ينفسح التشكيل السردي نحو عوالم معرفية تؤسس لخطابه في ضوء الرؤى التي تنبثق عنها زوايا النظر، وتجسيد خطابات تغلف بسياج فني وتسعى لمعالجات لا يفصح النص عنها إلا بعد إسقاطات تأويلية تستقطب الهوية الثقافية والمجالات الفكرية، والنص السردي حامل ثقافي يمكن أن يعامل بوصفه علامة كبرى توجه بمنطق سيميائي، ومسار مكثف للخطاب القصدي نقد المجتمع وأيديولوجياته بوصفها ممارسات سلوكية مسلم بها، وتضج قصص صلاح زنكَنة بهذا البعد الذي يسعى لتحرير الواقع الاجتماعي، ورصد ممارسات ترتبط بالثقافة والأيديولوجيات الشخصية التي تنمط السلوك الإنساني بهوية خاصة، وتمنحه مرجعية ثابتة، ومن هنا تبرز الأيديولوجيا مكوناً سيميائياً يؤطر مسار الحياة، وإطلاق مفهم الهوية الخاصة نعني به إزاحة الهوية العامة والانتماء للذاتية المتشكلة بإرادة مصطنعة، وحين تغور السيمياء في خطاب الأيديولوجيات، فإنها تكشف عن الماورائيات التي تفسر السلوك وتبرز المعنى المرجعي للخطاب؛ لأنها تشكل إحاطة معرفية بالأفكار الإنسانية ومؤسسات الثقافة والقيم الذاتية وتناقض الأيديولوجيات، التي تبرز في السرد عناصر بنائية تنهض بالصراع الواقعي وتجسد وعي الكاتب بتناقضاته (ومن ذلك التناقض بين الأيديولوجيات ينبثق التعبير الذي يعمل على تفجير هذا التناقض وتوليد المعنى)، وهذا يعني أن الأدب يعكس مستويات التفكير والوعي بالحياة وتجسيد الواقع بصورة غير مباشرة، ومن هنا تبرز النصوص الإبداعية محملة بالخطاب الثقافي، الذي تتضافر فيه الرؤى والتجارب والخطابات المتنوعة، وهي بذلك مضامين مشفرة تحمل ملامح الأيديولوجيات التي تتشكل بأشكال سيميائية ترتبط بدلالة تقريرية، لكنها في الآن ذاته بنية فنية تحيل على بحث يعيد تكوين العلامة، ويوسع مدلولها باتجاه المعنى القصدي، هكذا فعل صلاح زنكَنة، حين جعل خطابه السردي متصلا بالحركة الجمعية والفردية في ضوء أيديولوجيات تنشأ بتأثير الفوقية والتحتية في الحياة الإنسانية.
كما في قصص (قيامة التماثيل، قيامة دم، قيامة غبار) على سبيل المثال الإجرائي، التي تتعرض إلى تعيين شخصيات لها حضور اجتماعي فاعل في الحياة، التي صارت تمثيلاً استعادياً لصورهم في المخيلة الجمعية: (التماثيل قامت… التماثيل الشعراء والوزراء والعلماء، التماثيل الساسة والمحاربون والفنانون، التماثيل قضاة، التماثيل الجباة، التماثيل حماة البلاد)، ووصفية التماثيل تحيل على المعنى السيميائي للدلالة على طبيعة الحياة، التي أكسبت شعورا يجانب المنطق الإنساني، ليتناسب والمغايرة التي تعبر عن الاستلاب والقمع السلطوي، الذي جير الحياة لصالحة فصار وجودهم أشبه بالتمثال الذي يتحرك على غير إرادة، فسيميائية المعنى تنطلق من تشكيل الواقع الإلزامي، الذي تأسست في أبعاده الثقافة، وفق نظام استبدالي يتوزع على الوجود العام، الوجود المؤدلج الذي يمارس ثقافة التمثيل، بوصفها مدلولات سيميائية لأيديولوجيا الهيمنة التي تطوي النشاط الإنساني بتجربة لا تحتكم إلى سيرورة الاختيار، أو صورة يختارها الإنسان في المجتمع تلك هي الصورة المضللة للواقع، إذ تنقله ممثلاً ببرامج تمنح الموجودات صفة التوقيف الشكلي، وتقديم الذات صورا دالة ونسخا صورية ثابتة، فسيميائية التمثال تسهم في اختراق المدلولات المتوالدة، التي تكمن في الأيديولوجيات الاجتماعية، وعكس صورها في الواقع ورصد طرائق الأسلبة، بالسعي إلى تصدير ثقافات مستعارة تخفي وراءها مهيمنات عُليا تحدد (وظيفة الأيديولوجيا هي إنتاج صورة مقلوبة).
