الأنا المغتربة وتشيؤ ذات السارد في رواية «قصتي الأخرى»

تثير مسألة تحليل السرد في الكتابة الروائية العربية الحديثة تساؤلات عديدة، تتصل بطبيعة البناء السردي نفسه. تساؤلات يكرسها الاعتقاد السائد بأن النص الحكائي الحديث بانتهاكه لحدود الأجناس الأدبية وتقويضه لمفهوم الحبكة بالاستغناء تماما عن البنية، أو البناء العام للنص هو منطق يفرضه مفهوم التجريب ورواية اللارواية (ناتالي ساروت، ألان روب غريي).
الأمر يتعلق إذن بعملية وصفية تأويلية تتحدد ملامحها بنوعية الأسئلة التي يطرحها المتلقي أثناء سيرورة القراءة. وكذا بنوعية الأجوبة التي يقدمها، أو لا يقدمها المنجز الأدبي. من خلال هذا التصور العام سنحاول رصد أهم مظهر من مظاهر بنية الخطاب السردي في رواية «قصتي الأخرى» للكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي. لعل أول ما يثير انتباه القارئ في هذا المنطوق الحكائي هو جمالية العنوان، حيث تستعين الروائية بلغة الازدواجية الدلالية. فإذا كانت قصة السارد متضمنة في الرواية، من خلال تفاصيل الحكاية، فإن هذه الأخيرة تحمل قصة أو حكاية أخرى، كأننا أمام متن حكائي مزدوج، أو قصة بوجهين مختلفين. يرتبط هذا الوجه المزدوج للنص بشخصيات الرواية وأحداثها التي تنساب كالماء.
تفتتح الروائية فاطمة المزروعي هذا النص الروائي بإهداء متميز (إلى من تكسرت أحلامهم على صخرة الواقع، فنهضوا ينفضون خيبة الأمل والوقت وعادوا إلى المسير بحب وأمل قوي) حيث يشكل هذا الإهداء بوصلة قراءة الرواية والموجه لبرنامجها السردي، كما يعلن عن بنية حكائية تحكمها حركية الانكسار والنهوض والتجاوز، وتمتد هذه الحركية على طول 314 صفحة، وتتوزع على 24 لوحة سردية، تتحدث الرواية عن غربة الإنسان في وطنه، أو الذين عاشوا الغربة في مدينتهم، التي تاه فيها بطل الرواية (عنان) لكنها غربة الإنسان عامة في كل زمان ومكان، وربما هي أزمة الإنسان المعاصر، الأكثر عرضة لتصدع الذات وانسحاقها الكلي بسبب نمطية المجتمع السلعي (جورج لوكاش) وكذا فقدانه الإحساس بالأمن الوجودي.
إن غربة (عنان) والشخصيات التي تدور في فلكه، شبيهة بغربة أبي حيان التوحيدي في مدينته وعصره. يتجلى هذا المظهر في تصدع الذات الساردة وتأزمها. لقد شيد بناء هذه الرواية على شكل لوحات، ومشاهد كل لوحة تسرد لنا فصلا من فصول حياة كل شخصية على حدة، بدءا بـ(عنان) البطل السارد المركزي، ثم (السيد فوزي) مرورا بشخصية (مروان) ثم (فارس) و(شجون). وهذا النص ذو طبيعة شذرية، والشذرية تعد من أهم المواضيع التي استأثرت باهتمام العديد من المنظرين والفلاسفة، على رأسهم ثيودور أدورنو، والتر بنيامين، الرومانسيون الألمان (نوفاليس) الذين استنتجوا أن الخطاب الشذري في أي نص روائي هو تعبير حاد عن أزمة الذات في علاقتها مع العالم الخارجي، وقد تجلى ذلك في روايات كافكا، موزيل، بروست… وجدير بالذكر أن نصوص هؤلاء كرواية فاطمة المزروعي، تجسد أزمة الليبرالية وتشيؤ الإنسان، ثم اندحار القيم وازدواجيتها.
وفي ضوء هذا التحول يتشظى السرد ويتفرع، على الرغم من كون هذه الفضاءات هي التي طبعت عميقا ذاكرة ومخيلة (عنان) (طفولته الأولى) الموزعة بين ما عاشه في بيت أبويه، أو من خلال ما عاشه أثناء تشرده تائها يواجه خطر الموت والانسحاق. بهذا تعد ذاكرة شخصية (عنان) بمنزلة المولد لسرد يعيد ويستعيد حمولة ذكرياته، سيرة نضالاته اليومية من أجل تجاوز أزماته النفسية والمادية، ما يخلق حركتين سرديتين، الأولى ترتبط بتصدع وانهيار ذات (عنان) والثانية تحاول لملمة شتات هذه الذات المهزومة وإعادة ترميمها من جديد. فالرواية تكشف النقاب عن تعقيدات الحياة الداخلية لهذه الشخصية المحورية، من خلال سبر عوالمها النفسية والشعورية المضطربة. فقد تعرض (عنان) وأخوه (سامي) للتهميش والاضطراب من قبل زملائهما، نتيجة ما تسببه التجارة غير المشروعة التي يمارسها والدهما. فسيرورة الحكي تركز على المحكي النفسي ثم الاجتماعي، وكذلك السياسي المتواري خلف جدران النص. فالكاتبة تتوغل في أعماق الشخصيات، تستجلي ما تعيشه من حالات القلق والاغتراب، التي تتجاذبها، وتطبع مواقفها وسلوكها. فالبطل (عنان) دخل في مواجهة مباشرة مع مدينته، التي حسب قوله قد ودعت الطهارة. وكانت النتيجة غربته وانكسار أحلامه وإحساسه بالضعف، أمام تسلط الآخر وجبروت المؤسسات المتغولة. فقد غدت مدينة السارد ممسوخة كسامسا بطل رواية «المسخ» لكافكا الذي تحول إلى صرصار، كما تحول (عنان) إلى رقم تافه لاغي الإرادة. فجعله ذلك غير قادر على التخلص من عقدة هزائمه.
وبهذا تعيش شخصية عنان معركة روحية، وليست جسدية، لأن النكسات التي عاشها تتجاوز الجسدي إلى الروحي. اشتغلت الروائية بحرفية عالية على ثيمة الاغتراب الناتج عن القمع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ينضاف إليه وجه آخر يتجلى في الغربة داخل الوطن، حيث لامس هذا النص المستوى السيكولوجي والسوسيولوجي لكل هذه الشخصيات المنكوبة كينونة والمهدورة هوية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية