دمشق – «القدس العربي»: بدأت وزارة الأوقاف السورية بإعادة تخمين عقاراتها الوقفية المؤجرة بصفتيها التجارية والسكنية، والمقدرة بعشرات الآلاف على مستوى البلاد، وذلك بتحديدها عند نسبة 7 بالألف من القيمة الرائجة للعقارات التجارية أو بمضاعفة الإيجار عشر مرات للمنازل السكنية، وعبر إجراء مؤقت إلى حين الانتهاء من إعداد دراسة خاصة، ما خلق حالة من القلق بين صفوف التجار، وخصوصاً منهم من كان قد استأجر عقاره وفق آلية الفروغ المنتشرة في البلاد.
النفع العام
والنظام الوقفي منتشر ويتم تطبيقه في الدول الإسلامية لما له من أهمية في مساعدة الفقراء وتقديم منافع مادية للمجتمع، حيث يتم وقف مجموعة من العقارات من أهل الخير لصالح الشأن العام، أو تنقل إدارة عقارات يتوفى أصحابها ولا ورثة لديهم، إلى وزارة الأوقاف، حسب القوانين المطبقة. وعقارات وزارة الأوقاف ذات طبيعة خاصة تختلف عن بقية العقارات، فهي ليست أملاك دولة، ولا أملاك أفراد، وفق ما نص عليه القانون 31 الصادر في عام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف، وقد عرف أملاك الوقف بأنها «الأموال المنقولة وغير المنقولة المُعدَّة على حكم ملكِ الله تعالى والمخصَّصة للنفع العام وفق أحكام الشريعة الإسلاميَّة».
وأثار القانون 31 بعد صدوره، جدلاً كبيراً ونفذ الكثير من الرافضين له حملات واسعة عبر صفحاتهم على فيسبوك، ما دفع مجلس الشعب إلى إعادة النظر به وتعديل مواد كانت مثار نقاش مطول. وتؤول منفعة العقارات الوقفية للصالح العام من مدارس وجوامع وفقراء وطلبة العلم وحتى لدعم الجمعيات الخيرية وغيرها.
والسبت الماضي، أعلنت مديريتا أوقاف دمشق وريفها عن تقديم دعم مالي بقيمة 3 مليارات ليرة سورية لصالح مشفيي المواساة والمجتهد، ضمن حملة تبرعات تنظمها الأوقاف، وتم تخصيص المبلغ لشراء أجهزة ومعدات طبية، في إطار دعم القطاع الصحي وتعزيز الخدمات للمواطنين.
مصادر مطلعة في وزارة الأوقاف كشفت لـ«القدس العربي» أن مديريات الأوقاف في المحافظات السورية كافة، عممت على مستأجري العقارات التجارية ضرورة مراجعة المديريات التابعة لوزارة المالية، لإعادة تخمين العقارات مجدداً وفق القيم الرائجة حالياً، ومن ثم إعادة تحديد الإيجار السنوي الذي يدفعونه بما يوازي نسبة 7 بالألف من قيمة العقار، أي يصبح إيجار عقار قيمته مليار ليرة، 7 ملايين ليرة، وهو ما يعادل 700 دولار سنوياً، بعدما كانت الأجرة السنوية لمثل هذه العقارات لا تتعدى 120 دولارا وربما أقل، وخصوصا للعقارات المستأجرة منذ سنوات طويلة.
وقد راجع العديد من المستأجرين مديرية الأوقاف في دمشق وتمت إعادة تحديد إيجار العقارات التي يشغلونها وفق الآلية الجديدة لتصبح بحدود 1200 دولار سنوياً أو أكثر أو أقل، وفق المصادر.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بدأ حديث في وزارة الأوقاف عن ضرورة استرداد العقارات الوقفية المؤجرة باعتبار أن عقودها كانت بمبالغ زهيدة، ورغم أن القانون 31 فتح الباب أمام إعادة التخمين، لكن الفساد المنتشر و»الواسطة» جعل الإيجارات تخضع لتخمين مزاجي ما أضاع مبالغ كبيرة على الوزارة مخصصة للنفع العلم.
وقدرت المصادر أن عدد المحال التجارية الوقفية في دمشق وحدها يصل إلى أكثر من 4 آلاف، وتم تأجير معظمها وفق نظام «الفروغ»، أي تخضع للتمديد الحكمي، ويجب على جميع شاغليها مراجعة وزارة المالية لتقييم قيمة العقارات مجدداً، موضحة أن إجراء إعادة تخمين الأجرة، مؤقت، وهناك دراسة تنجز حول وضع هذه العقارات، من دون أن تذكر تفاصيل أخرى عن الموضوع ولا العقوبات المترتبة على كل من لا يستجيب لهذا التعميم.
المصادر التي تحدثت إليها «القدس العربي» أوضحت أن الإجراءات المتبعة في تخمين إيجار العقارات السكنية تختلف عن «التجارية»، فهذه لا تخضع لإعادة التخمين من المديريات المالية، باعتبار أن نظام الأجرة فيها لا يخضع لـ»الفروغ» وتم تأجيرها من دون أن يدفع المستأجر تعويضاً للمستأجر السابق، وإعادة تخمين الأجرة هنا يكون بمضاعفتها عشر مرات أي أن العقار السكني الذي كانت أجرته نحو دولار واحد أصبحت 10 دولارات، وقد تمت مراعاة وضع المستأجرين لهذه العقارات إلى أن يتم إيجاد حلول جذرية للموضوع.
وأعرب عدد من المستأجرين عن تخوفهم من أن إعادة التخمين هي بداية لإخراجهم من المحال التي يشغلونها.
وأكد أحدهم لـ «القدس العربي» أنه في النهاية سوف يتم إخراجنا من هذه المحال وربما تكون الأجرة في العام المقبل أعلى حتى لا نستطيع دفعها ما سيؤدي بنا إلى إخلاء المحال.
مستأجر آخر قال: اشتريت الفروغ من مستأجر سابق قبل سقوط نظام الأسد بشهر وبقيمة مليار ونصف ليرة، أي ما يعادل 150 ألف دولار، واليوم أشعر أنني سوف أخلي المحل في أي وقت، موضحا أنه قد تم تقييم العقار الذي يستأجره بـ150 ألف دولار، ما يعني أنه سوف يدفع 1500 دولار سنوياً أجرة للمحل.
واسترجعت وزارة الأوقاف العديد من العقارات التي كانت مؤجرة لجهات حكومية، منها مقر سينما الكندي في دمشق، ما أثار موجة كبيرة من الانتقادات في الشارع السوري، وخصوصاً مع إعلان وزارة الأوقاف أنه سوف يتم تحويلها إلى مركز ثقافي علمي، ما دفع العديد من الناشطين إلى احتجاجات لإعادة الوضع إلى ما كان عليه وإبقائه مركزاً للسينما باعتبار أنها معروفة بكل المحافظات السورية، لكن لم يصدر من الوزارة أي بيان يؤكد تراجعها عن قرارها.
وشكلت وزارة العدل أخيراً لجنة لإعادة النظر في قانون الإيجارات وخصوصاً تلك التي تخضع للتمديد الحكمي (الفروغ)، ما خلق ضجة كبيرة تجسدت باحتجاجات كبيرة شارك فيها المئات من التجار المستأجرين للمحال التي تخضع للتمديد الحكمي باعتبار أنهم دفعوا قيمة الفروغ التي وصلت في بعضها إلى 90 % من قيمة المحال. ولم تبت هذه اللجنة في الموضوع حتى الآن، وأعلنت أن ما تقوم به هو تعديل لقانون الإيجار وليس وضع قانون جديد وأن هذا التعديل يجب أن يقر من مجلس الشعب الذي هو قيد التشكيل حالياً.