لبس رجال «داعش» الخرقة. ليس عن خرقة الصوفيّة يجري الحديث، بل عن خرقة «رُهاب الإسلام» أو «الإسلاموفوبيا». الصور النمطية العدائية التي يبثها المفترون على الإسلام، بتظهيره كدين عنيف من حيث الطبيعة، وعلى المسلمين بتخريجهم ككائنات خطرة، لبسها رجال داعش نكاية بالكافرين ومناكدة لهم.
لكن يبدو أن «الإسلاموفوبيا» الطافحة لم تكذّب خبراً. هالها أن تجيء الصورة التي يقدّمها رجال «داعش» عن «دولتهم» مطابقة للصور العدائية النمطية التي يروّجها أعداء الإسلام عن الإسلام، فكان أن أدخلت «الإسلاموفوبيا» نفسها في مهبّ مزاد علنيّ. وكما لو أنّ جرائم الحرب التي ارتكبها مسلّحو «داعش» لا تكفي، فُتِحَ باب الافتراء على مصراعيه، فهذا يتّهم تنظيم «الدولة» بتحجيب الأبقار، وذاك بـ»التخطيط» لإعادة كتابة القرآن، ولم يظهر حتى الآن ما يسند الخبر عن افتتاح «داعش» سوق سبايا في الموصل.
في هذا، تشارك أرباب «رُهاب الإسلام» مع أهل التزمّت في ديار المسلمين، فأهل التزمّت احتاجوا لظهور «داعش» للتمكّن من الظهور كـ»معتدلين» و»مستنيرين» في مواجهتها، واذا ساءهم، من جهتهم، أن تتمكّن «الاسلاموفوبيا» من جمهور المسلمين بواسطة ما تقوم به «داعش»، صار غرضهم اخراج «داعش» من الملّة، علّهم يتقون شرّها وشرّ «الاسلاموفوبيا» في آن.
وهكذا صرنا الى مصادر عدّة لـ»رُهاب داعش» أو «الداعشوفوبيا» من مواقع متعددة. «الداعشوفوبيا» تبدأ من اخراج «داعش» من السياق الذي نبتت فيه، سياق الحربين الأهليتين في العراق وسوريا، وسياق انهيار نظام بعثي بواسطة الاحتلال الأمريكي وامتناع آخر عن السقوط في مواجهة انتفاضة شعبية واسعة، وسياق الحرب الأمريكية على الارهاب منذ خريف 2001. ثمّ يمضي كلّ في طريقه، هذا باتجاه اخراج «داعش» من الملّة، وذاك باتجاه اعادة كل الملّة اليها.
المتزمّت الذي يكتشف اعتداله واستنارته بعدائه لـ»داعش» يعبث في تاريخ الفرق ليجد لداعش أصلاً في بدعة أو غلو، وكما درجت العادة يوم ازدهرت الردود على دعوة محمد ابن عبد الوهاب، لا يجد خطاب المؤسسة، سنية كانت أو شيعية، أسهل وأبسط من اعادة «داعش» الى أزارقة الخوارج. فات هذا الخطاب أن فيصل التفرقة بين الأزارقة والزرقاويين تمسّك الفرقة الأخيرة بشرط القرشية في الخلافة، وأنه هو نفسه الفارق بين داعش وبين الوهابية، وأنه، على مستوى رمزي له حيثيته، تكون «داعش» جزءاً من «الكوكبة القرشية المعاصرة» الممتدة من ايران ولاية الفقيه و»حزب الله» السيد حسن وجماعة الحوثي في اليمن والمملكتين المغربية والأردنية.
وهذا المتزمّت (والمقصد اختيار وصف تعوزه الدقة) حين يفتري على «داعش» باتهامها في النية باعادة كتابة القرآن،على سبيل المثال لا الحصر، انما يحسب انه يقطع الطريق في ذهنه، على أي مشروع «لائكي» لاعادة تحقيق نص القرآن، بالاعتماد على المصاحف اليمنية مثلاً، مثلما أنه يعبّر عن توجسّه من كون «المطاعن وردّ المطاعن» لا تزال في أمر اليوم، وعليه أن يباغت «التحريف».
واذا كان المتزمّت يبث «الداعشوفوبيا» في مسعى لاخراج «داعش» من الملّة، يقوم الليبرالي العربيّ النمطي، ببث «داعشوفوبيا» معاكسة في المقصد، ومتلاقية في المزاج العام. فهو يعتزم اعادة الملّة، وتراثها، ومعقولها ومنقولها الى «أصول داعشية». يلبس الليبرالي هنا ثوب المحتسب، ويباشر البكاء والصياح، شاكياً من الموروثات الدموية في البنى الثقافية والذهنية الراسخة والتي يريد هو تحطيمها. «داعش» تحارب الشعوذة والسحر والأساطير والموروثات الوثنية والبدوية والشعبية، وهو يحارب «داعش» المنتشرة في كل هذا! والليبرالي العلماني العربي ممثل دراماتيكي فاشل. لا يستعيد حدثاً وقع قبل قرون مديدة الا ليتأوه أمامه من هذه الثقافة الدموية. تخيّل كاريكاتورية المشهد لو حدث في أي حاضرة من حواضر الغرب. في صيف 1572 هبّ كاثوليك فرنسا في يوم سانت بارتلمي لقتل ما بين ثلاثين ألف الى ستين ألف بروتستانتي بالسكاكين والعصي والفؤوس، فهل نتخيّل مثلاً مثقفاً فرنسياً يتأوه في حانة باريسية اليوم ويبكي على الموروث المثقل برائحة الدم في تاريخ بلاده؟! لماذا يمكن أن يحصل ذلك في بيروت أو القاهرة اذاً وبخصوص حرب الردة أو صفّين أو معركة الزاب الكبير؟
وقد يقال أنّ «أكل لحم البشر» استعادته الحداثة نفسها، بين المستوطنين الانكليز في فيرجينيا الأمريكية، عندما حشرهم السكان الأصليون، فصاروا يأكلون بعضهم، وبين وقائع من الثورتين الفرنسية والروسية، لكن الليبرالي العلماني سيستدرك، بأن الغرب تعلّم، ونحن بعد لم نتعلّم. لكن اوروبا لم تتعلّم كي تعلّم. ليس بـ»التحضّر» توقف الناس عن التذابح فيها، بل بحربين عالميتين كارثيتين ما زال الاختلال الديموغرافي الناشئ عنهما داخل اوروبا وبينها وبين سائر الكوكب يجعلها عاجزة عن متابعة «التذابح» الا بشكل منحسر ومتواضع. في «الداعشوفوبيا» يتقصّد المتزمّت، مسلماً كان أو مسلماً اسلامياً، الاحتماء من مطاعن الاسلاموفوبيا، ويصطنع لنفسه صفة معتدل ومستنير بلا أي جهد تنويري. على العكس تماماً: يطلق العنان لنزعته «التكفيرية» .. ضد «التكفيريين». مشكلته مع مواطنيه المنتقلين الى «داعش» عصيانهم أولي الأمر. أما الليبرالي العلماني العربي النمطي، فيحسبها فرصة: فرصة لتمرير «الاسلاموفوبيا» نفسها، اي الاقرار بأنه دين عنيف ينبغي اخماده، وكائنات خطرة ينبغي تعقيلها، فيعيد المسلمون تأسيس دينهم وذواتهم على محراب الاسلاموفوبيا نفسها!
داعش تقتبس اسلامها عن «الاسلاموفوبيا» على سبيل الوجوب، وأخصامها يقتبسون «الداعشوفوبيا» من «الاسلاموفوبيا» نفسها، سواء بقصد «تبييض مال» المتزمّتين وخلع الألقاب التنويرية عليهم، أو بقصد التبختر بالخرقة نفسها بين النصوص، خرقة «الإسلاموفوبيا»، كما لو كانت هي، «المنقذ من الضلال».
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة