الإثراء غير المشروع قانون متعثر في المغرب والمعركة ضد الفساد مرتبطة بالبيئة السياسية

سعيد المرابط
حجم الخط
0

طالبت ثلاثة فرق تنتمي للأغلبية البرلمانية لجنةَ العدل والتشريع بتأجيل وضع التعديلات على مشروع قانون يقضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، وما تزال كرة الاتهامات بين مضارب الفرق تتدحرج.

الرباط ـ “القدس العربي”:ما تزال أحاديث المغاربة متواصلة عن موظفين ومسؤولين بنوا لأنفسهم جبالا من الأموال بطرق غير مشروعة ومن ميزانيات الدولة وحقوق الشعب، وما يزال قانون الإثراء غير المشروع متعثرا في ردهات البرلمان المغربي، ينتظر متى يرى النور، كما ينتظره المغاربة، لشرعنة السؤال المشهور: “من أين لك هذا؟”.

وعمد المشرع المغربي إلى تجريم الإثراء غير المشروع من خلال إدراجه كجريمة جديدة ضمن مقتضيات مشروع القانون رقم 10.16 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، مصنفا هذه الجريمة ضمن مقتضيات الفرع الرابع مكرر المتمِّم للفرع الرابع المتعلق بالرشوة واستغلال النفوذ، والمتفرع عن الباب الثالث الذي ينصب على الجنايات والجنح التي يرتكبها الموظفون ضد النظام العام.

وقبل أسابيع، طالبت ثلاثة فرق تنتمي للأغلبية البرلمانية لجنةَ العدل والتشريع وحقوق الإنسان في مجلس النواب بتأجيل وضع التعديلات على مشروع قانون رقم 10.16 يقضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، وما تزال كرة الاتهامات بين مضارب الفرق تتدحرج.

وقال شقران إمام، برلماني عن الفريق الاشتراكي، في تصريح لـ”القدس العربي” إنه “يجب التسجيل بأن مبدأ تجريم الإثراء بدون سبب مشروع هو مبدأ متفق عليه من قبل جميع الفريق”. وأكد “أن هناك اختلافًا حول ما جاء به النص، خاصة ما يتعلق بتخصيص مادة يتيمة، وفضفاضة بالشكل الذي تحتمل معه قراءات متعددة من جهة وضربها لمبدأ البراءة كقرينة من جهة ثانية”.

وأضاف أنه “بعد تقريب وجهات النظر تقدمت الأغلبية بتعديلاتها على مشروع القانون وضمنه هذه المادة، وقد قدمنا كفريق تنازلات كثيرة للوصول إلى اتفاق بشأنها، قبل أن نفاجأ بسحب فريق العدالة والتنمية لتعديله المتعلق بالمادة المذكورة”.

واستطرد: “نحن في الفريق الاشتراكي تقدمنا، انسجاما مع ما سبق، وأكدنا عليه أثناء المناقشة العامة، بمقترح قانون لتجريم الإثراء غير المشروع، من منطلق أن الأمر يقتضي نصا متكاملا وليس مادة يتيمة في القانون الجنائي”.

من جهته، قال رضا بوكمازي، برلماني حزب العدالة والتنمية، في تصريح لـ”القدس العربي” إن هذا القانون “يهم تجريم كل إثراء لم يستطع المعني به تبريريه، وهو من بين المداخل التي من شأنها معالجة ظاهرة الكسب غير المشروع الذي يتحقق من خلال مزاولة مهمة أو مسؤولية عمومية، فبه يفرض على المسؤولين العموميين تقديم التصريح بالممتلكات أثناء مزاولتهم لمهامهم سواء كانت سياسية أو قضائية أو إدارية”.

ونفى أن يكون فريق “العدالة والتنمية” في البرلمان هو العائق أمام هذا القانون، بل شدد على أنه من بين المطالبين بجعله قانونًا مستقلا، وليس مادة في القانون الجنائي. واعتبر أنه قانون يهدف إلى “الإسهام في محاربة الفساد الناتج عن تقلد المسؤوليات”.

وقال محمد الباكير، أستاذ القانون الجنائي، لـ”القدس العربي” إن الجرائم المالية المرتبطة بتدبير الوظائف العامة، الموصوفة عامة بجرائم الفساد، “تتميز بكونها من الجرائم الخفية العصية على الضبط، وذلك لكونها على العموم تتم في الخفاء باتفاق أطراف النشاط جميعا على تحري المنافع خارج المنظومة القانونية؛ فهي (باستثناء الاختلاس) جرائم (رضائية) يندر أن تعثر فيها على ضحية بالمعنى التقليدي، ومن ثم فلا يمكن الاتكال في فضحها على شكاية الأطراف الضالعين فيها”.

وهي جرائم وفق المحامي بهيئة الدار البيضاء “موجهة بالأساس إلى تجنب قنوات النظم الشرعية القانونية وتعتمد مسالك موازية، يُستغل فيها النفوذ الإداري أو السياسي أو القضائي خارج الضوابط الشرعية لتحصيل مصالح تبادلية، ومن ثم فلا يمكن محاربتها باستحضار الضرر الشخصي المباشر، وإنما باستحضار الاضطراب الشامل الذي تسببه للتوازنات العامة. من هنا كانت حساسية هذه الجرائم وخطورتها وصعوبة تدبيرها”.

وأشار الباكير إلى أنه “مرت عقود من الزمن، لم تر الدولة المغربية من سبيل إلى محاربة هذه الظاهرة إلا من خلال نصوص يتيمة في القانون الجنائي تتعلق بالرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ، وقد أبرزت التجربة التاريخية أنها ظلت عاجزة عن تحقيق الغايات المرجوة منها؛ فكيف نعتمد على الإدارة والقضاء في التتبع والتنقيب والتحري ومحاربة أنشطة تتم داخل الإدارة والقضاء؟”.

وتابع القانوني قائلا: “أثبتت المقاربة التقليدية القائمة على الكشف عن الفساد من خلال التنقيب عن أفعاله المادية عجزها في المغرب، فكان لا بد من اعتناق مقاربة أخرى تروم الكشف عنه من خلال معاينة آثاره الواقعية التي لا تنفصل عنه بالضرورة”.

وأضاف: “لن أنكر أن حصر الآثار المعلنة عن استغلال النفوذ والسلطة خارج إطار القانون في الإثراء قاصر عن محاصرة كل حالاته، لكني أعتقد أن كشف الغطاء عن الإثراء غير المبرر قادر على فضح أغلب حالت الفساد بالتأكيد”.

ويرى الباكير أن فكرة تجريم الإثراء غير المشروع لدى كل الملزمين بالتصريح بالممتلكات من أجل اعتلاء مناصب إدارية أو تمثيلية، ولدت هكذا، “وقد حرصت وزارة العدل على إدراجها في الصيغة الأخيرة لمشروع تعديل القانون الجنائي المعدة بين سنتي 2014 و2015 بيد أن هذا الاقتراح لم يستطع الإجابة عن عدد من الأسئلة الجوهرية، كما لم يكن كافيا لتبديد كثير من التخوفات، علاوة على عجزه الحقيقي عن مجابهة بؤر المقاومة التي تطرح سؤالا جديا حول توقعات نجاعته في محاربة ظاهرة الفساد”.

وخلص إلى أن “المغرب لا يحتاج إلى مزيد من النصوص الجنائية، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة موزعة بين الإداري والمدني والسياسي ثم الجنائي، ملتفة حول بناء مؤسساتي فعال، ومؤطرة بالمبادئ الدستورية والحقوقية العامة”.

وقال عمر عباسي، النائب البرلماني عن حزب “الاستقلال” (المعارض) إن المعركة ضد الفساد يجب أن تبدأ بمناقشة القضايا العميقة، مشيرا أن ما يحتاجه المغرب اليوم هو نقاش عمومي صادق. فخلال مناقشة مشروع قانون رقم 46.19 الخاص بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، الأربعاء المنصرم، في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في مجلس النواب المغربي، قال عباسي إن الحكومة تأخرت في إحالة مشروع على البرلمان، والمعركة ضد الفساد لم تعد مرتبطة بالآليات القانونية والمؤسساتية على أهميتها، ولكن مرتبطة أيضا بالبيئة السياسية.

وأبرز أنه ليس لدينا تشريعات قوية، وقانون الإثراء غير المشروع يتعرض لإجهاض ممنهج، لا يمكن إلا رفضه والتنديد به. وأضاف “كنا نقول بأن الأغلبية تعطل الإصلاحات، لكن اليوم يجب أن نقولها بوضوح بعض المكونات لها إرادة واضحة كي لا يخرج هذا القانون مع كامل الأسف” مثلما أورد موقع “لكم”.

وتساءل عن تكلفة الفساد بالنسبة للاقتصاد الوطني والأموال المهربة للخارج، والهيمنة والاحتكار في الحقل الاقتصادي. وأشار إلى أن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن انتقد الوضعيات المهيمنة التي لم يتم تصحيحها، موضحا أن الاقتصاد المغربي يتسم بتركيز كبير في معظم القطاعات مما يولد وضعيات مهيمنة على السوق لفائدة بعض الشركات الكبرى.

ولفت النائب البرلماني إلى أن هذا ليس كلام حزب معارض أو إعلام متطرف، بل كلام مؤسسة دستورية محترمة، سبق أن أكدت أنه على عكس الرشوة والغش فإن خطر بعض أشكال الريع يكمن في أنها غالبا ما تتخذ طابعا قانونيا بموجب القانون والمساطر. وشدد على أن هناك أزمة بنيوية خطيرة يعيشها المغرب، هي فقدان الثقة في السياسة وفي المؤسسات الدستورية، والسبب الرئيسي في هذا هو الفساد، وذلك إما بفعل مكونات كانت تندد به وعندما وصلت إلى مراكز المسؤولية انغمست فيه، أو بفعل مكونات كانت تندد به وجعلته ضمن أهم أولوياتها وعندما وصلت إلى مراكز المسؤولية وقفت عاجزة أمامه.

وأكد أن إرادة محاربة الفساد هشة، فتعيين رئيس الهيئة كان في 2018 والمشروع لم يحل علينا إلا في 2020 إذن نحن أمام هدر زمني وأمام هدر الفرص، لأن المغرب مع الأسف بلد الفرص الضائعة. وأوضح أن الفساد هو من أسقط عدة أنظمة في منطقتنا وعلى رأسها نظام بنعلي في تونس ومبارك في مصر، حيث كانت سنة 2011 عنوانا بارزا لتهاوي الأنظمة بسبب الفساد، وحتى اليوم من أخرج الناس في الجزائر والسودان هو الفساد لأنه مهدد الاستقرار المؤسساتي.

وأكد عباسي أن حصيلة الحكومة سواء الحالية أو السابقة في محاربة الفساد تبقى ضعيفة ودون الطموح الجماعي. واعتبر أن الرشوة مدانة كبيرة كانت أو صغيرة، لكن ما يكرس عدم الثقة عند المغاربة هو الفساد الكبير وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية