يعيش الشارع العربي والإسلامي موجة من الغضب الشعبي العارم تنديداً بالفيلم المسيء للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتأتي موجة الغضب كرد فعل طبيعي للمساس بشخص الرسول الكريم ولكون التعبير السلمي من أبسط الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية والدساتير الوطنية التي أعطت للإنسان الحق في اختيار معتقده والدفاع عنه إلا إن ظهور الفيلم في هذا التوقيت له أبعاده ودلالاته التي يجب ألا تكون بمعزل عن تفكيرنا ومطلوب منا ألا نتعامل مع الأحداث الجارية بعاطفة كما هي عادتنا فرسولنا الكريم عندما تعرض للأذى ورميت عليه القاذورات نزل إليه الوحي بأن يطبق عليهم الأخشبين كما ورد في الحديث وتعني الجبلين وهنا تجلت عظمة الحبيب المصطفى وتسامحه بالقول لعل الله يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. وفي تقديري أن اقتفاء أثر الرسول الكريم هو الانتصار الحقيقي له وحتى لا يفسر كلامي تفسير آخر فإنني أرجو من القارئ الكريم الوقوف عند هذه القضية لنناقشها من عدة مستويات على المستوى الوطني كانت الهجمات التي تصوبها طائرات أمريكية بدون طيار قد لاقت امتعاضاً شعبياً بعد أن أخطئت أهدافها وراحت تستهدف المدنيين الأبرياء وهي مدانة من قبل العديد من القوى السياسية باعتبارها خرقاً للسيادة الوطنية حتى قبل أن تخطئ أهدافها أما وقد حصل الهجوم على السفارة الأمريكية وإحراق مكاتبها ونهب محتوياتها فإن دخول قوات المارينز لحمايتها بات أمراً مقبولاً حتى لدى تلك القوى السياسية الرافضة لانتهاك السيادة الوطنية إذ لم تعد تجد مبرراً في حال عجز قوات الأمن عن حماية السفارات والمصالح الأجنبية وبالتالي هنا يجب أن نتساءل ما الذي حققناه من الهجوم على السفارة في حين كان من الممكن التعبير عن احتجاجنا بطرق سلمية وحضارية ننتصر من خلالها لرسولنا في اقتفاء أثره في عدم قتل المسالمين من الذميين ثم أن هذه السفارات والمصالح في حماية دولنا الوطنية التي تقع عليها مسؤولية حمايتها وهنا يمكن الربط بأن توقيت إنتاج مثل هذا الفيلم له دلالات أخرى لها علاقة بتشويه الربيع العربي تذكيها وتستفيد منها بقايا النظام في هذه الدول لتثبت للآخر غوغائية شعوبها التي تخلصت من أنظمتها الدكتاتورية المتعفنة التي تعمل على استغلال الغضب الشعبي لتثبت عجز وفشل الحكومات الوليدة في حماية المصالح الأجنبية محاولة التذكير بجدوى بقائها .على المستوى الآخر يراد لهذا الفيلم أن يشعل حرباً طائفية بين المسلمين والمسيحيين في مصر وربما تكون شماعة سياسية يتم استغلالها لإلهاء الشارع العربي والإسلامي عن معركته الحقيقية في استعادة كرامته والدفاع عنها كما وفي الوقت الذي لا تزال قضية العرب والمسلمين المركزية ..فلسطين تئن تحت وطأة الاحتلال الصهيوني فإننا نحن العرب والمسلمين نجعل من قضايانا حجة وتهماً لإدانتنا وإظهارنا في موقع الجلاد مع إننا ضحايا . فعلى سبيل المثال : فإن مسألة الفيلم المسيء للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كانت تستهدف بالأساس تشويه رسولنا وديننا وبدلاً من أن نعترض على هذه الطريقة المشينة رحنا نكرس ما ذهب إليه كاتبو الفيلم ومخرجوه ومنتجوه ليستغلوا ما حدث من هجوم على السفارات والمصالح الأجنبية في بلداننا العربية والإسلامية لتكريس الصورة التي أرادوا إلصاقها بديننا ونبينا وهم منها براء. ولعلنا ندرك جميعاً كيف استطاع الكيان الصهيوني من تصوير العربي المسلم بالإرهابي الجلاد في الوقت الذي يحتل الأرض ويدنس الأعراض والمقدسات ويظهر هو بموقع الضحية.. أتساءل إلى متى ستظل أرضنا ومقدساتنا ورموزنا ملعباً وأهدافاً تستثمر من الآخرين لتحقيق مصالحهم كلما دعت الحاجة لذلك؟ وحتى لا نذهب بعيداً تفصلنا أسابيع عن الانتخابات الأمريكية وهي التي أحتاج أطراف التنافس فيها في وقت سابق لغزو العراق وأفغانستان وكما هي عادتهم بالهروب بأزماتهم الداخلية لاختلاق عدو خارجي ولا يستبعد أن تكون هذه الزوبعة التي أثارها الفيلم جزء من تلك المخططات لأن العبرة في من يستثمر الحدث ويجني نتائجه وأرباحه وليس في الحدث ذاته ولو تأملنا في حصيلة هذه الأحداث وفي هذه الحالة فإن القاعدة وهي المصنوعة أمريكياً هي التي سارعت باستثمار الحدث ورفع أعلامها فوق السفارات المقتحمة وهو ما يمكن معه القول بأن الولايات المتحدة تحصد ما زرعت بينما تبقى تصرفاتنا نحن هي التي تحولنا من ضحايا إلى جلادين فإلى متى يستمر تفكيرنا بهذه الطريقة؟عبد الغني الكناني