الأنثى كإلهة ومخلصة في الحضارات القديمة

من عشتار إلى العذراء، ما أقصر الطريق عبر القصائد والصلوات التي وجهتها إلى كلتيهما أجيال من البشرية. هذه البشرية المعذبة أبدا، الضارعة، المستبشرة والطالبة النقاء للنفس عبر رؤى المرأة. التي لجمالها وروعتها لحنانها وسلطانها تقدسها البشرية على هذا النحو أو ذاك. ملأت هياكل عشتار وادي الرافدين وسوريا وفلسطين ومناطق عديدة عبر جبال طورس. وكانت لها هياكلها حتى في مصر الفرعونية. ثم انتشرت في بلاد الإغريق والرومان هياكل أفروديت وديانا. وقد تقاسمتا شخصية عشتار. وبعد مجيء المسيحية امتلأت مدن هذه الأصقاع ومدن أوروبا كلها بهياكل العذراء. وإذا الكثير مما يلهم الشعراء الذين يخاطبون السيدة العذراء، كان قد قاله الشعراء البابليون قبلهم في صلواتهم لعشتار.
وهكذا كان أهل التقوى يرفعون الصوت بالدعاء لإلهتهم المحبوبة:
عشتار يا ذات البطولة
يا إلهة بلا دنس
يا شعلة السماء والأرض
يا وهج الفلوات والقارات
يا إلهة هي سيدة السماء
تغيرين المصائر وتحولين النكبة إلى سعادة
على يمنيك العدالة وعلى يسارك الفضيلة
حيت تقرأ اليوم القصائد والصلوات الشعرية التي كان البابليون يترنمون بها حمدا وتمجيدا لعشتار. نذكر آلاف القصائد والصلوات الشعرية التي ترنم بها العالم المسيحي بلغات عديدة قرونا متوالية، حمدا وتمجيدا لمريم العذراء. ينتاب المرء الشعور للمرة الألف بأن لا جديد تحت الشمس. وأهم من ذلك حين نقرأ القصائد البابلية التي قيلت ابتهالا لهذا الإله أو ذاك. ندرك أن بابل سليلة سومر ووريثتها لم تعط العالم القديم ولا العالم الجديد أسسه المعرفية فقط، ومعظم خطوط تنظيمه الاجتماعي وتوجهه الفكري، بل خلاصة وعيه الديني أيضا.

ندرك أن بابل سليلة سومر ووريثتها لم تعط العالم القديم ولا العالم الجديد أسسه المعرفية فقط، ومعظم خطوط تنظيمه الاجتماعي وتوجهه الفكري، بل خلاصة وعيه الديني أيضا.

واليهود في مزاميرهم وما دونوه من أقاصيص الخليقة والطوفان والمعارف التاريخية الأولى، إنما أعادوا كتابة البابليات نفسها مع تحريف وخلط عجيبين نجدهما في سفر التكوين وعدد من الأسفار الأخرى التي قام بها كهنتهم لينسجم التدوين مع أغراضهم العرقية. والأصالة التي توهمتها المسيحية المحرفة في كثير من أقوالها، إنما تعود إلى الينبوع البابلي. فلو لم ينقل نبوخذ نصر علماءهم وشعراءهم إلى المدينة المشعة على الفرات لكي يتعلموا كيف يكتبون وكيف ينظرون إلى الأرض والسماء والتاريخ، وإلى علاقة الإنسان بالله، لما كتبوا الكثير مما كتبوه والذي شاءت الأقدار أن تحفظه الألف باء الكنعانية. حين اندثرت الأصول المسمارية الرافدينية تحت ركام المدن التي هدمها الغزاة وطمروا فيها مآثرها. هنا مثل واحد نورده في صلوات كثيرة كان أهل وادي الرافدين يرددونها لمئات من السنين، لا يصعب أن نرى فيها الأصول الأولى لا للضراعة والابتهال وحدهما، بل حتى للصور والمجازات الشعرية التي سنجدها في مزامير وصلوات الأمم الأخرى في العصور اللاحقة :
ليهدأ غضب ربي عليّ
ليهدأ الإله الذي لا أعرفه إذ ينظر إليّ
جهلا أكلت ما حرمه إلهي
جهلا وطأت مكانا حرمته آلهتي
ربي أن خطاياي كثيرة وعظيمة معاصي
نظر إليّ الرب والغضب في قلبه
والإله جابهني والسخط في قلبه
يا إلهي أيها الرحيم أناجيك بدعائي
خطاياي سبع مرات سبع أزل خطاياي
فأسبح لك وأمجد
وليهدأ قلبك عليّ كقلب أم على ولدها
غير أن همنا هنا سينحسر في عشتار تلك الإلهة التي بقي يتردد اسمها أو شخصها أكثر من أي كائن إلهي آخر قرابة ثلاثة آلاف سنة لكل ما فيها من صلوات وأساطير في هيكل عشتار بين سحب البخور المتصاعدة. هكذا كانت ترتل الصبايا العشتاريات المنذورات لها وقد تضمخن بالعطر والطيب :
أحمدك وابتهل إليك
أيتها المليكة السلطانة
الإلهة القادرة
يا أجمل الجميلات
التي تشعلين فيّ نار الرغبة
يا حامية الجيوش
الإلهة التي لا تدرك
إلهة الرجال والنساء
لو رفعت الإشارة إلى نيران الرغبة وأبدلت كلمة إلهة بكلمة سيدة لكانت هذه القصيدة في مدح العذراء أو السيدة البتول. تلت أمثالها أجيال متعاقبة من البشرية في بقاع الأرض. طلبا للعون والتماسا للشفاعة. ففي أفراحهم وأحزانهم في المتعة والألم كان الناس يخاطبون بالشعر سيدة العهود القديمة، مما سيتردد ما يماثله في آلاف قصائد التقوى بعد ذلك بألف سنة
أصلي إليك يا سيدة السيدات
أيتها المتألقة عشتار
حينما نظرت نهض الميت حيا
وقام المريض معافى
والضال إذا رأى وجهك اهتدى إلى الطريق
ففي عشتار صفات المليكة والسلطانة والحامية والشافية ومهدية الضالين. وهي صفات تتواتر في الترانيم المريمية، حيث نجد مريم العذراء تمثل النقاء المطلق وحلم الإنسان بالعفة والطهارة. ويبقى حزنها على ابنها المصلوب حزنا على الإنسانية المظلومة والمعذبة. وبذلك تكون موئلا لطلب كل شفاعة. إنها الأم الكبرى تحتضن بحنوها البشرية جمعاء.

ففي عشتار صفات المليكة والسلطانة والحامية والشافية ومهدية الضالين. وهي صفات تتواتر في الترانيم المريمية، حيث نجد مريم العذراء تمثل النقاء المطلق وحلم الإنسان بالعفة والطهارة.

وكان البابليون أيضا يعتبرون عشتار الأم العظمى أم الجميع. وأقدم تماثيلها تصورها امرأة تضغط نهديها بين يديها لتدر الحليب غزيرا لإطعام شعبها. ولن ننسى دورها في قصة الطوفان التي يرويها (أوتنابشتيم لجلجامش) فعندما أغرق الطوفان الأرض والبشر بسبب غضب الليل فزعت حتى الآلهة لمرأى المياه المدمرة ثم صرخت عشتار كامرأة تتعذب :
سيدة الآلهة عذبة الصوت أنت وصاحت
تحولت الأيام القدامى إلى طين
لأنني نطقت شرا في مجمع الآلهة
كيف هان لي أن أنطق شرا في مجمع الآلهة؟
وآمر بمعركة تقضي على شعبي
وأنا أنا نفسي التي ألد شعبي هذا
ليتكاثر كالأسماك في البحر.
وتجلس الآلهة الأخرى قربها
وتنتحب معها ثم تنبري عشتار
لكبيرهم الليل وتعنفه على ما صنع
وفي رؤيا يوحنا اللاهوتي توصف عشتار بأنها المرأة المتسربلة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها تاج من اثني عشر كوكبا. وهذه بالضبط صورة من الصور الكثيرة التي مثل فيها الرسامون مريم العذراء في عصر النهضة. وكالعذراء كانت عشتار عزاء الفقراء، والمستضعفون دوما يوجهون صلواتهم إليها. بقدر ما كانت معزة الأقوياء والملوك إن هم طلبوا العون منها، بل يبدو أن أكثر ملوك آشور وبابل كانوا يخصونها من دون الآلهة بطلب العون والسؤدد.

والشعراء والقديسون والمتصوفة المسيحيون الذين كثيرا ما تغزلوا بالعذراء وطهرها وسحرها، خاطبوها بأنها كوكب الزهرة ونجمة الصباح والمساء ونقاوة القمر، التي كثيرا ما شبهت بها ربة العفاف ديانا، شبهت بها أيضا العذراء.

حتى آشور بني بعل الذي فاخر الدنيا بفتوحاته وشدته وقسوته نقش على الحجر يقول «حين سمعت الآلهة عشتار تنهداتي الحارة قالت لا تخف وملأت قلبي ثقة وطمأنينة، ثم استرسلت في الكلام مادمت قد رفعت إليّ يديك مبتهلا وعيناك تفيضان بالعبرات فإنني أرحمك» غير أن عشتار بقدر ما كانت رمز القدسية والسمو والسيادة بين الآلهة مما نجد ما يماثله في قصائد العذراء بالنسبة إلى اللاهوت المسيحي، فقد كانت أيضا انعكاسا لنزعة حسية تضج بالعواطف العنيفة في حضارات مازالت ترى فيها رمز الخصب والعطاء إبقاء على الإنسان إزاء جانحات الكوارث والحروب التي كانت تقضي على النسل والزرع والضرع معا. كانت عشتار تمثل المرأة الكاملة وهي في ذروة أنوثتها. فهي ربة الفرح والحب وعن طريقها تتحقق الملذات.
أحمدوا عشتار أعظم الآلهات مهابة
قدسوا ملكة النساء
رداؤها الحب واللذة
وملؤها الحيوية والفتنة والإثارة
وفي شفتيها الحلاوة وفي فمها الحياة
وإذا ما تجلت للبشر عمت البهجات والتهاليل
رائعة هي والحجب الشفافة تلقى على رأسها
قوامها جميل عيناها الرسائل
إنها القوة والروح الحارسة
بالنظرة منها يفيض الفرح
والشعراء والقديسون والمتصوفة المسيحيون الذين كثيرا ما تغزلوا بالعذراء وطهرها وسحرها، خاطبوها بأنها كوكب الزهرة ونجمة الصباح والمساء ونقاوة القمر، التي كثيرا ما شبهت بها ربة العفاف ديانا، شبهت بها أيضا العذراء. ولكن قبلهم بقرون خلت جعل البابليون من عشتار كوكب الزهرة وآلهة المساء والصباح. قالوا إن أباها هو (سين) إله القمر وأخاها هو (شاماس) إله الشمس. بينما كان المسيحيون يرون في مريم العذراء القديسة التي إذا استغاث البشر بها في مواسم الزراعة والحصاد أمرعت الحقول بالسنابل وأثقلت الكروم بالعناقيد، كانت عشتار هي ربة الخصب التي لا ينمو نبات ولا يتناسل حيوان إلا بعنايتها. ثمة في الأساطير البابلية قصتها المشهورة يوم قامت برحلة إلى العالم السفلي طلبا لتموز وأمام كل بوابة من بواباته السبع في ذلك الإقليم الذي لا عودة منه، أمرت بنزع قطعة من حليها وزينتها إلى أن نزعت أخيرا ثوبها وبانت عارية وذلك أن اختها ملكة العالم السفلي اشتبهت في مأربها ولم ترض عن هبوطها إليها وسجنتها عارية في غياهب (نرغال) وأطلقت عليها العذابات. وهل إلا من أجل الهوى تتحمل الإلهة عشتار العذابات، وفي أثناء ذلك غابت عشتار عن الأرض وتوقف فيها الخصب والتناسل وتراجع الحب وحل القحط والموت: عندما غابت عشتار عن الأرض في أثر حبيبها
غاب عن الأرض كل سلام وكل حب
مشى الثور في السهل وحيدا
ورفع رأسه نحو السماء ومن حزنه
خرّ محتضرا على التراب
هجر الحمار عقيلته وأمعن ركضا في البراري
وما عاد زوج يقبل زوجته
والزوجات بقين بلا حب يلعن الزمان
وكف الحمام عن الهديل
لقد مات الحب في صدور البشر
وعم بين الناس الكره
وحتى الأميرات ألقين الرداء والتاج المجوهر
وانطلقن في الطرقات بلا حياء
فاشتد قلق شاماس أخ عشتار على مستقبل العالم وراح يبحث عنها حتى أفلح أخيرا بمساعدة (آيا) في إنقاذها وإعادتها مع حبيبها تموز قبل أن يأتي الدمار على العالم. وبعودتها مع تموز انبعثت الحياة وانتصر الحب على الموت. وفي هذه الأثناء تنطلق البشرية من طرف واحد حيث الغريزة والجسد سيدان إلى الطرف النقيض الذي يطالب بإخضاع الغريزة والجسد تحقيقا لما هو أرفع وأغزر وعدا بالسعادة. وتتجلى لوعة البشرية من جديد في تحرقها إلى التسامي على الحواس المباشرة وتتحول ربة الحب المجسد إلى الحب الإلهي المجرد. ويروح الإنسان وهو فريسة خطيئة اللحم والدم المفروضة عليه ينشد تلك العفة الطاهرة المطلقة لعلها تنقذه من سقطات الجسد فتشده إلى الأعلى ولا يرضى التأليه إلا لها.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية