من صغرنا كنا نسمع أن الدين لن يقوم في مالطا وأن محاولات العطار لن تصلح ما أفسدته المدة وأن ذيل الكلب أعوج ولن ينعدل مهما حاولنا فالأفضل إذن أن لا نتعب أنفسنا أو نكلفها عناء المحاولة أصلا!!
غريبة أن تكون هذه ثقافة آبائنا الذين عاشوا حياة مقاومة الاستعمار والتقتيل والتهجير والحصار وذاقوا صنوف العذاب ولم تترك فيهم في المراحل الأولى سوى مزيد من التحدي والرغبة بالتصدي!
غريب هذا الشعور بالإحباط واستعذاب دور الضحية والرضى به من أجيال كانت تنادي أن الموت أهون من المذلة، المذلة بكافة أشكالها في الوطن والحياة والحقوق! غريب أن يرضى الآباء بتوريث حياة الذل لأبنائهم فالمرء لا يتمنى الا الأفضل لأولاده!
فهل هي المدة وكبر العمر ما يجعل المرء يلبس لباس الخنوع والأوطان ما زالت مسلوبة والحقوق مهضومة والحريات مصادرة والدماء مراقة والكرامة مهـــــانة أم هو تتابع النكبات مع غياب إرادة الفعل والتغيير ما جعل الأمة بمجــــموعها الكلي والفردي في أوطانــــها القطرية ترضى بحال الهامشية والصفوف الخلفية ولاعبي الاحتياط في مسار صنع التاريخ والحضارة ؟!
لجيل لم يعايش نكبة فلسطين كانت تداعيات الربيع العربي في مصر وسوريا نكبته الجديدة وجاءت الضربة القاضية في مصر بعد حالة النشوة التي عاشها الكثيرون بالتمكين أخيرا لمشروع يحمل أحلام أجيال وأجيال مات بعضها وسجن الآخر وضحى الكثيرون وهم يؤمنون أن الاسلام هو الحل وأنه لو وصل الى الحكم فسيكون عصا موسى التي ستفلق البحر وتغرق الطغاة وتنجي كل المؤمنين ليقيموا الحياة المثالية والفضلى فجاءت الضربة القاصمة بعد أن وصلت اللقمة الى الفم لتعيد حملة المشروع الى الأرض بعد أن طاروا بلا أجنحة، أو قصقصت أجنحتهم من الصقور الهرمة التي تأبى مغادرة عروشها، وتفهمهم أن المجتمع بكليته ما زال غير جاهز لقبول الاسلام العملي الحاكم في واقع الحياة لا الاسلام الشعائري، وأنه لا يمكن إقامة دولة الاسلام بمشروعها الحضاري للعالمين بغير أعمدة من المناصرين المستعدين لقبول تكاليف التضحية ومواجهة فلول المشاريع والأنظمة التي استبدت طويلا وما زالت، بقبول وبغير رضى، بحياة الشعوب العربية!
يقول الدكتور أحمد الريسوني في كتابه ‘الأمة هي الأصل’ ‘الرسول حين طبق الاسلام في مجتمع المدينة التطبيق التشريعي الكامل كانت المدينة قد أصبحت في عمومها وفي أغلبيتها على عقيدة الاسلام وتحت سلطة الاسلام، السلطة المعنوية والقلبية والروحية، وأما قبل ذلك فلم يطبق الرسول الاسلام تطبيقا عاما ملزما ولم يحاول تطبيقه على أهل مكة ولا غيرهم ولقد عاش المسلمون في الحبشة ولم يطالبوا النجاشي بأن يحكم ويطبق الاسلام بالرغم من أنه أسلم مع أنه كان صاحب سلطة ولكن أغلبية الناس ليسوا على الاسلام فكيف يطبقه عليهم وهم لا يؤمنون به؟!’
نعم لا بد للمشروع من مقومات تجهيزية يقوم عليها النجاح أما خوض البحر من غير عدة فإعداد للغرق المؤكد والكارثة في مجال نهضة الأمم وتغيير الشعوب والثقافات عميقة الأثر وتحتاج وقتا لتداركها، أما وقد حصلت الكبوة، ويا لها من كبوة، فالانتقال الآن يجب أن يكون سريعا للخطة ‘ب’ أو خطة الطوارىء الذي يفترض بكل مشروع ناجح أن يجهزها كجزء من الخطة الأساسية.
فمن كان يظن أن الطريق للمشروع الاسلامي ممهد أو ممكن له بسهولة وبتضحيات اعتيادية فلم يفهم دورة التاريخ ولا أحسن قراءة الواقع الذي زادت تحدياته على ما عاشه المسلمون الأوائل وحضارات الاسلام الأولى في أقصى مراحل الضعف والهوان الا تعلم الدروس من السابقين واجب لإكمال المسير فها هو الصحابي أنس بن النضر يرفض أن يُسقط الراية، يرفض أن يسدل الستار على مشروع تمكين دين وعد الله له بحسن العاقبة فلما جاءت إشاعة قتل رسول الله في غزوة أحد وخرت عزائم المسلمين وبلغ الوهن منهم مبلغه جاء هو ليكون الصوت الفاصل بين مرحلة اليأس المحكم والاستسلام المطلق ومرحلة اشتعال الهمة الى ذروتها ليقول: وماذا تفعلون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه.
نعم هناك دائما خطوة أخيرة قد تنقذ الموقف، هناك بقية من أمل وقشة للغريق قد توصله الى بر الأمان ولا حكم أبدا على الناس بالهلاك والنهاية فالأمل واحياؤه في القلوب عبادة كما العمل عبادة وهما مرتبطان عضويا استخدم الرسول سلاح الأمل في الخندق بأن القادم هو فتح بلاد الروم والفرس فظلت النفوس متطلعة والأعناق مشرئبة لتحقيق وعد إلهي ولم تكل الهمم ولم تتراخ مع تباعد الزمن وعظم التضحيات بين البشر وزمن تحققها.
إن أصحاب المشروع الاسلامي بحاجة الى إعادة معرفة مجتمعاتهم والتخلي قليلا عن الصورة المثالية فالسياسة للاسف ليست مطهرة كما الحرب خدعة تحتاج لفطنة ودهاء ولكن دون الإسفاف،
إن الاسلاميين بحاجة الى تغيير خطابهم فمجتمعاتنا للاسف’أصبحت محكومة بلقمة العيش’والحاجات لذا يجب رفع سويتها وكرامتها لتطالب بحقوقها ولا تنتظرها كمكرمات وهبات، إن شعوبنا تعاني من مشكلة عدم الانتماء للوطن ولو كانت تحب أوطانها لما قبلت بأن تسرق الأوطان وتنتشر فيها الرشوة والفساد دون أن تبالي ما دام الفرد وأسرته بخير وحاجاته مؤمنة، شعوب تعيش بثقافة ‘أنا ومن ورائي الطوفان’ ستكون حمولة زائدة تنتظر لتأخذ من الوطن لا أن تعطيه كما تأخذ، إن مجتمعاتنا تعاني فقرا في القيم والأخلاق التي تساهم في نهضة الشعوب وما دامت هذه الأخلاق غائبة فلن ينفع الوصول لهرم السلطة السياسية في التغيير ولن يصمد طويلا لأن الرعاع في القاع سيبذلون أقصى جهدهم لإزاحة كل ما ينتقص من امتيازاتهم!
بالتأكيد أن الاسلاميين يعلمون أنهم لا يحتكرون الحق ولا الخير ولا الفضيلة ولكن هذه المبادىء العامة بحاجة الى أن تنزل على أرض الواقع وتأخذ شكل برامج ومبادرات توحد جهود كل من لا تُشترى ذمته بالدينار والدرهم وتكون بوصلته المصلحة الداخلية والحفاظ على ثوابت الأمة، وهناك دائما نقاط إتفاق يمكن البناء عليها في بناء شراكات وتوافقات كبيرة أما الاستئثار بالقرار والسلطة حتى مع ضمان الأغلبية كارثي النتائج دائما.
ان الذين قفزوا عن السفينة قبل أن تغرق تماما نجوا بأنفسهم فقط ومجتمع متقلقل لن يضمن لهم النجاة أما الذين بقوا فقد يصلحون الخرق لتكون النجاة جماعية.
الوصول الى الإحباط وإحباط الغير أقل الطرق مؤونة وأقصرها نحو مزيد من الفشل، الذين يركبون الصعب هم الذين يشيعون الأمل والعمل في الناس.
د.ديمة طارق طهبوب