الإبادة التعليمية في غزة: إعادة بناء شبه مستحيلة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: كانت رانيا الحداد، الطالبة في الصف التاسع بمدرسة الشيماء الإعدادية في مدينة غزة، تُعرف بين زميلاتها بذكائها وحبها للدراسة. في يومٍ من أيام الحرب الإسرائيلية الأخيرة، استيقظت رانيا على أصوات الانفجارات.
في ذلك اليوم المشؤوم، ضرب صاروخ إسرائيلي مبنى مدرستها أثناء وجودها في منزلها القريب، ما أدى إلى دمارٍ شامل في المدرسة واستشهاد العديد من زميلاتها اللواتي كن يتلقين دروسًا تعويضية، مع مجموعة من النازحين.
تقول رانيا بصوتٍ مرتجف لـ«القدس العربي»: «كنتُ أخطط للذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي لإحضار الكتب التي تركتها هناك، لكن صاروخًا واحدًا أنهى كل شيء». وتردف: «الآن لم يبقَ لدي مكان أتعلم فيه، وكل ما تبقى هو ذكريات زميلاتي وأحلامنا المشتركة».
والد رانيا، الذي كان يعمل معلمًا، أضاف: «فقدنا كل شيء في لحظة. لم تقتصر الخسارة على المباني، بل على الأرواح التي كانت تشكل مستقبلنا ومستقبل أبنائنا».
ويتابع: «أصبحنا اليوم نبحث عن بصيص أمل لإعادة بناء ما تهدم، ولكن المهمة تبدو شبه مستحيلة في ظل هذا الدمار الشامل».
هذه القصة ليست سوى واحدة من بين آلاف القصص التي عانى منها أطفال غزة وعائلاتهم في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير، عندما مارس جيش الاحتلال تدميرًا ممنهجًا بحق نظام التعليم في غزة، وصفته الجمعية التاريخية الأمريكية للمؤرخين بـ«الإبادة التعليمية».

3 مليارات دولار لاستعادة التعليم

أصبح التعليم في غزة شاهدًا حيًا على الجرائم الإسرائيلية، حيث تكشف الإحصائيات حجم الدمار الذي لحق بهذا القطاع الحيوي. وفقًا لوزارة التربية والتعليم في غزة، فإن العدوان الأخير أودى بحياة أكثر من 15 ألف طفل في سن التعليم بين شهيد ومفقود. ولم يكن المعلمون بمنأى عن هذه الجرائم، إذ استُشهد أو أُصيب أكثر من 800 من العاملين في هذا القطاع.
أما المباني التعليمية، فقد تعرض 95 في المئة منها لأضرار متفاوتة، خرجت على إثرها 85 في المئة من المدارس عن الخدمة تمامًا أو جزئيًا، ما جعل استئناف العملية التعليمية تحديًا بالغ الصعوبة. ولم يقتصر الدمار على المدارس، بل طال أيضًا المنشآت التعليمية الأخرى، حيث تم تدمير أكثر من 140 منشأة تحتوي على مختبرات ومكتبات ومرافق إدارية. وقدرت الوزارة حجم الخسائر المادية بأكثر من 3 مليارات دولار، وهو رقم يعكس حجم الكارثة ويؤكد الحاجة الملحة لإعادة البناء.
وبعيدًا عن الأرقام، فإن آلاف الأطفال يعانون من صدمات نفسية حادة نتيجة تجاربهم خلال الحرب، مما يزيد من تعقيد الجهود الرامية لاستعادة هذا القطاع إلى سابق عهده.
تقول سعاد خضر، وهي معلمة لغة عربية في مدرسة السرايا الابتدائية: «كنت أعمل يوميًا على تحضير الدروس لطلابي عبر الإنترنت أثناء الحرب، لكن كانت التحديات هائلة. انقطاع الكهرباء المستمر وانعدام الاتصالات جعل من التعليم عن بُعد مهمة شبه مستحيلة».
وتسرد تجربتها المريرة: «في يوم كنت في المنزل أحاول التواصل مع أحد طلابي، وإذا بصوت انفجار قريب يزلزل المكان. شعرت بالعجز والخوف على نفسي وعلى طلابي الذين يعيشون هذه اللحظات الصعبة كل يوم».
تضيف سعاد، لـ«القدس العربي»: «بعد الحرب، عدت إلى المدرسة لأتفقد ما تبقى. كان المشهد مؤلمًا للغاية؛ فصول دراسية مدمرة، مكاتب مقلوبة، وكتب ممزقة»، متسائلة: «كيف سنتمكن من تعليم أطفالنا في ظل هذه الظروف؟».
وتختتم بقولها: «التعليم في غزة لم يكن يومًا مهمة سهلة، لكن في ظل هذا الدمار، أصبح الأمر أشبه بالمستحيل. نحتاج إلى دعم عاجل لإعادة بناء ما فقدناه، ليس فقط في البنية التحتية، بل في أرواح الأطفال الذين يعيشون في ظل هذه المأساة».
محمد الثلاثيني، طالب في المرحلة الثانوية، كان يحلم بأن يصبح مهندسًا ليساعد في إعادة بناء غزة. يقول: «كنت أذهب إلى المدرسة كل يوم بشغف كبير. كنت أرى في التعليم نافذتي الوحيدة لتحقيق أحلامي، لكن الحرب قتلت كل شيء. مدرستي أصبحت ركامًا، وأصدقائي الذين كنت أشاركهم أحلامي فقدوا حياتهم في لحظة واحدة».
يتذكر محمد تفاصيل يوم قصف مدرسته: «كنت في المنزل عندما سمعت الخبر. شعرت وكأن العالم توقف. كيف يمكنني العودة للدراسة بعد كل ما حدث؟». ورغم كل ذلك، يحاول محمد التمسك بأمل ضعيف في استكمال دراسته، لكنه يرى أن الأمر لم يعد سهلًا: «أحتاج إلى مكان أتعلم فيه، وإلى أمان يجعلني أشعر بالاستقرار وأنا أدرس».

استهداف التعليم
جريمة حرب

الناشطة الحقوقية الفلسطينية، ميرفت النحال، ترى أن ما تعرض له قطاع التعليم في غزة يمثل جريمة حرب بكل المقاييس. تقول: «استهداف المدارس والطلاب هو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. نحن نوثق هذه الجرائم لتقديمها أمام المحاكم الدولية، لكن للأسف، الإجراءات القضائية بطيئة ولا تعيد بناء ما تم تدميره».
وتضيف النحال، لـ«القدس العربي»: «ما يحتاجه أطفال غزة ليس فقط العدالة القانونية، بل أيضًا لجهود دولية حقيقية لإعادة إعمار قطاع التعليم. نحن نتحدث عن أجيال بأكملها مهددة بفقدان فرصها في التعليم والتنمية بسبب هذه الجرائم».
وتشير النحال إلى أهمية التركيز على الدعم النفسي للأطفال: «الأطفال الذين نجوا من الحرب يعانون من صدمات نفسية عميقة. يجب أن يكون هناك برامج دولية لدعمهم وإعادة تأهيلهم ليتمكنوا من العودة إلى الدراسة».
وأكد الخبير التربوي، محمد دحلان، أن إعادة بناء المدارس تمثل الخطوة الأولى لإحياء قطاع التعليم في غزة.
وقال لـ«القدس العربي»: «المباني ليست مجرد هياكل، بل هي حاضنات للأمل والتعلم. يجب أن تُبنى المدارس بطريقة تجعلها مقاومة للقصف وتوفر الأمان للطلاب».
ويطالب دحلان المؤسسات الدولية والمحلية بالتحرك الآن لإعادة بناء المدارس: «لا يمكن أن نتحدث عن تعليم فعال في ظل غياب البنية التحتية الأساسية، وهذا يتطلب جهودًا دولية وتعاونًا على أعلى المستويات. لابد أن نبدأ من الآن».
ويرى الدكتور سلمان عبدالرحمن، أخصائي نفسي، أن الدعم النفسي للأطفال والمعلمين هو عنصر أساسي للنهوض بقطاع التعليم. وقال: «لا يمكن أن يتعلم الطفل إذا كان يعاني من صدمة نفسية. يجب أن تكون هناك برامج تأهيل نفسي متكاملة للأطفال والمعلمين على حد سواء، تشمل جلسات علاجية فردية وجماعية».
وأضاف لـ«القدس العربي»: «المدارس يمكن أن تتحول إلى مراكز دعم نفسي أيضًا، حيث يمكن للطلاب أن يجدوا فيها برامج الدعم النفسي والبيئة الآمنة تساعدهم على التغلب على آثار الحرب».
كما شدد أشرف القصاص، الأستاذ في قسم التاريخ بجامعة الأقصى بغزة، على أهمية توفير تمويل دولي لإعادة بناء القطاع التعليمي.
وقال لـ«القدس العربي»: «النهوض بالتعليم في غزة يتطلب استثمارات ضخمة، سواء في البنية التحتية أو في توفير الموارد التعليمية الحديثة. نحن بحاجة إلى دعم مستدام، وليس مجرد مساعدات مؤقتة».
ويدعو القصاص إلى ضرورة تفعيل برامج التعلم عن بعد في قطاع غزة، لتلافي أية «انتكاسة قد تصيب التعليم في قطاع غزة وسط الصراع (الفلسطيني ـ الإسرائيلي): التكنولوجيا يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في تعويض الخسائر. يجب الاستثمار في التعليم الرقمي وتوفير الأجهزة اللازمة للطلاب والمعلمين».
من جهتها، أعلنت وزارة التربية والتعليم في غزة، عن حزمة من الإجراءات الطارئة لمواجهة التحديات التي تواجه قطاع التعليم، شملت إنشاء فصول دراسية مؤقتة في المراكز المجتمعية والمساجد؛ لتوفير بيئة بديلة وآمنة للتعلم، فضلًا عن إطلاق برامج دعم نفسي مكثفة تستهدف الطلاب والمعلمين الذين تعرضوا لصدمات الحرب.
وفي إطار محاولاتها لتقليل الفاقد التعليمي، عملت الوزارة على توفير منصات تعليمية إلكترونية كوسيلة لتعويض الدروس التي تعذر إتمامها بسبب الدمار. كما بادرت بعض المؤسسات المحلية إلى تقديم الدعم المادي والمعنوي للأسر المتضررة، إلى جانب تنظيم ورش عمل تستهدف تدريب المعلمين على مواجهة تحديات التعليم في الأزمات.
ورغم المآسي التي لحقت بقطاع التعليم في غزة، يبقى الأمل قائماً في نفوس الأطفال وأسرهم. إعادة بناء هذا القطاع الحيوي ليست مجرد واجب إنساني، بل هي استثمار في مستقبل أمة بأكملها. يجب أن تتضافر الجهود المحلية والدولية لضمان أن يكون لكل طفل فلسطيني الحق في التعليم، بعيدًا عن أصوات القصف وظلال الحرب.
بإمكان رانيا، ومحمد، وآلاف الطلاب الآخرين أن يحلموا بمستقبل أفضل إذا توفرت لهم البيئة الملائمة والدعم اللازم. حتى ذلك الحين، تبقى قصصهم شاهدًا على معاناة شعب يصر على الحياة رغم كل الظروف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية