الأوراق النقاشيّة الملكيّة الأردنيّة والسؤال الغائب: كيف وصل الأردن للذي هو فيه؟

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي تناولت العديد من التحليلات الأردنيّة مسألة الأوراق النقاشيّة التي يكتبها الملك عبدالله الثاني في الشأن الأردني. ولقد تنّوعت هذه التعليقات من ‘التسحيجيّة’ التي تُنفّر القارئ وتؤذي جديّة الملك الى التهكميّة التي خرجت عن لياقة النقد الموضوعي. ولقد تباينت هذه الأوراق النقاشيّة في أعدادها المتتالية في الحجم وغزارة الطرح الفكري ولكنها وبشكل ملحوظ خَلت من الإجابة على أهم سؤال. هذا السؤال يتمثل بكيفيّة وصول الأردن لهذا المستوى من الشرذمة الوطنيّة والذي مكّن من سيطرة الشلليات الحاكمة إستهتاراً بقيم النزاهة والشفافيّة في ظل هذا الترهل الإداري والعجز المالي الذي بدأ يصل إلى حدود 25 مليار دولار؟.كذلك خلت الأوراق النقاشيّة من تحديد المسؤول عن سياسة المحسوبيّة الممنهجة والتوريث في المواقع الأردنيّة العُليا في القطاعين العام والخاص والتي هي الفساد بأوضح صوره، وما نتج عنه من ظلمٍ وخلق عصابات المنفعة الإسترزاقيّة للمحاسيب في تسّلطهم على المواطن الأردني بإسم النظام الهاشمي. ولم توضّح هذه الأوراق وبمنتهى الحسم أن كل الأنساب والأصهار الذين إستغفلوا الشعب الأردني في سطوهم على المواقع العُليا هم فاقدون للشرعية الوطنيّة والأخلاقيّة، وأن نظام المحاسيب الفاشل لا يمثل الاّ إنهزاميتهم وإنهزاميّة منافقيهم وسحيجتهم. وكذلك لم توضّح بكل الجديّة من هم المسؤولون عن تسميم براءة الطرح الوطني الأردني وترسيخ قيم الإنتهازيّة والنفاق والتطاول على المواطن كآليّة عمل النظام ومنهجيته؟.ونستغرب من مستشاري الملك إستخفافهم بالعقل الأردني والتعامل معه بهذه الضحالة لأن المواطن الأردني شبع من التنظير النفاقي. فكأن هذه الأوراق النقاشيّة تتعامل مع بلد أجنبي لم ينخر فيه الفساد المُمنهج ومن أعلى المستويات في تطاولٍ على أبسط حقوق المواطنين، بينما يزهو الفاسدون والمتسلقون في ظل عقدة الأجنبيّ عندهم. فهذه الأوراق كانت ستوفّر سابقة عربيّة في المباشرة بالطرح والبساطة بالتعبير مُضافاً لها القوّة التأثيرية الكبرى لو أنها وضعت الأردنيين في عمق تفكير الملك عبدالله الثاني ‘كمواطن’ أردني يُعلنها وبكل صراحة بأن المواطن الأردنيّ تعرض إلى خديعة مُمنهجة حينما تم طمس: أن معيار الولاء الحقيقي يتمثل بمقدار ولاء النظام لشارعه الوطنيّ، وأن النظام هو من عليه دائما إثبات الولاء للشعب وليس العكس. وكم كانت ستكون هذه الأوراق النقاشيّة مؤثرة في الوجدان الوطنيّ الأردنيّ لو أنها نقلت بأن الملك أكثر تطرفاً من كل حراكيي الأردن عندما تتعلق المسألة بمحاربة الفساد وزجّ حيتانه بالسجون وأنه، مثل كلِ مواطنٍ أردنيّ غيّور، لن يهدئ له بال قبل أن يعرف كيف يَهرُب مُتهموا الفساد من عمان في وضح النهار بعدما رتبّوا كل أمورهم الماليّة، لا سيما في ظل الشائعات التي تزعم أن نسيب القصر الملكي الأردني، المتهم وليد الكردي، يزور عمان وقتما يشاء وبتستر أمني من أعلى المستويات؟. فما الذي كان يمنع المصارحة؟ لغاية الآن لا يوجد تشخيص دقيق ومُقنع يأتي من صُلب النظام ليوضّح وبكل موضوعية أسباب إهتزاز الثقة الوطنيّة بهذا الشكل الكبير والتساؤل عن كيفيّة وصول الأردنيين إلى خارطة طريق للنهوض بالأردن من أزمته الإقتصادية والسياسيّة إذا لم يتفقوا أساساً على الأسباب والمُسببات لهذا التدهور الخطير؟ ولماذا لم تُطمئن هذه الأوراق النقاشيّة شباب الأردن بكل أمانة وطنيّة أن المحسوبية المُمنهجة في المواقع العليا هي إعتداء صارخ على مستقبل كل شاب وشابة وإستخفافٌ بطموحهم المشروع؟ وأن الملك، مثل شباب الأردن، لا يفهم هذا التناقض والنفاق بين ما يتم تنظيره عليهم في الندوات واللقاءات الرسميّة بينما كل الذي يحدث على أرض الواقع هو تخديرهم وإسماعهم ما يريدون في ظل تجيّر الدولة الأردنية بكل مؤسساتها ومرافقها لخدمة مصالح الفئة القليلة التي تهبط بمظلات المصاهرة والمحسوبية والتوريث.فلا مفر من إحترام عقل المواطن الأردنيّ حيث أن أدق المعلومات يتم الحصول عليها اليوم في لحظات من غير تزويرٍ أو فبركة. فالأوراق النقاشية الملكيّة لم تذكر بكل الوضوح أن محاربة الفساد والمحسوبيّة الممنهجة هي عقيدة راسخة عند كل أردني شريف، وقبل رفع الأسعار والطلب من المواطنيين شد الأحزمة التقشفيّة لا بُدّ أن يتم إسترداد مليارات المال العام وزجّ كل حيتان الفساد بالسجون بدون تساهل أو إنتقائيّة. فهم المعتدون على الأردن ومقدّرات شعبه والبادئ دائماً أظلم. ولا ندري كيف يسمح مستشارو الملك ورود كلمات مثل ‘الدفع الذاتي’ للإصلاحات الأردنيّة في أوراق الملك النقاشيّة؟. ففي إستخدام مثل هذه العبارات المغلوطة إستخفافٌ بعقول الأردنيين وإعتداءٌ على مصداقيّة الملك عبدالله الثاني وموضوعيّته في هذه الفترة الحرجة. فهذه الإصلاحات لم تكن هبة ولا منّة ولا تفضّلاً لأنها فرضت نفسها بالشموخ الأردنيّ وبالمواقف الرجولية لعشرات الألاف من الأردنيين الذين رفضوا بكل الكبرياء نظام الفساد والنفاق والمتاجرة بقيم الأردن العُليا الذي تداوله الأصهار والأنساب والمحاسيب لسنوات متتالية بلا خجلٍ أو حياءٍ وطنيّ.فالديموقراطيّة في الأردن ليست مُمثلة اليوم ببلطجيّة بعض النواب في ‘فزعاتهم’ الإستعراضية، ولا هي بالطرق الإلتوائيّة لتثبيت المصالح المكتسبة لمحاسيب الفساد ومصاهري التسلق الإجتماعي الرخيص. بل هي في هذا المّد الأردنيّ المبُارك والواثق من نفسه في إجماع بوصلته الوطنيّة النقيّة التي لا تقبل التشرّذم ولا الإنحراف. ولا بُد للنظام من أن يحدد هويته بمنتهى الوضوح بالعمل قبل القول فيما إذا كان فعلاً راعي نهضة الأردنيين والمُستئصل الشرس لكل معتدي على المال العام والخاص دونما إنتقائيّة، أم أنه فقط الحامي الأمين لمصالح الطبقات المتحكمة ومافيات الفساد في سطوتهم التي يرفضها كلُ أردنيّ شريف؟.محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/لندنqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية