الأولوية الأمريكية في ليبيا: إزالة العقبات من طريق الانتخابات

رشيد خشانة
حجم الخط
0

تُقدم واشنطن كل يوم أمارة جديدة على تزايد اهتمامها بالملف الليبي، بعد سنوات من تفويض الإيطاليين الاشتغال عليه.

تكتنف مسار الاعداد للانتخابات العامة في ليبيا صعوبات جمة ومتعددة المصادر، بعضها ناتج عن صراع الدول الكبرى على اقتسام الكعكة، وبعضها الآخر عن المناكفات بين الليبيين، وهي مناكفات أوصلتهم إلى حرب أهلية مُدمرة، على مدى أكثر من سبع سنوات.
وتحاول حكومة الوحدة الوطنية اليوم، اختراق الفصل بين شرق وغرب، وإثبات أنها حكومة ليبيا بأسرها، للمرة الأولى منذ 2014 وهو ما جسده اجتماع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الأربعاء في طرابلس، مع رؤساء المجالس المحلية في بنغازي. وقد بحث معهم المشاكل الحياتية التي يواجهها سكان المدينة، والصعوبات التي تعطل عمل المجالس المحلية. ومن الواضح أن رئيس الحكومة ما زال غير قادر على زيارة المنطقة الشرقية وعقد مثل هذا الاجتماع في بنغازي، بسبب قدرة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، على إفساد الزيارة، وخاصة بعد تأخير فتح الطريق الساحلي الرابط بين غرب ليبيا وشرقها.
وتعاني مدينة بنغازي، وسائر مدن الشرق من أزمة مياه الشرب، وهي مرشحة للتفاقم مع اقتراب فصل الصيف، كما تعاني من مشاكل النازحين، الذين تجدد أملهم بالعودة إلى مناطقهم، مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، بالإضافة لتذبذب الخدمات الأساسية والمرافق العامة، وما يُرتبه ذلك من أعباء مالية على المواطنين.
غير أن العراقيل على طريق الانتخابات لا تقتصر على هذا وحسب، وإنما هي تأتي خاصة من استمرار تدفق السلاح على الفريقين المتصارعين، وتزايد التحذيرات من اندلاع الحرب بينهما من جديد، مع استمرار أزمة المرتزقة قائمة برمتها. ومن المؤشرات السلبية في هذا المجال ضبط ألفي سلاح ناري في حاوية للملابس النسائية بميناء مصراتة، وهو غيض من فيض الأسلحة التي تدفع ثمنها بعض الأطراف الاقليمية، بُغية تعطيل العودة إلى الاستقرار في ليبيا.

تضاؤل الآمال بإجراء الانتخابات

لكن الأرجح أن الأطراف الدولية التي وضعت خريطة الطريق في برلين مطلع العام الماضي، لا ترغب بالبقاء في موقع المتفرج على تضاؤل الآمال بإجراء الانتخابات في ميقاتها. تدل على ذلك دعوة ألمانيا إلى عقد برلين2 في النصف الثاني من الشهر المقبل. وأيضا الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن حول ليبيا، عبر الفيديو، وتوعدت فيه المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بملاحقة قضائية للمرتزقة والجنود الأجانب في ليبيا، مشيرة إلى ارتكاب جرائم داخل مراكز الاعتقال. وبحسب الأمم المتحدة، ما زال أكثر من 20 ألف شخص بين مرتزقة وعسكريين أجانب منتشرين في ليبيا، بينهم عسكريون أتراك، ومرتزقة روس وسودانيون وتشاديون.
وأعلنت المدعية العامة أن المحكمة الجنائية الدولية تلقت «معلومات مثيرة للقلق» عن أنشطة مرتزقة ومقاتلين على الأراضي الليبية، مؤكدة أن تلك الجرائم يمكن أن تدخل ضمن صلاحيات المحكمة، «أيا تكن جنسية الأشخاص الضالعين فيها». وبحسب الأمم المتحدة، يبلغ عدد المعتقلين عشوائيا بليبيا 8850 شخصا، في 28 سجنا رسميا، يُضاف إليهم عشرة آلاف معتقل بينهم نساء وأطفال في مراكز تابعة لفصائل مسلحة.
من هنا تُمسك الأمم المتحدة بأوراق ضغط مهمة، يمكن أن تُدين قادة ميليشيات بعد إحالتهم إلى القضاء، ما سيحدُ من قدرتهم على الايذاء وتعطيل مسار الحل السياسي.

اهتمام أمريكي متزايد

ومن المؤشرات التي تدل على إرادة دولية للحسم في ملف المرتزقة، الزيارة التي قام بها وفد دبلوماسي أمريكي إلى طرابلس، الأسبوع الماضي، للبحث في ملف إخراج الميليشيات المسلحة من ليبيا وتنفيذ سائر بنود خريطة الطريق. ويجوز القول إن واشنطن تُقدم كل يوم أمارة جديدة على تزايد اهتمامها بالملف الليبي بعد سنوات من تفويض الإيطاليين الاشتغال عليه.
في هذا السياق أتت زيارة الوفد المؤلف من النائب الأول لمساعد وزير الخارجية جوي هود، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا السفير ريتشارد نورلاند، إلى طرابلس، حيث اجتمع مع رئيس المجلس الرئاسي (رئيس الدولة المؤقت) محمد المنفي ووزيرة الخارجية نجلاء المنقوش. وأفيد أن الوفد ركز محادثاته مع الليبيين على ضرورة إخراج المرتزقة من ليبيا أيا كانت جنسياتهم.
وبتعبير آخر فإن الأمريكيين يحضون حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإضعاف قبضة أمراء الحرب على السلطات المؤقتة، خصوصا بعد اقتحام إحدى الميليشيات المسلحة فندق «كورنثيا» في العاصمة طرابلس، حيث اعتاد المجلس الرئاسي الجديد على عقد اجتماعاته. وأتى الاقتحام احتجاجا على تصريحات وزيرة الخارجية المنقوش، المُطالبة بطرد المرتزقة من بلدها، بمن فيهم الأتراك والسوريون. ولم تؤثر الحملات التي شنتها وجوه تنتمي لتيار الإسلام السياسي على الوزيرة، في إصرارها على الدفاع عن موقفها. وجددت خلال مؤتمر صحافي جمعها مع المسؤول الأمريكي الزائر هود، مطالبتها بخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من بلدها.
وهذا يعني أن واشنطن تخلت عن سياسة الانسحاب من الأزمة الليبية، في أعقاب اغتيال سفيرها لدى ليبيا في 2012 لتعود إليها بقوة، مدفوعة برغبتها باحتواء التمدد الروسي في شمال أفريقيا، الذي استخدم القطاع الخاص، على غرار الشركة الأمنية «فاغنر» مطية للتوغل في ليبيا، واستطرادا في شمال أفريقيا. والمؤكد أن واشنطن مُصرة على إخراج الميليشيات من ليبيا، ليس فقط لأنها ترغب في سحب عناصر «فاغنر» من البلد، وإنما أيضا لأنها لا تثق بالميليشيات الأخرى، وتُصر على التعاطي مع المؤسسات الرسمية فقط.
وتتكامل الجهود الرامية لإضعاف الميليشيات، إن لم يكن لحلها تدريجيا، مع إحياء دور المؤسسات الأمنية والقضائية الشرعية، وهو ما أكده اجتماع النائب العام الصديق الصور، مع كل من وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن الداخلي، لمتابعة وقائع التزوير في المنظومات السيادية للدولة، ووقائع التزوير في ملفات الجنسية، من أجل إيجاد آلية لتسريع العمل الذي تكفلت بإنجازه لجنة مُشكلة لهذا الغرض. والأرجح أن الاجتماع تطرق أيضا لهروب اللواء رشيد الرجباني رئيس جهاز الأمن الداخلي في «حكومة الوفاق» أخيرا من ليبيا.
واللافت أن الليبيين توجهوا إلى الأمم المتحدة لمساعدتهم على إحياء دور المؤسسات الأمنية والقضائية الشرعية. وفي هذا الإطار ناقش نائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي نوعية هذه المساعدة مع رئيس شعبة المؤسسات الأمنية لبعثة الأمم المتحدة سليم رعد. لكن لم يُكشف عن تفاصيل تلك المساعدة، علما أن بعض الليبيين يعتبرون اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 هي المؤهلة قبل سواها للقيام بهذا العمل. كما يعتقدون أن نجاحها في المهمة، سيساهم في زرع الثقة بين الطرفين، تمهيدا لتكريس المصالحة الوطنية.

ضغوط على حفتر؟

والظاهر أن أمريكا ما زالت تمارس ضغوطا مختلفة على الجنرال المتقاعد حفتر كي لا يُعطل تنفيذ بنود خارطة الطريق، باعتباره مازال ماسكا بالسلك الكهربائي، وقادرا على تقويض الجهود الحثيثة التي بُذلت حتى اليوم على طريق الحل السياسي.
لأجل ذلك اجتمع السفير الأمريكي نورلاند مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في القاهرة، وكان محور اللقاء يتعلق بإعداد القاعدة الدستورية للانتخابات، إضافة إلى اعتماد الميزانية العامة للدولة، وفق ما نشره المجلس عبر موقعه على شبكة الإنترنت. ويُعتقد أن نورلاند طلب بوضوح معاودة فتح الطريق الساحلي الرابط بين سرت والمنطقة الشرقية، والذي يعد أحد بنود اتفاق وقف إطلاق النار، في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2020 في جنيف.
والمؤكد أن أمريكا تمارس ضغوطا قوية على الفرقاء الليبيين في الجهتين، لأنها مدركة أن بقاء القوات الأجنبية يشكل عقبة رئيسة في طريق إجراء الانتخابات. ويبدو أن تلك الضغوط ستُضعف من موقف الذين ما زالوا يفصلون بين إخراج القوات الأجنبية وإجراء الانتخابات العامة في ميقاتها، فمُغادرة المقاتلين الأجانب سيُنضج التقارب بين الشرق والغرب، بما يُحقق المصالحة الوطنية، بحسب توقعاتهم.
أما توحيد المؤسسة العسكرية، فهو النتيجة الحتمية لإخراج المرتزقة من البلد، لكن يبقى المشكل الكبير هو موقع الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، الذي انتهى سياسيا بعد هزيمته في حرب طرابلس، لكنه مازال يتمتع بالقدرة على الإيذاء، إن لم يجد رادعا داخليا أو خارجيا، أو الاثنين معا، مثلما هو مُرجح.
ويُعتبر هذا الاستعجال الأمريكي رسالة موجهة إلى جميع المتدخلين في الملف الليبي، وليس فقط إلى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والجنرال حفتر، من أجل تهيئة الظروف لانعقاد مؤتمر برلين الثاني، في النصف الثاني من الشهر المقبل.

موسم إعادة فتح القنصليات

ومن ثمار تلك الجهود ما يُلاحظ حاليا من استقرار نسبي شجع السباق بين الدول الأجنبية، على إعادة فتح سفاراتها تباعا في طرابلس وقنصلياتها في بنغازي، فبعد معاودة فتح السفارة الفرنسية يوم 29 اذار/مارس الماضي، أعلن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو عن قرب افتتاح القنصلية الإيطالية في بنغازي، التي ظلت مقفلة منذ 2011. ويستعد الروس والصينيون والكوريون وسواهم لمعاودة فتح سفاراتهم في طرابلس أيضا. قصارى القول إن هناك تجاذبا بين الكتلة الأمريكية الأوروبية، الداعية لإجراء الانتخابات أواخر العام الحالي، وكتلة روسية مصرية تركية إماراتية لا ترغب بإجراء انتخابات في نهاية العام، وليس واضحا من ستكون له الكلمة الأخيرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية