احمد السنوسي بحلول ‘الربيع العربي’ انكشفت العديد من الاجندات الدولية، التي استكانت في الماضي الى موقف يتراوح بين الكولسة والتلميح منذ ان دعت عرابة ‘الشرق الأوسط الجديد’ كونداليزا رايس الى دمقرطة المنطقة العربية لتدخل الرعب والخوف الشديد الى قلوب عرب امريكا المستبدين، الذين لم يأخذوا النداء مأخذ الجد، ووظفـــــت الخارجية الامريكية تقاريرها السنوية لـ’فضح’ التجاوزات الجسيمة لحقوق الانســان من الخليج والمحيط فيما كانت واشنطن في الماضي توظف سلاح التقليص من الرشوة عفواً من المعونة الامريكية للانظمة العربية اذا ما هي تجاوزت الحدود ‘المعقولة’ في انتاج الفساد السياسي الذي تبرع في انتاجه وكانت الادارة الامريكية في عهد مضى تسخر اجهزة المخابرات المركزية من اجل تدبير انقلابات ضد انظمة عربية لا تنخرط بالشكل الكافي في لعبة الامم كما تتصورها واشنطن، وغالبا ما افلست تلك الخطط الانقلابية او تراجعت بعد ان طبعت الانظمة العربية علاقاتها مع ‘اسرائيل’ وتخلت فعليا عن مساندة المطلب الفلسطيني الجوهري في قيام دولة مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس ومقابل التطبيع، اطلقت الانظمة الاستبدادية العربية ايديها في رقاب شعوبها وكأن الامر يتعلق بالثمن الذي تريد ان تتقاضاه عن رضوخها للرؤية الجيوستراتيجية الامريكية الجديدة في المنطقة التي اسفرت عن تضحية العرب بالعراق وصمتهم المريب عن المجازر الامريكية المرتكبة في بلاد الرافدين.لكن ما لم تتوقعه تلك الانظمة التابعة ان واشنطن لمست ان الاستبداد العربي اصبح خطرا على مصالحها بعد ان عجزت عن ايجاد تبريرات طويلة النفس للابقاء على الديكتاتوريين العرب، سواء تعلق الامر باسطوانة ‘الاسلام السياسي’ وفزاعات اخرى نفذت صلاحيتها في مجال التخويف وتعليل ما لا يمكن تعليله.وقد ساهمت الورطة الامريكية في العراق وافغانستان في اقناع واشنطن وتابعيها من دول الحلف الاطلسي وبعض المنتسبين والمؤيدين للخيار الحربي، لانه حان الآوان لمراجعة الاوراق العربية والتخلص من انظمة فاسدة حتى النخاع، بأقل تكلفة دون التورط المباشر في الزلازل التي تعصف بالاستبداد. لكن هذه المراجعة انتكست في الحالة الليبية حيث اصبحت امريكا ودول حلف الناتو طرفا اساسيا عكس ما حصل بتونس ومصر، اللتين اطلقتا شرارة ‘الربيع العربي’ وقد قدم نظام القذافي المستبد ذريعة لدول حلف الناتو لتخريب ليبيا والتنكيل بشعبها، وهنا اصبحنا امام اشكالية جديدة انتجت تعاطف بعض العرب مع الحراك العسكري الامريكي والاوروبي، وحولت القتلة الذين ابادوا الشعب العراقي ولازالوا يحتلونه الى اليوم، وتآمروا على الشعب الفلسطيني واللبناني الى ابطال تحرير ويتعلق الامر باستنساخ لمعضلة عربية قديمة حين نصّب العرب الجاسوس البريطاني ‘لورانس العرب’ بطلا مقداما ‘حررهم’ من هيمنة الدولة العثمانية ليلقي بهم بين مخالب الاستعمارين البريطاني والفرنسي.فهل استفحلت المازوشية العربية الى درجة افتتان الضحية بجلاده وتسبيحه بحمد اعدائه الرئيسيين؟ انه سؤال ‘يدخلنا في متاهات التحليل النفسي الرخيص، خصوصا وان الشعوب العربية في غنى عنه بعد ان داهمتها لمدة قرون مديدة امراض وأوبئة التسلط والطغيان بكافة اصناف جراثيمها المستعصية التي يحاول الربيع العربي الآن تطهير النسيج الشعبي منها، وهي عملية ستتطلب الكثير من الوقت والمزيد من التضحيات والمزيد من الرسائل لمن نفى اصلا وجود كائن اسمه الشعب.تتحفنا واشنطن حاليا كم تتحفنا المستوطنة الامريكية، الاسرائيلية المسماة جزافاً بـ’الامم المتحدة’، بعبارات التضامن مع الشعوب العربية المنتفضة وادانة المستبدين العرب، وفي نفس الوقت تتفرج واشنطن على القمع العنيف وسيول الدماء الشعبية الطاهرة المراقة في الميادين، لعل الانظار تتحول عن مجازرها هيَّ واسرائيل في العراق وافغانستان وفلسطين المحتلة، ولعل الذاكرة الجماعية لن تحتفظ سوى باعلان النوايا غير المترجمة الى واقع ملموس، وبوجه الرئيس اوباما العابس المتآسي على مآل الشعبين الليبي والسوري، فيما نحن ننتظر منه ولو همشة ادانة لخطط التقتيل والتهجير الاسرائيلية في الاراضي المحتلة. ولعلنا نحلم ونعاني من اوهام اليقظة اذا طال افتراضنا ان اوباما الذي جيئ به الى البيت الابيض وكانه اسفنجة دورها امتصاص تداعيات الازمة المالية الخانقة والمفتعلة التي دبرها سمك قرش ‘وول ستريت’، سيتجرأ يوما على المساس بـ’قدسية’ اسرائيل ولو من باب رفع العتب، او من باب التصريحات الصحافية الموجهة لاستهلاك السذج.ويبقى ان اوباما ماهر جدا في التطبيق الحرفي لشعار: ‘الأيادي تذبح والعيون دوامع’، وذلك على منوال سلفه من ساكني البيت الابيض الذين لم يضعوا يوما في حساباتتهم المكيافيلية المعادلة الشعبية العربية، او غيرها من الشعوب المظلومة، امريكا ساندت ودعمت دائما الانظمة الديكتاتورية ضد شعوبها. ونصّبت الحكام العرب ولاة وعمالا وزودتهم باسلحة فتاكة لم يستعملوها الا ضد شعوبهم، وزودت اسرائيل بأسلحة متطورة اكثر فتكا لإبادة الشعب الفلسطيني واغتصاب ارضه.والواقع انك حين تقرأ فصول ومواد الدستور الامريكي تكاد تجزم بانه وضع ‘للملائكة’ اذ تبقى غايته الأسمى صيانة حق الانسان في الحياة الكريمة وعوض ذلك عكفت ‘الامبراطورية الامريكية’ طويلا على شيطنة الشعوب الثائرة المنتفضة سواء في افريقيا او آسيا او امريكا اللاتينية، لكنها اليوم تعمل ظاهريا على وضع استثناء لقاعدتها في التعاطي مع شعوب ‘الربيع العربي’. من هنا لا مناص من التحلي بالكثير من الحذر والحيطة من هذا المسعى ‘الملائكي’ الذي تفوح منه رائحة قوية مزكمة للأنوف رائحة النفط والغاز والألغاز، ومصالح امريكا واسرائيل خلال الالفية الثالثة التي تريد لها ان تتم صيانتها من خلال الشعوب الثائرة بعد ان فشل المستبدون والحكام اللاشرعيون في توفير ضمانات قوية بأن لا تمتد الايادي الى نصيبها الاكبر من الكعكة العربية.والخلاصة ان على الربيع العربي الا ينحرف عن مساره المرسوم والحتمي، بالرغم من الاشكالات الجديدة التي انتجها استبداد عربي قديم ومن بينها الدفع في اتجاه مباركة غزو دول حلف الناتو للمحيط العربي باسم تحرير الشعوب، تطبيقا لشعار ‘كل شيء يهون لتحقيق الانعتاق حتى ولو كان التحالف مع الشيطان’. وهذا ما جناه المستبدون العرب واضافوه الى جنايات دموية مدمرة اخرى كان الهدف منها اساسا مسخ شخصية الانسان العربي ومحو ذاكرته. ان الادارة الامريكية تقوم بتعزيز وجود الانظمة المستبدة في الشرق الاوسط، واغلبها ينتمي الى القرون الوسطى المظلمة، حيث تتحكم عائلات، وليس قبائل، في مصير شعوب بأكملها، وهي عائلات لم تسمع ابدا بمخلوق اسمه ‘الديمقراطية’ ولا تعترف بمنظومة الحريات وبكرامة الانسان ومواطنته.نحن اليوم في حاجة ماسة الى دعم نضالات الشعوب لا الالتفاف عليها بمباركة الشياطين الذين تقمصوا شخوص ‘الملائكة’.’ كاتب وفنان مغربيِ