هذا الإنتاج يفسر اشتغال المنظومة السيميائية في المعنى وولوجها التسنينات السردية الأيديولوجية، وإبراز المعنى الغائر في مدلول العلامات النصية، فهي منظومة استنباط وتأمل لمبنى الخطاب، وهي فحص دقيق لمسار التوليد الدلائلي، أي في وحدات العمل، أو الاشتغال النصي الذي يزود الباحث بجهاز إجرائي يحقق تنميطا للأشكال السيميائية، التي تسهم ببلورة مكونات سيميائية في الثقافة، تشتغل في خطاب الأيديولوجيا، لتكشف السيمياء طرائق التعبير عن الأفكار، وتجسيد المعنى القصدي الذي يريد أن يوصله الكاتب.
إن انعكاس التفكير ومستويات الوعي على الأدب هو كسر فني- إن صح الوصف – لنسق مطابقة الواقع الاجتماعي، وإن كان لحقبة زمنية تؤسس لخطاب ثقافي يجسدها النص، إلا أن تجسيد الثقافة سرداً قصصياً يرتبط عند صلاح زنكَنه بتمثلات الأيديولوجيا للحد الذي يسمح بإعادة تكوينها عنصراً سيميائياً يعلن مضمرات الخطاب، ويكشف ما تخفيه العبارات من انعكاسات حسية تصور واقعا في ضوء سرد المعنى بعلاقات إحالية، لتكون القص مرآة عاكسة للمعطيات الثقافية ومستويات الأدلجة وأبعادها التي ينتقيها الكاتب في نصه، وصورة الواقع التي تمثلها مرآة النص السردي، ينبغي عدم رصدها أو رصد صورها في الواقع، بل في الشكل الدال (السيميائي)، الذي تم رسمه داخل المرآة؛ لأنها تتمحور حول المعنى وعلاقاته الواقعية، التي تتجاوز مستواها السطحي لتنتقل إلى البؤرة المكونة للتأويل الأيديولوجي، كما في قصة (قيامة الغبار)، الذي يتوزع خطابها بمدلولات الغبار وهو يتسبب بالموت، الاختناق، الزحف على الأشياء، ابتلاع الموجودات، متابعة الأماكن، فهو رصد لحالة الصراع بين حالة التجاوز المهمين الذي تمثله الأيديولوجيا العليا (السلطة)، وحالة الاستسلام، التي جعلت الكاتب يرصد الواقع برؤية محتكرة وأحادية تروض الحياة على نحو من التصعيد لخطاب الذات المهيمنة وكشف وجوه الاستجابة ومحدودية الحركة: (غبار يغشي العيون، غبار يدهم الأنوف، غبار يحشو الأفواه، غبار فوق غبار يتراكم ويتراكم ويعلو ويزحف على الأشياء، غبار خانق عاتٍ عاصفٍ جائر، العصافير سقطت ميتة، القطط والأرانب والدواجن والكلاب هلكت حتى الضفادع والأسماك اختنقت في المياه التي غطاها الغبار)، وهذا السرد يؤصل للفكر السلطوي (الغبار)، بوصفه نظاما ثقافيا وممارسة اجتماعية تحوز للقيم المؤدلجة القائمة على التعسف وازدراء الحريات، ووسم ذلك بالغبار؛ نظرا لسعة الانتشار في الماهية التكوينية، وتبعا لرؤية الكاتب في جعله علامة ثقافية في الحياة الاجتماعية لها مردود سلبي على الإنسان، ليبرز لها مسار دلائلي يستجلب المعنى الخفي بمقاربة سيميائية، تتبنى تحييد الأيديولوجيات، بوصفها قيِماً (تشير بمعنى أكثر عمومية إلى الطريقة التي ينظر بها أفراد طبقة اجتماعية إلى العالم)؛ ولذلك صار وجودها في قصص زنكَنة حضورا فاعلا تشمل الممارسات الضيقة التي تنعكس على الإنسان وطرائق تهميشه وجعله منزوع الحياة، فضلا عن استجابته ورضوخه لتلك الممارسات، أو حتى في تأييده واندماجه فيها بوصفها واقعا ماديا ومؤثرا فعليا يحيط بالإنسان، حتى تآلف ومشاهده وربما سوغ لها وسكت عنها، يبرز ذلك في قصة (قيامة الدم)، التي تحمل مدلولات الازدواجية والتناقض في الوعي، فمشاهد الدم التي شاهدها الشيخ العجوز وهو يتوضأ لصلاة الفجر، اكتفى بالاستعاذة من الشيطان والسؤال عن الدم، طبعا مع نفسه، والفعل نفسه قامت به المرأة وهي تغتسل من حيضها حين شاهدت ذلك الدم، وكذلك الطفل الظمآن الذي أراد أن يرتوي فشرب من الدم الذي خالط الماء فتقيأ، وهكذا شاهد العابرون من فوق الجسر أن الدم خالط ماء النهر، ورأوا رؤوسا وأجزاء من أجسام بشرية، فعبروا مسرعين، وشاهدوا الغيوم حمرا تصرخ بغضب وتصدر مطرا، عمال البلدية سحبوا تلك المياه على تكرار ظهورها، المهندسون عبدوا طرقا وحفروا مجاري لتصريف الدماء، الدماء التي صارت تجرف الإنسان والحيوان والمباني، فعرض هذه المشاهد، إنما هو تجسيد الخنوع لممارسات القمع، وتحمل سيميائية التضليل الذاتي والامتلاء بالمسوغات المصطنعة لتبرير السلوك الدموي، وارتباط السرد بهذا التنميط، إنما هو عرض لموقف الكاتب أولا، ثم تصديره رمزيا لفسح التفكير نحو الصراع بين السلطة المهيمنة وعناصر المجتمع الإنساني من جهة، وصراع الفرد مع نفسه لتقبل الأدلجة السلطوية من جهة أخرى، لينتهي الصراعان إلى فرض رؤية واحدة يسلم لها الجميع هي الثقافة الأيديولوجية القائمة على استلاب الآخر، وجعله أداة لتسويغ سلوكها القمعي، هذا بالضبط ما يريده زنكَنة، زيادة على أن هذ البعد يجعل الأيديولوجيات (لا تلعب إلا دورا تشخيصيا ذا طبيعة جمالية من أجل توليد تصور شمولي هو تصور الكاتب)، ولا شك أن التوليد السردي قائم على بعد سيميائي يستنطق طبيعة الممارسة الأيديولوجية ويربط مدلولاتها بالمرجعية الثقافية التي تغوص في توجهات الصراع، وتحمل العلامة السلوكية إلى وضع فكري وموقف نتائجي تخلص إليه الشخصيات، يعنى الكاتب في تقديمه ويسعى إلى توجه القارئ إلى مدلولات يمكنها وضع الخطاب بوقائع الأثر النتائجي، واستشفاف المعنى في ضوء ارتباطه بالخارج النصي، أي الدخول في تأويل المعنى السردي عبر التسنين الأيديولوجي.
ناقد عراقي