هشام فهميتكتشف الحداثة أنها كانت راقدة في الكتب وقصائد النثر. إنها الأميرة النائمة التي وخزتها إبرة مغزل فماتت، لكن الجنيات يحوّلن لعنة موتها إلى نوم طويل. وتقول بعض الروايات انها ربما نامت مئة سنة، وكما في الحكايات الخرافية، فإن أميرا يمرّ بالقصر فيخبره عجوز أن ثمة أميرة نائمة هناك، فيقرّر دخول القصر واختراق دغل النباتات الشوكية التي اشتبكت حوله بشكل غريب، لكن جنّية من قوى الخير تمنحه سيفا بعد أن واجهه تنين ينفث لهيبا، ليضرب بالسيف مرة واحدة، فيعمي شعاع خارق عيني التنين وينمسخ إلى جنية عجوز شريرة، وتنبت الخضرة ويحلّ الربيع حول جنبات القصر، ليعثر داخله على الأميرة والملك والملكة نياما، فيمسك يد الأميرة الفاتنة، ويقبّلها على جفنيها، فتستيقظ ويستيقظ مَن معها في القصر. الحداثة فتنة نائمة، فمن يوقظها؟ بدأ بعض المثقفين يفعلون مثل أمير الحكاية، ويخترقون دغل النباتات الشوكية، طامحين إلى تقبيل جفني الحداثة. نسمعهم اليوم يجهرون بمواقفهم تجاه موجة القدامة والأصولية الكاسحة.القدامة تنزل كل يوم إلى قاع المجتمع، تركع في المساجد والكتاتيب، وتخترق الأسواق، وتجلس مع الخضّارين وباعة الأشرطة وعود الأرك، تتكلّم مع العامة بلهجاتهم وتلهب عواطفهم. الحداثة تتكلّم لغات أجنبية. لا يفهمها أحد. حتى عندما تتكلّم العربية الفصحى تبدو غريبة عن نفسها. الحداثة لم تعد تجد لها مكانا بعد، إلا في المولات والمراكز التجارية، في ماركات ‘زارا’، وهواتف الآيفون الذكية، تباع لنا نحن الأغبياء. القدامة تكتفي بالالتفات إلى الماضي، تبني مستقبلنا هناك، وتطوّر تطبيقات حرفية مبتكرة، كي تصلنا رسائل الS MS النصّية وتعاليم الموتى. القدامة لا تحتاج الى عقل، تبحث عن مريدين وأتباع من العميان، رأوا الماضي وتحقّقوا منه في ظلام الداخل.يحاول الشعراء: محمد بنيس وأدونيس وغيرهما، أن يوقظوا الأميرة النائمة. محمد بنيس في مقالته الأخيرة: ‘الإسلاميون والاختيار الثقافي’، كأنه يهشّ بسيف الأمير على الجنيات الشريرة في الحكاية. ثمة اعتراف من أحد رواد الحداثة المغربية والعربية، كما روّجها ودافع عنها أدونيس، بفشل المشروع الحداثي الثقافي. فصعود الإسلاميين وانتصارهم بصناديق الاقتراع، جعل الحداثة النائمة تعلن عن رقدتها الأبدية. مشروع الإسلام السياسي هو ضدّ الحداثة في العمق. يضع محمد بنيس يده على الجرح الحداثي عندما يقول: ‘انتصار الإسلاميين يفيد أننا، باختصار، ننتقل إلى عهد يقف فيه الإسلاميون وجها لوجه مع الثقافة العربية الحديثة. وجها لوجه في التعليم والإعلام والثقافة والفنون. ومهما كان انفتاح الإسلاميين، ومهما بلغ تسامحهم، فإن هذا الانفتاح والتسامح لن يبطلا مجافاتهم للثقافة الحديثة’. ثم يثير بنيس مسألة مركزية في خطاب الإسلام السياسي الذي يدّعي الاعتدال والوسطية، عندما يكشف عن تناقضه في تعامله مع الغرب الثقافي، يقول: ‘فما الذي يساعدنا على أن نفهم قول زعيم ‘حزب العدالة والتنمية’ في المغرب، عندما يضيف بأنه سيحمي علاقات المغرب مع أروبا، لا لأنها اقتصادية فقط، بل لأنها أيضا فلسفية؟’. بهذا المعنى، فالإسلاميون يحمون الاقتصاد بتوجّهه المعولم للرأسمالية وليبرالية السوق، وعلى النقيض مما يقول هم يعادون ذلك الغرب المعرفي والفلسفي الذي فتح العلوم الإنسانية على بعدها الكوني. المشكلة أن الحداثة لم تستيقظ يوما من رقدتها العربية الطويلة، ولا يمكننا اليوم أن نتّهم هذه التيارات العقدية الصاعدة بأنها دسّت لها منوّما في الكأس، بنيس نفسه يتحدّث على أن المثقفين النقديين كانوا على وعي بأن ما كانت تعيشه الثقافة الحديثة ‘غير عادي’، حتى قبل هذا الخريف الإسلامي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم لماذا لم تستطع الحداثة مأسسة نفسها في الثقافة والمجتمع؟ وأين هو فعلا هذا المثقّف النقدي؟ وماذا عن أولئك المثقفين الذين استسلموا للسلطة وجرّتهم من أقدامهم إلى مخزنها السّفلي؟أصوات حرّة وحداثية ستحاول بجرأة المقاومة وطرد لعنة الأميرة النائمة، ولو فعلت متأخرة. فنحن نخاف أن نعثر على الأمير منبطحا أمام قصر الأميرة، وقد أخذته، سِنة من النّوم.