السعودية لم تبد أي تحرك جاد لوقف استقلال الجنوب
الدوحة -“القدس العربي”: كان من الواضح أن خطوة “المجلس الانتقالي المؤقت” إقامة دولة جنوب اليمن، برئاسة عيدروس الزبيدي، المقيم في أبو ظبي، تأتي بمباركة دولة إقليمية، تدّعي أنها حليف في دعم الشرعية في اليمن. وتتوجه أصابع الاتهام في تقويض سلطة الحكومة اليمنية والرئيس عبد ربه منصور هادي، ومن خلفه السعودية التي ظهرت بدون سيطرة حقيقية على التطورات في اليمن، نحو الإمارات العربية المتحدة.
وكان واضحاً أن أبو ظبي كانت تستهدف بمشاركتها قبل ست سنوات في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية والحيوية، بما يضمن مصالحها، والتي لم يكن ضمنها دعم الشرعية والوحدة، في البلد الذي تمزقه الصراعات المحلية والدولية.
وفضح عدد من مراكز الأبحاث والدراسات المهتمة بالشرق الأوسط، الأطماع الإماراتية، وكشف خفايا سياساتها في المنطقة، وخططها للهيمنة والنفوذ.
واعتبر مركز “كارنيغي الشرق الأوسط” في مقال تحليلي أن الإمارات راهنت منذ البداية على حماية مصالحها جنوب اليمن، عن طريق دعم فصائل محلية، والاستناد عليها في تمرير الخطط.
وكشفت الورقة البحثية، أن أبو ظبي “كانت تغير حساباتها في البلد المتنازع عليه، على حساب حليفتها السعودية، لتمضي نحو دعم كيانات سياسية وعسكرية مستقلّة عن الحكومة الشرعية”.
وأضاف باحثو المركز أنه “بعد دعمها تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يطالب بالانفصال، استقطبت الإمارات أيضاً العميد طارق صالح، وهو الذي بدّل موقعه من مواجهة التحالف العربي، إلى التعاون معه بعد مقتل عمه، الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، على يد الحوثيين في 4 كانون الأول/ديسمبر 2017″. وتلمح الورقة بالتطرق إلى هذه النقطة، إلى التشكيلات التي تفرخت في الجنوب، حيث شكّل حليف أبو ظبي لاحقاً ما عُرف بـ”المقاومة الوطنية” وهي قوة على قدر عالٍ من التدريب تتكون إلى حد كبير من قوات سابقة في الحرس الجمهوري اليمني، بدون الانضواء تحت قيادة حكومة الشرعية برئاسة عبد ربه منصور هادي.
ورقة الإمارات الرابحة
وجهت الإمارات دفة ساريتها المتحركة في اليمن نحو خيار دعم التشكيلات المحلية في عدن والمحافظات الأخرى، لهدف خفي غير معلن، وهو دعم انفصال جنوب اليمن عن شماله.
ويطرح المتابعون للملف تساؤلات عن حقيقة التواجد الإماراتي في اليمن، منذ أعلنت خلال شباط/فبراير الماضي انسحاب قواتها من البلد، وهو الثاني بعد أن أعلنت نهاية تموز/يوليو الماضي سحب جنودها بشكل جزئي.
وتحدث مسؤولون يمنيون محليون، بصريح العبارة عن أن دور القوات الإماراتية في اليمن طوال خمس سنوات، اقتصر على تنفيذ مهام غير قتالية، مقابل تمويل تشكيلات عسكرية “موازية” حاولت أن تجعل منها بديلا عن مؤسسات الحكومة الشرعية، الأمنية والعسكرية، وصفت أحياناً أنها أدوار قذرة.
وسلط وزير النقل اليمني السابق صالح الجبواني، الضوء على ما وصفها الأدوار الإماراتية الخفية في اليمن، تزامناً مع تحرك المجلس الانتقالي الذي تدعمه نحو تعزيز خيار الانفصال.
وكشف المسؤول في تصريحات صحافية، إنه تصدى للإمارات، لإدراكه مبكراً ما سماه مشروعها التقسيمي التدميري في اليمن. واستطرد أن السعودية تغض الطرف عما تفعله الإمارات هناك، ولا يدري إن كان ذلك تجاهلاً أو تواطئاً.
فتش عن الإمارات
الاتهامات الموجهة نحو الإمارات العربية بشأن زعزعة الاستقرار في اليمن، ودعم الحركات الانفصالية، واللعب من وراء ظهر حليفها، تستند على عدد من الشواهد والإثباتات، التي تدفع جميعاً نحو ترسيخ هذه الفكرة.
فبعيد ساعات من إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، بيان الإدارة الذاتية لمدن الجنوب، وفرض حال الطوارئ، اتهم مصدر في الحكومة اليمنية الإمارات بمحاولة زعزعة استقرار سقطرى والدفع لصدام دموي، تزامناً مع تمرد الانتقالي.
وفسر مستشار وزير الإعلام اليمني، مختار الرحبي في تغريدة على حسابه في “فيسبوك” تحركات الإمارات، إلى أنها، بعد طردها من عدن، بدأت في استخدام أدواتها من ميليشيات الانتقالي، وبعض الزعامات المحسوبة عليها والتي للمفارقة تقيم هي وعائلاتها في أبو ظبي، خدمة لأجنداتها.
واستطرد أن الإمارات لا تستهدف بالدفع نحو انفصال الجنوب، السيطرة على جزيرة سقطرى فحسب، وإنما عينها على ميناء عدن، والممرات المائية، ومضيق باب المندب، والمناطق الاستراتيجية.
ومقابل هذه الأطماع، يستطرد المسؤول اليمني، تقف الحكومة اليمنية الشرعية عاجزة إلا من إطلاق التصريحات الاستنكارية والاستنجادية، التي لا تغير معادلة الوضع.
ووفقا لمراقبين، ستستغل الإمارات إعلان الانتقالي حال الطوارئ والإدارة الذاتية للمحافظات اليمنية الجنوبية، لتستكمل مشروعها التوسعي، وتنتزع سقطرى من الحكومة اليمنية التي لا تبدو في وضع يجعلها قادرة على كبح جماح أبو ظبي وبيادقها.
ليست المرة الأولى
التفاعلات الحاصلة في المشهد اليمني في الفترة الأخيرة مع وقف السعودية إطلاق النار، وانقلاب حلفاء الإمارات على قائدة قوات التحالف، ليست وليدة اللحظة، وفهمها يتطلب ربطها بأحداث جرت سابقاً.
فقبل سنة، أثارت ضربات جوية نفذتها مقاتلات إماراتية جنوب اليمن، العديد من التساؤلات عن دوافعها، والسبب وراء استهداف قيادات يفترض أنها عملياً من الشرعية. ومعها كان الجميع عاجزا عن فهم ما تريده أبو ظبي، وهي الشريك الأساسي للمملكة العربية السعودية، في التحالف الذي تشكل، بهدف تحرير اليمن من سيطرة الحوثيين كما أعلن.
وفي الوقت الذي اتهمت فيه، حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، والتي تعرف بالحكومة الشرعية لليمن، الإمارات العربية المتحدة، بشن غارات جوية على قواتها في جنوب اليمن، حيث تدور معارك مع الانفصاليين، قالت الإمارات إنها نفذت ضربات جوية في عدن ضد “تنظيمات إرهابية” هاجمت قوات التحالف بقيادة السعودية والمطار.
وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان لها، على حقها في الدفاع عن النفس، داعية المجتمع الدولي، للتحرك ضد “الجماعات الإرهابية” في جنوب اليمن.
وتتمثل حساسية الضربات الإماراتية، في كونها استهدفت وفق الحكومة الشرعية لليمن، قوات تابعة لهذه الحكومة، يفترض أن تتلقى دعم التحالف، الذي تمثل فيه الإمارات ثاني أكبر طرف، وليس ضربات من هذا القبيل.
وكان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، قد دعا من جانبه المملكة العربية السعودية، للتدخل لإيقاف “تدخل الإمارات ودعمها للانفصاليين وإيقاف الغارات الجوية ضد قوات الحكومة اليمنية”. وقال هادي في بيان له إن “المجلس الانتقالي هاجم مؤسسات الدولة في عدن بدعم من دولة الإمارات”.
هذه الحادثة استرجعها المراقبون وهم يفسرون سر توقيت إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي خطواته التصعيدية ضد الحكومة الشرعية.
جنوب اليمن
لكن الشواهد على انحراف الإمارات عن أهداف التحالف العربي كثيرة، وهي بدأت مبكرًا، تجسدت عبر الفرز المناطقي، ودعمها وإبرازها لعناصر محددة على الساحة، واتضح أكثر بإصرارها على إقالة وإبعاد قادة المقاومة الوطنية الحقيقيين من السلطة المحلية في عدن ومحاولة تصفيتهم.
وليس أقلها إن الإمارات منعت الرئيس هادي والبرلمان والحكومة من العودة إلى عدن (العاصمة المؤقتة) وممارسة صلاحيتهم، وتوجت ذلك باحتلال المطارات والموانئ ومنع تصدير النفط والغاز والزج بالعشرات من شباب المقاومة في سجون سرية وتعذيبهم. وكان في وقت من الأوقات في كل مركز أمني، أو إدارة خدمية أحد الضباط الإماراتيين، أو الموالين لها، يعملون لحساب أبو ظبي في عدن وأغلب المحافظات الجنوبية.
تمكين الإمارات لرجالاتها وتأسيس خلايا جنوب اليمن تنفذ أجندتها، مسار لم يكن وليد اللحظة، ويمتد من لحظة استعادة المحافظة من قبضة الحوثيين تموز/يوليو 2015 حين قامت ببناء أذرع أمنية وعسكرية خارج إطار الحكومة، وقوضت مؤسسات الدولة.
وتركزت استراتيجية الإمارات حسب عبد السلام محمد، رئيس مركز “أبعاد” للدراسات والبحوث، في “السيطرة على الموانئ والتواجد في الساحل الغربي على الضفة الأخرى من منطقة القرن الافريقي، التي تمتلك فيها قواعد عسكرية”.
كما حولوا بلدة “ذو باب” القريبة من باب المندب إلى قاعدة عسكرية يتحكمون فيها بالكامل، وهجّروا جميع سكان البلدة البالغ عددهم نحو عشرة آلاف مواطن، ونقلهم إلى خيام في منطقة صحراوية، وفي ظروف قاسية، من أجل تحويل مساكنهم إلى ثكنات عسكرية.
كلمة السر
الخطط الإماراتية للسيطرة وتعزيز نفوذها جنوب اليمن، ثم بسط يدها على المواقع الاستراتيجية، تعود إلى عام 2011 ومن يومها وعينها أساساً على الموانئ التي تعتبر مجالاً حيوياً يسيل له لعاب ساستها.
واستشاطت أبو ظبي غضباً لإلغاء مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن اتفاقية تأجير ميناء عدن لشركة موانئ دبي العالمية، التي وقّعها نظام الرئيس السابق علي عبد الله في العام 2008.
القرار الذي أغضب الإمارات تقف خلفه حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت بعد الإطاحة بعلي عبد الله صالح الذي لم يهتم كثيراً لتعطيل الميناء الحيوي جنوب بلاده من قبل شركة وقعت عقداً لتطويره وتشغيله لا تعطيله، كونه -أي ميناء عدن- يقع على الخط الملاحي الدولي الرابط بين الشرق والغرب.
الإمارات التي تطمح لتكون مركزاً دولياً في الملاحة البحرية، (موانئ دبي العالمية تدير ما يقارب 70 ميناء في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية مروراً بإريتريا وجيبوتي) ترى في أي محاولة لتطوير ميناء عدن الاستراتيجي أكثر الموانئ ازدحاماً في العالم، مهدداً لأمنها القومي والاقتصادي.
مواقف دولية خجولة
وبينما تمضي الإمارات في تنفيذ أجنداتها خلف أذرعها الممتدة في كل مكان جنوب اليمن، جاءت ردود الفعل على قرار المجلس الانتقالي الجنوبي خجولة وغير فعالة.
السعودية التي تستضيف الحكومة الشرعية ومقر التحالف الذي أعلن تشكيله لدعم وحدة الدولة الجارية التي تعتبرها خاصرتها الحيوية، لم تبد أي تحرك جاد لوقف خطوات استقلال الجنوب.
وتوالت ردود الفعل الأخرى على المنوال نفسه حيث أعرب وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، عن قلق الولايات المتحدة إزاء الإجراءات الأخيرة التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي، بما في ذلك الإعلان عن الحكم الذاتي. لكن خلف تلك الدعوات والتصريحات تمضي الإمارات في تنفيذ أجندتها الخاصة وسياساتها، وتبذل المساعي لبسط نفوذها جنوب اليمن، ضمن استراتيجيتها التوسعية في المنطقة.