الإبريق التركي
د.محمد غرناطالإبريق التركيتملكت الصبي أشرف حيرة بالغة وهو يري أباه منعزلا منطويا علي نفسه، استبد به الحزن فجأة وفقد قدرته علي الكلام خلال أيام قليلة. شحب وجهه ووهن كأن داء مبهما أصابه ونخر بسرعة كل عظامه. سأل أمه عن السر، فأخذتها رجفة عنيفة كادت علي إثرها أن تهوي إلي الأرض، لكنها تماسكت ولهجت بصوت متقطع أن السر في الإبريق. فرفع صوته في اندهاش متسائلا كيف تكون لإبريق كل هذه المكانة بنفسه، وإذا كان الأمر كذلك فهو بالتأكيد أعز عنده من أبنائه. نفت بحركة طائشة من يدها وقالت إن للإبريق شأنا في حياته، إذ الأشياء في بعض الأحيان لطول معاشرتنا لها تصبح لها قيمة لا تختلف عن قيمة الناس الذين نحبهم.لم تفارق علامات الاندهاش وجهه وهو يسألها: ـ أيحبه بكل هذه القوة؟ردت جازمة: ـ لاشك في ذلك. ـ غريب، لكن هذا الصمت، وهذا الحزن، وهذه العزلة.. أشياء لا يقبلها العقل. ـ حينما تكبر ويكبر عقلك ستعرف. ـ ماذا سأعرف؟ ـ ستعرف أن هذا الإبريق التركي..قاطعها: ـ هل هو تركي فعلا؟ ـ أجل. حمله أحد أصدقائه من تركيا وأهداه له حينما كان شابا. ـ وأين توجد تركيا؟ ـ لا أعرف. ـ أنا أريد أن أعرف. ـ حينما..قاطعها مرة أخري: ـ حينما أكبر ويكبر عقلي سأعرف. ـ وستعرف أيضا أسرار علاقته بهذا الإبريق وقد دامت أزيد من عشرين سنة.قال متعجبا: ـ عشرين سنة ؟حركت رأسها قبل أن تقول: ـ بالتمام والكمال.رفع بصره إلي الرف فألفي مكانه فارغا وحاول أن يتذكر شكله. إبريق خفيف من النحاس بحوض مقعر، وغطاء مدور لاصق بحافته، وأنبوب طويل معقوف. نظر طويلا. وكان لاشك يستعيد تفاصيله، ثم حول عينيه نحو أمه وأبدي استغرابه من كون أبيه استسلم للحزن والصمت وحبس نفسه في زاوية باردة لا يبرحها إلا في أوقات نادرة. كانت الأم شاردة عندما باغتها متسائلا عما كان يشرب فيه ليحبه إلي هذا الحد. ارتجت بمكانها وهي تقول إنه كان يشرب فيه الشاي الذي لم ينقطع يوما عن تناوله. ثم أضافت وفي صوتها ارتباك واضح: ـ وأشياء أخري.بلعت ريقها وهو يسألها: ـ مثل ماذا ؟فأجابت: ـ اللبن.ابتسم أشرف قائلا: ـ هذا كله لا يدعو للحزن. لابد أن هناك سرا. سأسأل أبي لأعرف الحقيقة.قالت مذعورة: ـ لا. إياك، ثم إياك. إنه يحتفظ بأسراره لنفسه ولا يطلع عليها أحدا.أبدي امتعاضه مما قالت ونهض غير مبال بتحذيرها وهي تعلم أن تحذير الصبيان لا يفيد أحيانا. لاح الندم في عينيها وبدت متذمرة. لامت نفسها. لو أن سي الهواري صرخ يومها وشتم وركل الأرض لكان نسي. لكنه ما أن علم بالإبريق هوي علي الأرض وهوت فوقه صينية ثقيلة تبدو كأنها من حديد، فضغطت عليه وتهشم غطاؤه وأنبوبه وأصابته ثقوب من كل جوانبه، حتي أصفر لونه وجمد لسانه وقال بصعوبة لو أن هذا الحديد نزل علي قلبه ما كان ليتفتت كما تفتت الإبريق ولزم مكانه دون حراك. درج أشرف نحوه بخطي وئيدة حتي وقف أمامه وقفة رجل عاقل وقال بصوت ثابت: ـ تكلم يا أبي وإلا أصابني ما أصابك.هز رأسه وقال بصوت خفيض: ـ انتهي الكلام، لقد تهاوي كل شيء. ـ هذا أمر آخر. أنا أريد أن أعرف من أين جاءك هذا الإبريق؟أجاب بدون تردد: ـ أعطتني إياه امرأة لا تعرفها.انبهر وهو يسأله: ـ هل هي من تركيا؟ ـ بل الإبريق من تركيا، أما هي فمن بلدة اسمها تازة. ـ تازة. طيب. وما علاقتك بهذه التازية؟تنهد قائلا: ـ إنها زوجة صديق لي. عندما غادر بيته وتركها وحيدة أوصاها بأن تعطيني الإبريق إذا تأخر عن العودة إلي البيت.واسترسل يحدثه بنبرة خافتة بطيئة فيها شغف العاشق وصبر المقاوم. كان يتكلم ويبدو كأنه يري بالفعل كل الأشياء تتهاوي وتتهشم تحت بصره كأنها من زجاج.فقال أشرف بتأثر: ـ هذا مؤلم.ثم واصل: ـ لكن لا تحزن، أنا سأعيد لك بعض فرحك.ضحك وقال في يأس: ـ من الصعب أن يعود إلي الفرح.مسح بكفه علي جبهته وصمت قليلا ثم أضاف في أسي أن الإبريق انتهي أمره، وكان وضع قلبه بجانب قلب صديقه، وضم كفه إلي كفه، وجمعهما حتي صارا رجلا واحدا، والآن ذهب الحظ بنصفه والحديد بنصفه الآخر، اتفقا علي الغدر وألقيا به علي شفا جنون تافه. تهيب أشرف وقـــال دون أن يخونه لسانه أن الذكريات تبقي، وإن له وســـــيلة في أن يجعلها حـية قريبة من نفسه، ولا يعلم إن كانت سترضيه أم لا، والمهم، أنه سيصنعها من حروف نظيفة تجعله لا محالة علي مشارف عمر جديد.فكر برهة وقال: ـ هذه مهمة أكبر من سنك.قال أشرف بصوت واثق: ـ ولكنني سأفعل. ـ سأكون سعيدا، ولكن.. ـ لا تحمل همّا. أنا أكبر كل يوم مرتين أكثر مما تتصور.بدا سي الهواري منزعجا خائفا. هل أصاب أشرف ما أصابه؟ وهل يصيب الكلام ما أصاب الإبريق؟ تمتم بصوت مكتوم، وكان الصبي قد قرر أن يبعث الأشياء حية أمام عينيه في صورة قصة يسميها الإبريق التركي أو ذاكرة الأيام ، أخبر أباه الذي ظل واجما وحمل قلما وانحني علي ورقة بيضاء وراح يكتب.قاص من المغرب [email protected]