الطاهر الطويل الإبداع والحرية متلازمان تلازما وجوديا. فالإبداع الحق هو أكبر تجسيد للحرية في أبهى صورها، ولاسيما حرية التعبير والتفكير. الحرية هي الهواء الذي يتنفسه الإبداع، وهي مجاله الصحي وماؤه الذي يسبح فيه بكل تلقائية. ولا بد من التوضيح في هذا السياق أن الحرية هي أولا شرط ذاتي مرتبط بالمبدع، قبل أن تكون شرطا موضوعيا متصلا بالمحيط العام. فالمبدع ينبغي أن يكون متشبعا بقيم الحرية في أروع تجلياتها وأسماها، وأن يكون على استعداد لتجسيدها في إبداعاته بطريقة مبتكرة تبتعد عن الابتذال والإسفاف. ومتى توفر هذا الشرط، توفر للعمل الإبداعي الديمومة في الزمان والانتشار في المكان، حتى وإن كان المبدع يعيش في كل بيئة تقمع الحرية وتحاول إخراس الأصوات الحرة.طبعا، هناك حد فاصل بين الحرية والفوضى. فلكل إبداع على مر الزمان ضوابطه وقواعده التي تحكمه والتي ينبغي الفنان أن يلتزم بها مع نفسه، دون أن يكون بحاجة إلى من يلزمه أو يفرضها عليه. تلك الضوابط هي ‘قانون سير’ الإبداع، وهي شروط تحققه على وجهه الأمثل. حين يفهم البعض الحرية هي أن يفعل ما يحلو له بالطريقة التي يراها، غير عابئ من جهة بمواصفات الإبداع الذي يزعم الانتماء إليه، ومن جهة ثانية بشروط التلقي، فحينذاك تحصل ‘الكوارث’ الإبداعية.لا نقول بالوصاية ولا بالرقابة، ولكننا نرى أن المبدع الحق هو نفسه الأقدر على تمثل النظام الخاص بإبداعه وكذا بالسياق السوسيوثقافي الذي يشتغل فيه. أما إذا كان يرفض هذا السياق وذلك النظام، فما عليه سوى أن يعزل نفسه في غرفة أو في صحراء خالية من البشر وليفعل ثمة ما يحلو له بدون أية ضوابط، ولو أدى به الأمر لأن يتعرى كما ولدته أمه، ويصيح بملء فيه: أنا مبدع!والملاحظ أن الحوادث التي تطفو على السطح في الوطن العربي، تحت مسمى ‘انتهاك حرية الإبداع’ أو ‘الشطط في استعمال الحرية’، تكون مفتعلة من أحد الطرفين، إما من طرف كاتب أو فنان يحاول أن يلعب على الإثارة والركوب على موجة الاستفزاز؛ وإما من طرف سلطة ما داخل المجتمع، تعتقد مع نفسها أنها حريصة على الذوق العام والقيم والأخلاق.إن الإبداع الجدير بهذه التسمية هو الذي يرقى عن الاستنساخ الفج للواقع، ويبتعد عن افتعال قضايا ظرفية والركوب على موجة تكسير ‘التابوهات’ بطريقة تقريرية مباشرة فقط من أجل الإثارة وادّعاء الاختلاف. ولنا في الريبيرتوار الإبداعي العالمي خير مثال، فحين نتأمل ـ مثلا ـ المُنجَز المسرحي منذ اليونان إلى الآن، نجده قد طرح مختلف القضايا المرتبطة بالإنسان، وكان جريئاً في تناوله الإبداعي لقضايا حساسة مرتبطة بالسياسة والدين والجنس، ولكننا لم نجد في أية تجربة من التجارب المسرحية الناجحة على مر التاريخ، ما نشاهده اليوم لدى البعض عندنا من محاولات التجني على الحرية عبر لغة غير مسرحية، مجالها الأنسب هو فضاءات التعري الخاصة، وليس المسرح بقدسيته وسموه وخطابه العميق. فالجرأة لا تعني الإسفاف؛ ومن يفعل ذلك يكون قد ركب زوبعة ستمرّ وتنقضي بدون شك.* كاتب من المغرب. [email protected]