الإبداع والحرب… ضرورة المواجهة حفاظا على القيم الإنسانية

اشرف قاسم
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: الحرب والصراعات المسلحة من أهم مثيرات الكتابة لدى الكتاب والشعراء على امتداد وطننا العربي، يعبر الأديب عما يحيط به، فهو صوت بيئته المعبر عنها، وله رؤية مغايرة للأحداث، تلقي الحرب ظلالها على كتابات الأدباء، وتختلف وتتباين طرائق التعبير عما تتركه الحروب والصراعات في نفوس البشر، وما تخلفه من دمار. استطلعنا آراء بعض أدبائنا لنرى كيف تبلورت الحرب في تجاربهم، وكيف يرون مستقبل الإنسان في ظل هذه الكوارث..

الشعر كقضية إنسانية

يقول الشاعر المصري محمود عبد الصمد زكريا: لعل الهم القومي العام يأتي دائماً في مقدمة هموم المبدع الحقيقي، كمفجر لهوسه الإبداعي، أياً كان شكل هذا الإبداع. ولا شك في أن الحرب تأتي على رأس الهم القومي لدى المبدع، لأنها الضد الحقيقي للسلام والأمان والاطمئنان، وأداة الدمار والقتل، ومبعث القلق والتوتر والخوف والفزع، وأهم أسباب الجوع والفقد والحرمان، وهي أزلية منذ بدء الخليقة وحتى يقضى الله أمرأ كان مفعولا، وحين سُئل شوبنهور عن متى تنتهي الحرب في الأرض؟ أجاب بما معناه: حين تنتهي البطن عن الجوع، وهي خزانة قاموس الطمع والحقد والعدوان والشر والغضب، وكل الصفات المعادية للإنسانية مهما كانت دوافعها وأسبابها، ويأتي الشعراء كأكثر فئة من فئات المجتمع تأثراً بالحروب وويلاتها بما وهبهم الله من رهافة حس ورجاحة عقل وامتلاك حكمة، فهم أكثر الناس انفعالاً وتفاعلاً مع أحداث الحرب، والأقدر على التعبير عنها حيث الشاعر وإن بدا إنساناً عادياً فهو الأقدر على التعبير عن خوفه، وهو الوحيد الذي لديه القدرة على أن يغني للناس أحزانهم ومواجعهم، وهو صاحب الرأي والرؤية الشمولية الإنسانية، والأوسع بصراً وبصيرة. وربما يكمن الفرق بين أن تكون شاعراً فحسب، وأن تكون شاعراً مهماً في أن يكون لك قضية يبلورها مشروعك الشعري المُحمل بآرائك ورؤاك حتى لو كنت شاعراً رومانسياً ـ ولا أخال إلا أن جميع الشعراء رومانسيون بطبيعتهم وفطرتهم ـ فسوف تعبر بما يمكن أن نسميه الرومانسية القومية، وهي أكثر بلاغة وتأثيراً من أن تكون مباشراً وزاعقاً، من أكثر ما يعجبني في التعبير عن الحرب مثلاً تلك الأغنية الرائعة للسيدة فيروز، وأعني بها أغنية (شادي) التي تبلور قتل الحرب للبراءة «وأنا صرت أكبر، وشادي بعده صغيَّر، عم يلعب ع التلج». ولعل قصيدتي «بكارة» تعبر عن رؤيتي..
«قالوا: إن الطلقةَ بِكرٌ
مَنْ يفتضُ بكارةَ تلك الطلقة
غيرُ القتلْ؟
وقعت شمسٌ
فوق الجرح النائم
في ثكنات النفس الثكلى..
تبحث عن تأكيد ملامح
صحة هذا الكون!
أو تستجدي شمساً حُبلى
قالَ الشاعرُ:
هذا سيفي
لا يحمله أحد بعدي
حين يكون الدم النازف
والمستنزف
من شريانٍ فردٍ
يصبح كلُ طعامٍ لحم أخي
كل شرابٍ دمَّ أخي
والقانون جماد أخرس
والأيام خسارةْ.
حين يكون الدمُّ تجارةْ.
آهٍ.. لو صدَّقتكم تلك الرؤيا
جمعوا بعضَ جبالٍ
من عظمات المذبوحين حديثاً
كيما تُحرق
تصبح طميّاً
يبعث في إسفلت الرؤية
بعضَ حياةْ».

ثقافة الكراهية

أما الكاتب الليبي ورئيس تحرير مجلة «الليبي» بودوارة المغربي فيقول: الحرب كائن بشع، مهما كانت دوافعها، لكنها أيضاً كائن متعدد الأسباب، ومع اختلاف أسبابها تكتسب هوياتها المختلفة. فهي حرب مقدسة إذا كانت من أجل تحرير وطن، وهي حرب عبثية إذا كانت بين متصارعين على السلطة، وهي حرب خطأ إذا كانت بفعل قرارات غير مدروسة. تختلف هويات الحرب، لكنها تظل المصدر الأساسي لنمو ثقافة الكراهية بين الناس، ولعل هذا هو اللغم الأخطر للحروب، فهو يبقى خطيراً حتى إن انتهت أحداث الحرب على الجبهات. هذا ما يقلقني بالخصوص، وبالتحديد وأنا أعاني كأديب ليبي ويلات ما حدث في بلادي طيلة السنوات العشر التي مضت. لقد تطورت ثقافة الكراهية ونمت واستطالت وتمددت بالطول والعرض حتى أصبحت تهدد بقاء الدولة وكيان الوطن. وهذا يضع عبئاً ثقيلاً على كواهل المبدعين لكي يحاولوا على الأقل تخفيف المصاب الأليم. مصابنا ليس في الخسائر المادية بقدر ما هو في انتعاش ثقافة الكراهية التي ينبغي أن لا يُفسح لها المجال أكثر من ذلك.

تراجيديا الذات

أما الشاعر اليمني محيي الدين جرمة فيقول: لم أكن لأكتب قصيدة عن الحرب، لولا أن الحرب غدت مفردة مؤلمة وقاتلة في حياتنا، في عيشنا، في أسلوبنا اليومي، لا أعني هنا الحرب فحسب بالمعني السياسي والعسكري، بل تراجيديا ما تخلفه حتى على صعيد الذات واللغة والتخاطب، والتلفظات، وجروح الجغرافيا، ومزالق الطرق والألسنة، بل الحرب التي صارت موتا يحكمنا كمجتمعات موبوءة بالحروب والصراعات، والتطييف. الشعر رسالة سلام، لا يفترض ويجب أن لا يزج به في أتون خطابات مضادة، إلا في حال استثناء عدو تاريخي، وإدانة جرائم حرب، لكن حين يستخدم الشعر كخوذة حرب، يفقد نضارة وجه الصورة، وشفق الرؤى والمخيلة وأفضية المعنى والترحال البعيد نحو دهشة مبتغاة.

ضد كل الحروب

الشاعر السوري القس جوزيف إيليا، يرى أن الحروب الّتي ما زالت الأرض تكتوي بلهيب نيرانها الفظيع ليست جديدةً عليها، ولا عابرةً وإنّما هي قديمةٌ قدم التّاريخ نفسه، وكانت انطلاقة شرارتها الأولى للأسف مع ابني أبينا آدم حيث قام أحدهما وهو قايين بقتل أخيه هابيل ومن حينها والحروب تزداد ضراوةً وشراسةً وعنفا، وقد أودت بحياة مئات الملايين وكانت سببا في تدمير ما بناه الإنسان وانتشار الدّمار بجميع أشكاله وهي لم تزل تسقيه من الويلات والرّزايا أمرَّها وأقساها من القتل والتّشريد والتّجويع. ولهذا ودرءاً لفواجعها ومصائبها علينا جميعا بكلّ ما لنا من قوّةٍ أن نقف ضدّ قيامها ونشوبها ومحاسبة صنّاعها ومروّجيها حتّى نعيد للأرض سلامها وازدهارها وفرحها. وقد قلت الكثير في الحرب ومن هذا الكثير الّذي قلته هذه القصيدة الّتي من خلالها أدعو إلى إيقاف جميع الحروب في كلّ مكانٍ من العالم بصرف النّظر عن دوافعها وأهدافها..
«أوقِفوا الحربَ كفاكم عبثا
وافهموا ممّا قديما حدثا
أحرقتْ نيرانُها قمحَ الرّؤى
ورمتْ في كلِّ قفرٍ جثثا
وخفتْ ضوضاؤها ما نشتهي
مِنْ نشيدٍ وحبتْنا جدَثا
وغزا طوفانُها صدرَ الرّبا
واخضرارٌ فوقها ما لبِثا
وعنِ الدُّورِ تناءى أهلُها
في صَغارٍ كلُّ ناءٍ مكَثا
أوقفوها وأعيدوا سِلْمَنا
لمْ يفُزْ مَنْ عهدَ سِلْمٍ نكَثا
شلّتِ الأرضَ سكاكينُكمُ
فلْيَزُلْ مَنْ عذبَها قد لوَّثا».

العالم بلون التراب

القاص والروائي العراقي حسين محمد شريف يقول: الحروب نتاج الرغبة بالاستحواذ على الآخر وهي سمة بشرية راسخة تبررها المصالح. والأديب ليس بمنأى عن مخرجاتها الاخلاقية، وثمة من يلتحق بخطابها مأخوذاً بالدفاع عن مكاسب ربما وثمة من يلفظها إلى الجحيم، ولا أنكر أن هناك حروبا تنطلق من فكرة الدفاع عن الذات والهوية والتاريخ وثمة أخرى عدوانية بالغة الأنانية، وعلى الأديب الملتزم بقواعد السلوك الأخلاقي في الحياة الوقوف ضد كل عنف وأن يرفض كل حرب تنطلق من المصالح الضيقة.. «ملابسنا تعج بالأتربة وأسلحتنا نظيفة فيها لمعان الحروب وشهوة الدم كما كان يحرص ضباطنا على ذلك، أخذنا وقتاً قصيراً لنتناول وجبة الغداء التي لم تكن بأفضل من بلادة إحساسنا وزناخة أجسادنا، فبالكاد يمكن وصفها وجبة غداء، خصوصاً أن ما يقدم لنا ذو لون كاكي كلون بزاتنا المتهرئة، حتى الرز لم يف بلونه حيث استحال إلى لون التراب». هكذا تبنيت موقفاً من الحرب في واحدة من قصصي المسماة (شامبالا). ففي الحرب كل شيء يتحول إلى لون التراب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية