الإخوان المسلمون والصراع على السلطة في مصر

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل

لا شاغل للناس في مصر يستغرقهم سوى الحديث عن تحركات ومناورات جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية المتمثلة في حزب الحرية والعدالة، سيما وأن آخر مفاجآتها تمثلت في ترشيح المهندس خيرت الشاطر لمنصب رئيس الجمهورية وهو ما يعد بمثابة قنبلة من العيار الثقيل بل ومقامرة خاصةً على خلفية إصرارهم السابق على قرارٍ مترفع بعدم خوض غمار السباق الرئاسي… للوهلة الأول تصورت أن يتناول المقال القوى الإسلامية مجتمعةً بما يشمل السلفيين، ذلك الفصيل الثاني من حيث الحضور العددي ونسبة المقاعد في مجلس الشعب والذي كان مرشحه الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل أول المترشحين في زفةٍ إعلامية شلت القاهرة وغدت مادةً للتندر والتعجب والسباب في أحيانٍ كثيرة، إلا أنني عدلت عن ذلك لأسبابٍ عديدة لعل أهمها (من قبيل الإيجاز) أن السلفيين متفرقو الفصائل متعددو المشايخ والأقطاب بما يسهل تفاهم النظام معهم وترويضهم إذا لزم الأمر، و ليس أدل على ذلك من كون الكثير من مشايخهم حتى البارحة، أي قيام الثورة، كان يكفر الثورة والخروج على الحاكم! في رأيي أن السلفيين على كثرتهم وأهميتهم التي لا أنكرها ولا أنتقص منها لن يرتقوا أو يتخطوا في القريب العاجل الملح (وربما أبداً…) دور الممثل المساعد للبطل الذي يُنجح العرض ولا يقوم بدور البطولة أبداً مثلما كان الحال مع الممثل الراحل عبد السلام النابلسي في أفلامه مع العندليب الأسمر مثلاً؛ أما الإخوان المسلمون فهم نجوم شباكٍ بامتياز، وهم في هذا العرض (كما في العرض السابق الذي استمر أكثر من ثلاتيت عاماً) يتقاسمون البطولة مع المجلسة الأعلى للقوات المسلحة، لذلك بات من الضروري أن نفرد لهم مقالاً خاصا ًيليق يحجمهم! لعل كلمة المناورة التي استخدمتها هي الأدق لتوصيف منهاج وسلوك الجماعة المحظورة التي تستأثر بالقسط الأوفر من مقاليد السلطة المنتخبة في مصر، على الأقل على الورق، وعلى هذا فالتطور الأهم في نظري يكمن في انتشار هذا الفهم لطبيعة أدائهم لدى قطاعاتٍ ودوائر ما تني تتسع لتشمل كثيراً من أولئك الذين انتخبوا أفرادها إيماناً بنزاهةٍ وأخلاقياتٍ مفترضة أو مزعومة أو بدافعٍ من التعاطف معهم لما يشاع عما لاقوه من العسف والاضطهاد على أيدي الأنظمة المتعاقبـــــة؛ وهـــي صورةٌ مغلوطة من حيث هي مجتزأة، إذ على الرغم من فترات التوتر والاعــــتقال فقد عرفت العلاقة بين النظام والجــــماعة فتراتٍ مديــــدةٍ في تراوحٍ بين التعاون والتعايش السلمي لعل اشهرها (لما ســـُلط عليها من ضوءٍ في السينما والدراما التلفيزيونية) سبعينيات القرن الماضي حين استعان السادات بهم وبغيرهم من قوى الإسلام السياسي ليوفروا غطاءً فكرياً لتحوله نحو اليمين وسياسية السوق ولاقتلاع اليسار بشقيه الاشتراكي العلمي والناصري من الجامعات… و نجح… وبعيداً عن الغوص في تاريخ هذه الجماعة الأهم في تاريخ مصر الحديث وعلاقتها المتشعبة المعقدة بالحكومات والأنظمة وبدورها المصري والعالمي مما قد يشكل مادة رسائل دكتوراة تحتل مجلداتٍ عديدة فإن ما يعنيني هنا هو دورها وموقفها من الثورة المصرية؛ بدايةً لقد تأخرت في الانضمام وكبحت وحدت من جموح شبابها ورغبتهم المتحرقة للمشاركة في الحدث، ثم إذا بنا نفاجأ بانها اصبحت الأعلى صوتاً بعد ذلك إذ جعلت تستغل كل ما لها من نفوذ وحضور لتحض وتسوق الناس للتصويت ب نعم على الاستفتاء على تعديل المواد الدستورية في حين وقفت كل القوى المدنية وعلى رأسها الدكتور محمد البرادعي في المعسكر المنادي ب لا في مارس من العام الماضي… أصروا على مجلس شعب قبل الدستور لعلمهم أو حدسهم بأنهم سيحوزون أغلبيةً من مقاعده، وقد كان… تطميناتهم لأمريكا ثم دورهم المشين في قضية تمويل منظمات المجتمع المدني… وهاهم الآن يسعون للسيطرة على اللجنة الواضعة للدستور وإزاحة حكومة الدكتور الجنزوري بسحب الثقة منها، وأخيراً مرشحٌ للرئاسة بعد طول رفضٍ وإنكار… كما أننا لكي نضع الأمور في نصابها الصحيح، فالجماعة المجربة المخضرمة لم تستعد أو تتحسب أو تشعر أو تتوقع اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير… بل إني على يقين من أنها لم تردها… لقد كانت راضيةً تماما ًبما حازته وما كانت تستحوذ عليه من نفوذٍ وحضورٍ وموارد مالية مستغلةً أسطورة دور الشهيد المضطهد الذائعة لدى قطاعات عريضة من جمهورٍ أغلبه غير مسيس… بيد أن أبسط نظرة شاملة لمجمل سيرة وتحركات الجماعة طوال الثمانين عاماً الماضية كفيلةٌ بإزالة العجب ونفي الدهشة منها، ولئن كنت أحجمت عن حديث يطول عن تاريخ الجماعة فإني استخلصت سمتيين أساسيتين منه تفسران كل شيء، تتعلق الأولى بالاستراتيجية والثانية بالتكتيك المتبع لتنفيذها.

أما الاسترتيجية فهي سياسة ملء الفراغ التي اعتمدتها الجماعة منذ نشأتها… بدأت بملء الفراغ الذي خلفته خيبة الأمل بحزب الوفد وسائر الأحزاب التقليدية إبان العهد الملكي وانتهت بملء الفراغ الذي كان يخليه نظام مبارك المترهل وشبه دولته التي كانت تتنصل تباعاً من مسؤولياتها حيال السواد الأعظم من الجمهور، وقد اتبعت في سبيل ذلك تكتيك المناورة والمرونة المطلقة… و على ذلك فليست مناوراتها الحالية بالجديدة عليها؛ كذلك الحال قيما يتعلق بمداهنة السلطة والرهان عليها… بدأها الشهيد حسن البنا بتنظيم وتسيير الاحتفالات لاستقبال الملك في زياراته ورجوعه إلى أرض الوطن من الخارج ثم برهان الجماعة على العسكر في بدايات ثورة يوليو ثم حلفها الأشهر مع السادات… لقد جربت العنف ودفعت ثمنه غالياً سجناً وتعذيباً وتشريداً فاستقرت لديها قناعة بأن العنف لن يجديها لأنها لم تكن الأقوى عسكرياً بأي حالٍ من الأحوال فاستعاضت عن هدف القفز إلى السلطة بالتسلل إليها، فأخذت تنتهج سياسة التغلغل في أوصال المجتمع عن طريق الهيمنة الفكرية ومن ثم التسرب إلى كل ما هو متاح مثل النقابات المهنية… كانت الجماعة تعمل بدأبٍ وخطى حثيثة وتنتظر… تنتظر أن تسقط السلطة في حجرها، وكان ما تحققه من شعبيةٍ وتمددٍ في الشارع يطمئنها ويؤكد صحة استراتيجيتها… و علينا أن نعترف بأنها فعلاً نجحت إلى حدٍ بعيد… ثم فاجأتها الثورة، وما ترددها إلا برهةٌ لحساب خطوتها جيداً ومحاولة قراءة اتجاه الريح، ثم حين أدركت أن مباركاً ساقطٌ لا محالة( وربما تحت ضغطٍ من الكوادر الشابة الأقل خبرةً والأكثر مثاليةً وسذاجة) اختارت جانب الثورة… اختارتها ثم بقيت وفيةً لأسلوبها المعتاد فراهنت على المجلس العسكري وتحالفت معه موفرةً غطاءً له بما يحقق مصلحتيهما في وقف مد ثورة القوى المدنية وائتلافات الشباب التي تريد أن تُستكمل الثورة المنقوصة.. إن مشكلة الجماعة تكمن في شعورها بأنها اقتربت من السلطة حتى أوشكت أن تلتف قبضتها عليها تماماً، فالرغبة تحرق أفرادها، وقد صبرت طويلاً وعملت كثيراً، فهي تعتقد أن كل ما تطاله يمينها من حقها، كما أن الفرصة لن تتكرر مرةً أخرى والتاريخ سيحاسبها على الحماقة وارتجاف اليد إن ضيعتها… و لا يخفى على أحد أن حلفهم مع المجلس العسكري أسقط عنهم هالة القداسة وحطم أسطورة الاضطهاد، ولعل الإخوان باتوا يدركون أن المجلس العسكري استغلهم وفضح انتهازيتهم أمام شارعٍ يخسرونه يوماً بعد يوماً وعلى ذلك فهم يشعرون بأنهم في سباق مع الزمن لكتابة دستورٍ يناسبهم فيحصلوا على دولتهم التي طالما حلموا بها… في لعبةٍ سيكسبها الأقل خطأً ما زال المجلس العسكري الطرف الأربح في رأيي، وقد دفع بالجماعة عن طريق تغذية شراهتها للسلطة و استغلال رعبها من شبح الخسارة والفقدان إلى التسرع والتهور والتصرف بفظاظة ثم القفز إلى الأمام وكسر وعودها بعدم ترشيح أخٍ لمنصب الرئاسة، ومن يدري فقد لا يخلو ترشيح شخصٍ بعينه من نوعٍ من الصراع الداخلي أو محاولة حرقه… تخسر الجماعة حالياً الكثير إلا أنها ستبقى لاعباً اساسياً، وفي يقيني أن الأيام المقبلة سوف تشهد صراعاً بينها وبين سائر الفصائل قد يكون عنيفاً لاقتسام تركة الثورة المترهلة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية