الأنثي في رواية أصل الهوي
جمال ناجيالأنثي في رواية أصل الهوي من الصعب ان يقرأ الكاتب رواية أصل الهوي للكاتبة الاردنية حزامة حبايب دون أن تستثير فيه الرغبة في الكتابة عنها حتي لو لم يكن ناقدا، فالرواية لا تخضع لشروط الاستيعاب التقليدي الذي يمكن قارئها من الإحاطة الشاملة بمفرداتها ومساراتها الزاخرة بالأحداث التي تبدو بسيطة اذا ما جردت من الوقع الهائل لأبعادها النفسية والسياسية، والاجتماعية ايضا.اللعبة الروائية هنا تحاول استنطاق الاحداث الصغيرة التي تكشف عن اوزان مكثفة وحبيسة في كتلة زمنية مكانية صغيرة، لكنها لا تقل في اهميتها الروائية عن الاحداث الكبري مثل احتلال العراق للكويت الذي شغل حيزا مهما في الرواية. تلتئم الرواية في بدايتها من خلال تواجد الشخوص الذكورية التي شكلت غلالة للشخصيات النسوية رغم حضورها منذ البداية: كمال القاضي، رمزي عياش، اياد ابو سعد، فراس بن رمزي عياش، عمر السرو.هذه الشخصيات تجلس امام شاشة التلفاز وتري خبرا عاجلا لا يتم الافصاح عنه، ثم سرعان ما تنداح في اماكن متعددة (الامارات، سورية، الاردن، فلسطين، الكويت، العراق….) وتتحرك في حيز زماني يطول ويقصر تبعا لبناء كل شخصية، ثم تعود لتلتئم ثانية في نهاية الرواية التي تكشف ان الخبر العاجل علي قناة الجزيرة هو وفاة ياسر عرفات! ثمة زمن واقعي قصير جدا لحدث (التعرف علي الخبر) وثمة زمن روائي يمتد لسنوات تطال نكبة فلسطين، وفيه تتنقل الشخصيات وتتشابك علاقاتها ضمن مسارات أرستها حقائق النكبة والنكسة والغربة واحتلال العراق للكويت.اللافت في هذه الرواية أن التطورات الاجتماعية بدت نتاجا لتلك السياسية التي أفرزت واقعا مبعثرا حدد الكثير من العلاقات الاجتماعية للشخصيات من حيث اساليب تفكيرها واماكن اقامتها ومجريات علاقاتها، لكن هذا كله، علي الرغم من اهميته في الرواية، أنتج حقائق تتصل بتمدد النفوذ الأنثوي الي حدود تجاوزت مألوف التفسير التقليدي، دون الالتفات الي ما سببه هذا التمدد من كشف غير مسبوق في الرواية العربية لتفاصيل المرأة، وانتهاك لأدق خصوصياتها وتقديمها عارية، بالقطعة، امام مجهر القارئ وليس امام عينه المجردة التي لا تستطيع ان تري الا عموميات الجسد، ومظاهر السلوك المعلن فقط. هذا الكشف ليس جسديا وحسب، انما يمتد الي عمق تفكيرها، وسراديب المناطق المظلمة في بنائها الداخلي، ومكامن قوتها وقدرتها علي الإمتاع والإشباع، والإيقاع بالآخرين أيضا. اصل الهوي رواية حسية بامتياز، لكن حزامة وظفت هذا الحس لتفجر وتكشف ما هو فوق حسي، فالجنس الغزير الذي تضمنته الرواية تحول عند شخصية عمر السرو مثلا، الي واحد من مثيرات الذاكرة التي تربط الجنس بلحظات الحيرة الطفولية لديه، حين كانت حسنا زوجة شقيقه نزار تحنو عليه في طفولته، و تدعوه ببراءة وحنان ـ يكاد يكون أموميا ـ الي مشاطرتها الفراش، ليتبين فيما بعد، ان فراسة حسنا كانت ابعد بكثير مما يعتقد القارئ لقد التقطت اشارة المستقبل وأثثت للآتي، ربما غريزيا، بعد ان توصلت في وقت مبكر الي انها تنتظر فحولة عمر القادمة، كأنما ادركت بحسها ان نهاية ما، تنتظر زوجها نزار لتتزوج من شقيقه الذي دشنه والداه ودفعا به الي الزواج منها حفاظا علي ملكية البيت، رغم ان أم نزار وعمر (رقية) كانت تكره حسنا لانها لا تنجب. حسنا هي الأنثي الروائية الأولي والثانية وربما الثالثة، هي التي انتصرت اخيرا في معركتها مع رقية ام زوجها، وهي التي مثلت قوة المرأة وجبروتها الصامت الذي يتحكم في سير الحياة، وهو جبروت لا تستمده من مجرد المعادلات العائلية او المصلحية، انما هو كامن في أصل وجود المرأة، بما تمتلك من قدرات وأذرعة روحية عقلية غريزية لا يحكمها المنطق المعلن او المتداول، بقدر ما تحكمها الشفرات والآليات السرية للوجود الأنثوي ذاته،تلك التي تمكنها من التحكم بالاحداث، وترويض أشد الفحول وأكثرهم شراسة وحنكة.الشخصيات النسائية الأخري، امثال هنادي وليال وفاديا ونعمة وانصاف ورقية ومسعدة وفتيات الافلام وسواهن، مارسن ادوارهن بأساليب مختلفة عكست خصوبة وثراء المخيال الذي تمتلكه الكاتبة، وجرأتها الاستثنائية التي حطمت الكثير من التابوهات التقليدية، والمشهد التالي الذي تسرده الرواية عن نعمة حين التحقت بزوجها في الكويت، بعد اشهر من زواجهما، ليس سوي مثال علي الجرأة الموضوعية التي قد تبدو خارجة عن نطاق ما تسمح الصحافة العربية بنشره:(قبلها من عنقها، القي بنصفها العلوي علي السرير بينما تدلت قدماها علي الارض، ادخل يده تحت سروالها، مسح سهلها المتهضب الناعم الرطب براحة يده… اوقفها مقابل المرآة، ارخي سروالها رفع فستانها الي اعلي فتبدت في المرآة ساقاها وبطنها حتي ما فوق السرة بقليل، استل ذكره الذي بلغ انتصابه اشده… (ص 200). قد يثور لغط كثير حول هذه الرواية بسبب توظيفها للجنس التفصيلي الذي تضمنته، لكن التوظيف الفني المتقدم لهذا الجنس في سياق الاحداث المركبة والمتلاحقة، كان أشبه بواحات أطفأت شراسة الحياة التي عاشتها الشخوص، وكشفت في الوقت ذاته عن منابع العشق التي لا تنضب رغم هول الأحداث والحروب ومخلفاتها التي تقزمت في الرواية، فيما تعاظمت قيمة الحب والعشق والجنس. كاتب من الاردنQMK0