجماهير اللاديمقراطية ما من سبيل لتحضيرها إن أمكن أو اكتفاء شرها علي الأقل إلا الاستعانة بالقوة العسكرية الباطشة لديمقراطية منسجمة جاهزة هي الديمقراطية الأمريكية، وأعتقد أن هذا المنطق هو المنطق المضمر عند قطاع لا بأس به من المعارضة السورية اليسارية، بل هو معلن صريح عند بعض الأسماء التي يعرفها من يتابع المناقشات الراهنة في الساحة السورية. أما في العراق فكان هذا الخيار موجوداً بلا غطاء ولا دبلوماسية، بل أعلن بكل الصراحة الجافة غير المشذبة المألوفة في العراق! فقد غمرت الجرائد ومواقع الإنترنت بيانات المثقفين الديمقراطيين التي تساند الاحتلال وتدعو لبقائه وتهاجم بأعنف الألفاظ من يدعو لرحيله.3 ـ الأمية والديمقراطيةهذا المثقف الذي جاء من مواقع فكرية عديدة: قومية ويسارية وحداثية غير مسيسة رفع أولاً شعار الديمقراطية، ورأي أن غيابها كان هو السبب في كل الكوارث التي حلت بمجتمعنا، أو هو سبب رئيسي فيها.والمعني بكلمة ديمقراطية في هذا السياق هو النظام السياسي البرلماني المعروف في الغرب، بما يتضمنه من حرية الأحزاب والجرائد وتداول السلطة عبر الانتخابات الحرة.ولكن مع الديمقراطية بهذا المعني يجيء خطر واقعي لا يجوز غض الطرف عنه، ألا وهو استلام قوي غير ديمقراطية للسلطة! وبالذات القوي الإسلامانية التي ينظر إليها عدد كبير من المثقين الذين نتحدث عنهم علي أنهم قوي تريد استعمال الديمقراطية للوصول إلي السلطة ثم إلغاء النظام الديمقراطي الذي وصلت عن طريقه.ولا شك أن هذا القول له ما يبرره من الواقع إذا نظرنا إلي بعض التجارب غير المشجعة، إذ عامل الخميني التنظيمات اليسارية بوحشية بعد وصوله إلي السلطة، ولم تكن تجربة الإنقاذ في السودان أحسن حالاً بكثير، وإن تميزت بقمع أقل، ربما نتيجة لاختلاف طبيعة المجتمع والتاريخ السياسي في السودان عنها في إيران.أما التجربة السورية فكانت مأساوية في الثمانينات حين سالت الدماء أنهاراً في المواجهات بين السلطة والأطراف الإسلامانية، واتخذ الصراع شكل العنف الطائفي.لتفسير السلوك السياسي للغالبية طرح بعض المثقفين نظرية بسيطة تقول إن الأمية بطبيعتها تجعل الناس يتصرفون سياسياً بشكل لاديمقراطي.من هؤلاء جورج طرابيشي الذي قدم عن سلوك الجماهير الأمّية تصوراً نمطياً مبنياً علي سلسلة من المصادرات والمسلمات المقبولة بلا نقاش، والتي تبدو له (ولكثير من قرائه علي ما يظهر) بديهية لا يستحق نقاشها العناء الذي يبذل فيه!والاستشهادات التالية هي من كتاب في الثقافة الديمقراطية ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ 1998. إن أول مؤشر علي كذب الواجهة الديمقراطية وعلي صدق البطانة الاستبدادية هو التصويت الاجماعي، بله الجماعي. وهنا تتدخل مرة أخري جدلية الافقي والعمودي، فعلي مستوي السطح السياسي وحده يصوت الافراد كأفراد، اما في العمق الاثني أو الديني أو الطائفي أو القبلي فإن التصويت يأخذ بالضرورة شكلاً جمعياً، بل قطيعياً، وفي هذه الحالة يكون صندوق الاقتراع مرادفاً لقبر الديمقراطية ، الواقع أنه من تمام اللامنطق أن نتصور أن زهرة الديمقراطية ـ وكم بالاولي بذرتها ـ يمكن أن تنمو في تربة الاميّة، أو حتي نصف الاميّة، وفي بحر الانفجار الديموغرافي الذي تشهده المجتمعات العربية، مع ما يعنيه هذا الانفجار اللامسيطر عليه من توسيع وتعميق لقاع الاميّة فإن سفينة الديموقراطية لا تستطيع، مهما يكن ربانها ماهراً ـ وهو في شروط الدولة العربية غير ماهر ـ أن تنجز رحلتها إلي شاطئ الامان ، والحال أن الاصوليين هم أول وأبرع من يركب موجة الأميّة ، تري ما الذي يمنع في طور أول ـ وفي طور أول وحسب ـ أن يعاد في المجتمعات العربية ربط الديموقراطية بنصاب التعليم؟…. فليس لكل راشد، بل فقط لكل متعلم ومتعلمة، يجب أن يكون صوت، وليس لغير من يفك الحرف أن يدلي بصوته بصورة إفرادية وعن اختيار شخصي ، الاميّة مولد ممتاز للجموع وللسلوك الجمعي، وهذه علي كل حال سمة مشتركة بين الأميّة والدكتاتورية. ففي كلا الحالتين تنمحي الفروق بين الأفراد، وتتوحد الاختيارات وتنصهر الارادات في بوتقة جمعية واحدة ، فحق الانتخاب يجب أن يتوسع ويعم طرداً مع تعميم التعليم ، لا يجوز أن يغيب عنا أن الاجسام المريضة تتفاوت في قدرتها علي تحمل الجرعة الدوائية من الدواء الواحد. وخير دليل علي أن المجتمعات العربية غير مهيأة بعد لتحمل جرعة الديموقراطية كاملة، هو الرفض الطبيعي لمسألة إطلاق الحرية، شرط كينونة الديمقراطية، فكيف للمجتمعات العربية التي لم تمر عليها عجلة التنوير والحداثة إلا في حدود جزئية للغاية أن تتحمل مثلاً إباحة العلاقات الجنسية، أو البورنوغرافيا، أو الالحاد أو حرية تغيير الدين؟ .ولم أستطع اختصار محاججات طرابيشي أكثر من ذلك.ما نراه في هذه المحاججة الشائعة والمعلنة أو المضمرة عند المثقف العربي الحديث هو إقامة رابطة سببية بين التعليم والاختيارات السياسية للجموع.في حالتنا هذه يقدم المثقف نظرية لتفسير هذه المصيبة التي لا يعرف لها حلاً وهي تأييد الجموع للأصولية !التفسير بسيط: إن الجموع أمية والأصولي هو الأقدر علي ركوب موجة الأمية، ذلك أنه لا يقدم برنامجاً سياسياً بل نصاً مقدساً.هذه المحاججات لا يريد المثقف أن يري أنها تستلزم برهاناً تجريبياً ملموساً لا يكتفي بتأكيد ارتباطات نظرية، ويستلزم أيضاً تفسيراً للارتباطات بين العناصر المتغيرة وتوابعها.(بالمعني الرياضي) حتي بعد إثبات وجود علاقة إحصائية ما بينها، ويستلزم ثالثاً العودة إلي التاريخ (القريب علي الأقل) للتأكد من أن هذه الارتباطات هي بالفعل لازمة لزوم سقوط التفاحة علي رأس نيوتن وليس صعودها إلي الأعلي في أي مرة تسقط فيها! الأمي لا يمكن أن يتصرف إلا بصورة جمعية قطيعية : علي فرض أننا قبلنا هذه المصادرة فهل يلزم عنها أن الأصولي سيكون هو الأقدر علي ركوب الموجة الأمية، وهل السلوك الأصولي هو بالفعل من النوع الجمعي القطيعي؟لا يخطر علي بال المثقفين المعنيين قراءة التاريخ السياسي القريب جداً لأقطار فيها حركة إسلامانية قوية مثل الأردن والسودان.في الأردن مثلاً لم يلجأ الإسلامانيون إلي استثارة النزعات الجمعية والإجماعية والقطيعية كالعشائرية مثلاً بل لجأ إليها النظام الذي غير القانون علي المقاس العشائري (حين أصدر قانون الصوت الواحد ) بالذات لجعل التصويت عشائرياً وليس سياسياً! وكان هذا الإجراء يهدف بالذات إلي تقليم أظافر الاتجاه الإسلاماني والحد من نفوذه في البرلمان.وفي السودان كانت الجبهة القومية بقيادة الترابي هي بالذات القوة التي لا تحشد أنصارها علي أسس طائفية وقبائلية بخلاف الحزبين الكبيرين الطائفيين: حزب الأمة والحزب الاتحادي.وفي الجزائر التي يكثر الاستشهاد بها وكأنها برهان علي لاديمقراطية الإسلامانيين مع أنهم لم يكونوا هم من قام بالانقلاب وألغي الانتخابات! بل هم الذين انقلب عليهم! ألم يعتصم خصومهم بروابط جمعية قطيعية ؟ (حين تمركزوا مثلاً في منطقة القبايل مثيرين فيها نعرات قبيلية !).وفي الخمسينات، وكانت الأمية في سورية أكبر منها الآن بكثير جداً، سقط الإسلامانيون في انتخابات حرة وفاز القوميون واليساريون، فكيف لم يستطع الأصولي في ذلك الوقت أن يركب الموجة وفاقه القوميون واليساريون في البراعة في ميدان ركوب أمواج بحر الأمية؟ومن المحزن حقاً ذكر التسامح مع البورنوغرافيا علي أنه علامة أساسية تدل علي الديمقراطية الكاملة، وعند عدم مقدرة الجماهير العربية علي التسامح معها علامة علي ضرورة إعطاء هذه الجموع الديمقراطية جرعات مخففة! وقد ذكر طرابيشي أيضاً في الكتاب المذكور نظام الإرث الذي يعطي للمرأة دوماً وفي جميع حالات القرابة نصف نصيب الرجل من الإرث كما يزعم هو ويزعم معظم من لم يطلع جدياً علي قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة، ولم يكلف خاطره أن يقارن مع القانون الغربي، وقصده أن هذا النظام والتمسك به يتناقض مع الديمقراطية الكاملة!النظام الغربي للإرث يترك الحق في التوريث للمورث فيمكن له أن يوصي بثروته كلها وليس نصفها فقط لابنه حارماً بنته، بل له أن يحرمهما كليهما ويحصر الوراثة بكلبه المدلل! ولا أعرف كيف ونحن ننادي بتحرر المرأة ومساواتها التامة مع الرجل نقبل أن نجتزئ من الإصلاح الديمقراطي لنظام الإرث تلك الحالة المتعلقة بوراثة الإخوة حين يوجد في الورثة إخوة وأخوات. أين نظام المهر؟ وأين وراثة المرأة لنسبة ثابتة بوصفها زوجة أو جدة؟ (تعطيها هذه النسبة في الغالب أكثر مما يأخذه الأولاد الذكور).وينطلق المثقف العربي الحديث في معظم محاججاته من فرضية ضمنية تقول إن النظام السياسي الغربي واحد لا اختلافات داخلية تميزه، وهذا خطأ واضح إذ ثمة فروق كبيرة للغاية بين أنظمة بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة مثلاً الواحد مع الآخر.ولكنه حين يتكلم عن الديمقراطية تغيب عن باله واقعة صغيرة لكنها حاسمة الأهمية: إن ما يميز الديمقراطيات المستقرة ليس هو المشاركة الفاعلة للأغلبية بل استنكافها عن المشاركة!وفي الحقيقة يثبت التاريخ أن الأغلبية تكون فاعلة سياسياً حين يكون المجتمع في حالة أزمة ويكون النظام الاجتماعي كله في خطر، وفي هذه الحالة لا تتصرف الأغلبية بالضرورة (وبغض النظر عن مستوي تعليمها!) تصرفاً ديمقراطياً، وأنا لا أريد أن أناقض مصادرات طرابيشي اللامبرهنة بمصادرة لامبرهنة معاكسة تقول مثلاً إن هذه الأغلبية حين تكون فاعلة سياسياً تميل بصورة تلقائية إلي أن لا تكون ديمقراطية، ولكن ثمة وقائع كثيرة من شأنها أن تدعم مثل هذا الرأي، فالنظام السياسي الغربي الحديث كان بصورة دائمة تقريباً يزداد لبرالية بقدر ما تزداد حالة الرفاهية العامة ويعم الرضي الاجتماعي الاقتصادي بالتحديد، والنزعات اللاديمقراطية تزداد قوة مع ازدياد المشاكل الاجتماعية، وهذا الارتباط بين المتغير الذي هو ميل الغالبية السياسي ووضعها الاقتصادي ربما كان هو الأهم من الارتباط بين وضعها التعليمي ولبراليتها السياسية والاجتماعية عموماً. والحال أن الفاعلية السياسية للأغلبية لا تظهر في أوقات الاستقرار، إذ من المعروف أن نسبة الناخبين تشكل في البلدان الأكثر لبرالية واستقراراً نسبة صغيرة ممن له حق الاقتراع، ولعل النسبة تزيد وفي اتجاه لا لبرالي مع ازدياد المشاكل الاجتماعية.ولو عدنا للوضع العربي لرأينا أن الأمية هي علي الأغلب متغير لا دلالة له (أي لا تأثير له)، في تقرير اتجاه الأغلبية العربية السياسي، أما التأييد العارم الذي نشهده الآن للإسلامانية، فله أسباب عديدة ليست الأمية من بينها بالتأكيد، والإسلامانيون نفوذهم في الجامعات هو أكبر بلا شك من نفوذهم في القطاعات الأخري الأقل مستوي تعليمياً، وفي اعتقادي الشخصي فإن هذه الحالة هي حالة عابرة تتعلق بظروف عالمية وعربية وبنوع من آلية قريبة من آلية الموضة السياسية ، وما نشهد تباشيره الأولي الآن هو التحول البطيء للقطاعات الأكثر وعياً من الإسلامانيين إلي حالة أحزاب سياسية عادية ببرامج لا تختلف كثيراً عن الأحزاب الأخري. كاتب من فلسطين يقيم في برلين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية