الأنا والآخر ثقافيا.. جدل القبول والرّفض

تنطلق المحاولات المعرفية الجادّة للكشف عن طبيعة التواصل مع الآخر، وفي إطار هذه الجدلية، ينضاف إلى علاقة الذات بالآخر، موضوع «استقبال الآخر» كما يبيّن سعد البازعي في كتاب بالعنوان نفسه، أنّ المفهوم يحمل دلالتين، أولاهما تصبّ في كيفية «تلقي فكر أو أعمال أدبية» أما الدّلالة الثانية «التي تعبّر عن جانب أكثر إشكالية، ومن ثم إثارة للاختلاف، فهي التي تشير إلى الاستقبال بالمعنى الفقهي الإسلامي، أي اتخاذ الجهة أو المكان قبلة كما في الصلاة، بما يتضمّنه ذلك من تقديس أو إضفاء هالة من الإعجاب والاحترام».
علاقة الذّات بالآخر
كلتا الدلالتين، اللتين أشار إليهما الدكتور سعد البازعي، يكشفان عن مدى تجذّر العلاقة مع الآخر، التي لا يمكن أن ننفيها على أساس أنّ الحضارات في حركتها التنموية والتطورية تتفاعل مع بعضها عبر مراحل الاستيعاب والتحليل والتجاوز، إلا إنّ ما يمكن أن يستأثر بالفهم في عملية «استقبال الآخر»، التي يندرج ضمنيا في إطارها موضوع علاقة الذات بالآخر، هو ذلك الاستلاب الذي يتشكل نتيجة انبهار العقل (العربي) بمنتج الآخر (الغربي) وبالتالي تتفجّر الإعاقة النّفسية التي ترى أنّه «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، قياسا بالفجوة الكبيرة التي تفصل بين الفكرين والثقافتين والواقعين، فتتأسّس الثقافة والمعرفة على قاعدة الانبهار، خارج أطر البيئة الأصيلة التي تمدّها بعناصر التميّز والخصوصية، وفي الوقت ذاته تتعسّر عملية التفاعل الحضاري التي تستند إلى مركب الاستيعاب، التحليل والتجاوز، ومثال ذلك ما قاله طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» في معرض تبريره للإفادة من المنهج الديكارتي، عندما أكد على أنّنا كعرب «سواء رضينا أم كرهنا فلا بد لنا من أن نتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي، كما تأثر به من قبلنا أهل الغرب»، وقريب من هذا الرّأي ما طرحه عبد الله العروي في رؤيته حول كيفية تجاوز العرب لشتاتهم الفكري، حيث أكّد على «اللجوء إلى نظام فكري متكامل يجمع بين الأقسام المعتمدة. والماركسية هي ذلك النظام المنشود الذي يزوّدنا بمنطق العالم الحديث».
تؤسّس هذه التوجهات الفكرية لمنطق يخالف تماما ما تدعو إليه، حيث الاشتغال بأدوات منهجية جاهزة تمنع تلقائيا وآليا جهاز التفكير في مركب العقل من مباشرة وظيفته الاستيعابية والتحليلة والتجاوزية نتيجة إعاقته عن جوهر عمله في اختياره بين البدائل، إذ حدّد العقل (العربي) سلفا، بديلا خارجيا يعوّض به البدائل المنتَجَة ذاتيا، وفي ذلك إلغاء لعملية العقلنة ذاتها، إضافة إلى إنّ التوجه السالف يعتبر إشكاليا، كونه لا يرى في الآخر ما يثير القلق كما يقول الدكتور سعد البازعي، حينما يدعو إلى تبنّي طروحاته كحتمية أخيرة، سواء في البحث كما يرى الدكتور طه حسين أو تجاوز الشتات الفكري كما يرى الدكتور عبد الله العروي.

تتأثر الذات أثناء عملية الاجتياز إلى الآخر بترسّبات عالقة تحايث العقل في طروحاته التقاربية، تعود في جذورها إلى مفاعيل الأيديولوجية، وما يمكن أن يطرأ كفعل سلبي يباغت العلاقة في سيرورتها الإنسانية التي تحتكم إلى المعرفة والعقل وبداهات التواصل.

إن تمثل المعرفة لمخزون الذّات الفكري والثقافي لا يعني الانغلاق، وعدم الاستفادة ممّا وصل إليه المنتج المعرفي الغربي من أدوات منهجية تحليلية، استطاع بها أن يتجاوز أسئلة الرّاهن إلى حركة المجتمع المطلبية والاحتجاجية، من أجل تفعيل القيم الطبيعية المتمثلة في مبادئ الحرّية والعدالة والمساواة، لكن في خضم هذا الإقبال على الآخر أو في خضم علاقة الذات بالآخر، على العقل (العربي) مراعاة خصوصيته الذاتية، التي تنبع منها منظومته المعرفية، وبالتالي تنبثق العلاقة التي تنحو صوب المثاقفة، كإشكالية معرفية مع الآخر، فــ»من المعروف أنّ زمن المثاقفة الحاصلة في العالم العربي، منذ منتصف القرن الماضي، وإلى يومنا هذا، قد اتّسم بطغيان الهيمنة الغربية في مختلف مجالات الوجود المجتمعي» كما يرى كمال عبد اللطيف، والإشكال نابع من موضوع الهيمنة التي تحرّر في الذات المهيمَن عليها إواليات القابلية، فتنصاع مستسلمة لكل الطروحات دونما مناقشة، إلا أنّ تاريخية العلاقات بين الدوائر الحضارية تكشف عن عنصر «تبيئة المناهج» كما يسمّيها الدكتور حسين فيلالي، أي أن تُخضِع الذات في عملية تثاقفها مع الآخر عناصر بنيته المعرفية إلى منخل الثقافة الذاتية لاستبيان مناطق التوافق والنفور، كما تصرّف الجابري في كتابه «العقل السياسي العربي» في مفهوم «اللاشعور السياسي» عند ريجيس دوبريه، حيث لم يأخذه «بكل حمولته ولا بمضمونه نفسه»، وهو ما يعيدنا إلى التفكير بجدّية في كيفية معالجة ثيمة التراث من منظور موضوعي يبتعد عن الانغلاقية المنتكسة أو الانفتاحية الرّافضة، «ومن ثم فإنّ عملية إحياء التراث صالحة كي تُتخذ مقياسا، نتبيّن بواسطته نوعية الثقافة السّائدة في المجتمع المعاصر الذي يحيي هذا التراث، ونوعية المستقبل الذي يطمح لبنائه أولئك الذين يخططون لإحياء هذا التراث»، وفق رؤية الدكتور محمد عمارة.
لكن هل العلاقة مع الآخر تنحاز إلى تراتبيات منهجية تستضيء بالمختلف، وتكوّن نظام تواصلها وفق منطق الإواليات المؤسّسة للخصوصية؟ أم هناك اختراق للمرجعيات من حيث يستبد فكر القوّة على قوّة الفكر؟
بين الذات والآخر/جدل القبول والرّفض:
تتأثر الذات أثناء عملية الاجتياز إلى الآخر بترسّبات عالقة تحايث العقل في طروحاته التقاربية، تعود في جذورها إلى مفاعيل الأيديولوجية، وما يمكن أن يطرأ كفعل سلبي يباغت العلاقة في سيرورتها الإنسانية التي تحتكم إلى المعرفة والعقل وبداهات التواصل. إنّ عملية تجسير المعبر نحو الآخر تتأثر عميقا بانحرافات الفكر المتواطئ ضمنيا مع الأيديولوجية، وترتيب عناصر معرفية صدامية في دائرة الآخر لتفسير ما يمكن حصوله من قبل آخر الآخر (الذات)، وتصنيفه كفعل عدائي يتجاوز الأفراد إلى الدوائر الحضارية، وهو ما يمكن الإشارة إلى مصدره على سبيل المثال لا الحصر في نظرية «صدام الحضارات» لصاموئيل هنتنغتون، حيث يرى بنّ «الثقافة أو الهويات الثقافية، التي هي على المستوى العام، هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصّراع في عالم ما بعد الحرب الباردة».
ويمكن أيضا إدراج نظرية «نهاية التاريخ» لفرانسيس فوكوياما ضمن منحى الصّراع، حيث قال: «إنّ على العالم أن يتقبل النظام الجديد بكل ما فيه من حرّية وأنّ الولايات المتحدة هي التي بدت تسطر نهاية التاريخ، بعد تبنيها للفكر المتحرّر والديمقراطية والرّأسمالية للعالم». إنّ امعان النظر في جوهر هذه النظريات التي تأسّست في حينها لبلورة ملامح عالم مقبل يسوده الصّراع، سواء من خلال الهويات الثقافية أو الهويات الحضارية المختلفة والصائرة نحو الصدام، أو من خلال الرأسمالية المنتصرة، والشيوعية الآفلة، وقراءة جوهر النظريتين بعد تفاعلات ما بعد أحدث 11 سبتمبر، ونهاية الثنائية القطبية، تبيّن مدى التحيّز الفكري للتبشير بانتصار القيم الرّأسمالية المتمثلة في اقتصاد السوق والديمقراطية، وهو ما يمكن أن يلغي الخصوصيات الثقافية، ويقوّي هيمنة الحضارة الغالبة، ممّا تتضاءل معه فرص التقارب وتنحسر هوامش التثاقف. والذّات في خضم هذا التماوج الحاصل من قبل الفكر المهيمن، تحاول أن تجد لها مسلكا في خلال سيرورة الحركة الموجِّهة للتاريخ، كمسعى أخير تتشبّث به للإعلان عن قابليتها للانخراط ضمن فضاء التقارب، وما ندوات حوار الأديان على علاّتها، وحوار الشمال/ جنوب إلا مظاهر تترجم الرّغبة في المشاركة في إعادة ترتيب منظومة العالم السياسية والثقافية والاقتصادية، إلا أنّ علاقات الهيمنة تعيق هذا المسعى الإيجابي الذي يفتقد في الكثير من جوانبه إلى العقلنة التي تفترض الحد الأدنى من «اللباقة» المحرّكة للفعل السياسي في تمظهراته العلاقاتية، والحرص على تحقيق المصلحة الذاتية من منطلق فكرة الوجود الفاعل في العالم، التي تفترض أيضا إيجابية الذات في التعاطي البيني على كافة الأصعدة الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية، وهو ما يكرّس الهوية الثقافية ويمنحها تشاركية تنطلق من الحد الأدنى المتفق عليه لترتيب إواليات الحوار حول المختلف فيه. إن الخروج من مأزق علاقة الذات مع الآخر في تمظهراته المتعلقة بالهوية الثقافية يتطلب:
1 ـ الفهم الجذري لحركة التاريخ، حيث على الذات أن تعتبر «التاريخ لا كمجرد تسلسل حوادث على شاشة الزّمن، بل كعملية اجتماعية محددة الأسباب والنتائج ومرتبطة بمصير الإنسان تقدر حظه أو تلقيه في الحضيض» كما يقول مالك بن نبي.
2 ـ احترام قيمتي العقل والحرّية اللتين تمثلان العنصرين الأساسين في القبول بتنوّع الثقافات وتعدّد الرؤى، حيث يقول برهان غليون في آخر كتابه «اغتيال العقل»: «لنحرّر أنفسنا إذن من وهم الأيديولوجية الواحدة والمنقذة، فالعقل والحرية لا ينفصلان».
3 ـ الاهتمام بالثقافة الذاتية عن طريق تفعيل آليات السؤال الوجودي للمواءمة بين الثقافة المعاصرة والموروثة، لتمهيد الطريق نحو «ثقافة نعيشها اليوم، بحيث تجتمع فيها ثقافتنا الموروثة مع ثقافة هذا العصر الذي نحياه، شريطة ألا يأتي الاجتماع بين الثقافتين تجاورا بين متنافرين، بل يأتي تضافرا تنسج فيه خيوط الموروث مع خيوط العصر نسج اللحمة والسدى» كما يرى الدكتور زكي نجيب محمود.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية