الإسلامويون والحكم

حجم الخط
0

د. فايز رشيد النجاحات التي حققتها الأحزاب الإسلامية في الانتخابات التشريعية، في كل من تونس والمغرب ومصر مؤخراً، كانت متوقعة، فأحداث وسوابق كثيرة أشرّت إلى هذه الإمكانية، وإذا كان لكل حزب منها خصوصيته في البلد التي يعمل فيها، لكن قاسماً مشتركاً يجمعها، أيضاً ومع تلك الأحزاب الشبيهة التي لم تحقق هكذا نتائج في انتخابات بلدانها. بدايةً لنعترف أن هذه النجاحات لم تكن لتتحقق لولا التراجع الملموس والإخفاقات العديدة التي واكبت مسيرة الأحزاب العلمانية واليسارية والقومية والليبرالية العربية في السنوات الأخيرة، بفعل ظروف موضوعية كثيرة لعل من أهمها: انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية، وتأثيرات ذلك على أحزاب اليسار والنظرة إليها محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً. بالطبع ليس الموضوعي هو سبب التراجع الوحيد، فالعوامل الذاتية لها النصيب الأكبر في جملة الأسباب، فهذه الأحزاب في معظمها: لم تخرج من أساليب عملها ومراوحة أيديولوجياتها وأفكارها ورؤاها السياسية في دوائر لم تتجدد كما هو مفترض، مع العوامل والحقائق الجديدة، الأمر الذي جعل من أزماتها تتفاقم، مع ظهور أزمات بنيوية جديدة. الطبيعة تكره الفراغ، لذا فإن الحركات الإسلامية بدأت في ملء الفراغ، وبخاصة أنها دخلت في طريق تلبية الاحتياجات الاجتماعية المادية لجماهيرها، وبخاصة أن قدراتها المالية كبيرة في الوقت الذي يعاني فيه الآخرون من الحصار المالي المستحكم. الأحزاب الإسلامية كان لها تجارب قليلة في الحكم، فباستثناء التجربة في السودان، ولم تكتمل، وتجربة الحركة الإسلامية في الأردن: في المشاركة في الحكومة لفترة محدودة، وتجربة غزة القائمة منذ أربع سنوات وما تزال، لم تكن هناك تجارب أخرى محسوسة، الأمر الذي يجعل من الأحزاب الأخرى تتخوف من إمكانية تسلم هذه الأحزاب والحركات للسلطة في بلدانها.

الحركات الإسلامية تحاول طمأنة الأحزاب الأخرى، بأنها لن تستولي على الحكم بمفردها، بل ستقوم بمشاركة الأحزاب الأخرى، هذا بالإضافة إلى وعودها بأن لا تقوم بتغيير القوانين السارية في بلدانها، ولا أن تقوم بأسلمة المجتمع من خلال فرض قوانينها.

كذلك يتخوف كثيرون من أبناء الديانات الأخرى من تسلم الإسلاميين للحكم، رغم وعود الحركات الإسلامية بتطبيق النهج الديموقراطي حيث تتسلم السلطة. وبمنتهى الصراحة نقول: أن تجربة هذه الحركات في بعض البلدان والأماكن، لا تؤشر إلى إمكانية تنفيذ هذه الوعود في الحكم.

فالحركات هي ذات أيديولوجيا، ولها رؤى سياسية محددة ولها برامج اجتماعية، الأمر الذي يجعل من ممارستها للنقيض في الحكم هو تفريغ لعناصر هذه الأيديولوجيا على طريق التخلي عنها، وهو ما يطبع هذه الحركات بسمات مناقضة للأسس التي قامت عليها. ولن ينطبق وصف ‘الليبرالية’ والحالة هذه على هذه الأحزاب.

صحيح أن تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا زاوجت بين الإسلامية والعلمانية، لكن ظروف تركيا بالضرورة مختلفة عن ظروف البلدان العربية التي تعمل فيها هذه الأحزاب، فتركيا عاشت العلمانية لعقود طويلة، وهو ما طبع الحياة التركية بالكثير من تأثيرات العلمانية، بالتالي فلا يجوز نسخ التجربة التركية على الواقع العربي، والنسخ في هذه الحالة سيكون ليس أكثر من مسخ. سابقاً حاولت الأحزاب اليسارية نسخ تجربة الاتحاد السوفياتي في بلدانها وفشلت، وتكرار تجربة التنمية والعدالة في تركيا سيؤدي إلى فشل شبيه.

من زاوية ثانية، فالتجارب السابقة بيّنت: أن الحركات الإسلامية وإن لم تناد بتطبيق برامجها الاجتماعية على مجتمعاتها، لكنها في الحكم قادرة على تحويل عناصر هذا البرنامج إلى قوانين، فتجربة غزة مثلاً وقوننة الحجاب وغيره من المظاهر الأخرى، وتجربة الحركة في الأردن، حيث انصبت الهموم على فصل الفتيات والفتيان في المدارس المختلطة، والفصل في المسابح وغيرها من المسائل التي تعتبر ليست ذات أهمية مع قضايا المعاناة الوطنية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً للمجتمعات العربية….. هذا عدا عن أن بعض الحركات لم تعانِ من منع النشاطات والحصار وإمكانية السجن، مثلما عانت العديد من الأحزاب والقوى اليسارية والقومية الوطنية في بلدانها، ففي عز الأحكام العرفية التي كان الآخرون فيها ممنوعين من العمل والنشاط، كانت بعض هذه الحركات تعمل أوج نشاطاتها، وفي الكثير من الحالات كانت هذه الحركات متكأً للأنظمة.

أيضاً فإن تجربة هذه الحركات على صعيد التطبيق الديموقراطي في ظل استلام الحكم لا تبشر بإمكانية تنفيذ هذه الوعود، ففي قطاع غزة على صعيد المثال، فإن حركة حماس ورغم إيمانها بأهمية العمل الفصائلي الفلسطيني المشترك، لكنها قامت بتقييد نشاطات الفصائل الفلسطينية الأخرى على الكثير من الأصعدة، ولعل أهمها: الحق في مقاومة الاحتلال، هذا بالطبع في ظل مرحلة التهدئة غير المباشرة التي توصلت إليها الحركة مع إسرائيل، فحماس تريد ممارسة السلطة على الجميع وفقاً لرؤاها الاجتماعية وتكتيكاتها السياسية، وهناك الكثير من الشواهد على هذا الصعيد.

نقول ذلك في الوقت الذي يوجد فيه منهج عام لهذه الحركات، فطبيعتها التنظيمية وعلاقاتها البينية: هناك القيادة العامة (الرأس) لها، وهو ما يحدد كل حركة في مجالات رؤاها للجانب التطبيقي في بلدانها. إن إحدى أهم السمات الجديدة للصراعات في بلداننا هي: الصراعات المذهبية والطائفية (والأخرى الإثنية) هذا ما حاولت الإمبريالية من تعميمه في المنطقة العربية، الأمر الذي يشي: بأننا على أبواب سايكس بيكو جديدة، تفتيتية لوحدة البلد العربي الواحد، وللأسف أخذت هذه الصراعات مدياتها في الكثير من الدول العربية، ولذلك يخشى الكثيرون من أبناء الأديان الأخرى من تسلم الحركات الإسلامية للحكم في بلدانها، وبخاصة في ظل وجود تيارات أصولية سلبية إسلامية (أيضاً حققت نتائج في الانتخابات التشريعية) ترى في (النصارى) كــ(اليهود) من حيث العداء للإسلام ولذلك تتوجب محاربتهم. من زاوية أخرى، فإبان مراحل الربيع العربي، ولعل التجربة الأكثر لمساً فيما نقول هي: مصر، ففي الانتخابات التي جرت منذ بضعة أشهر، كان للإخوان المسلمين رأياً مناقضاً لكافة الأحزاب والقوى الأخرى، وفي التحركات الأخيرة في ميدان التحرير قاطع الإخوان ميدان التحرير، وكانوا قد نظموا تجمعاً خاصاً بهم في أسبوع سبق، فإذا كانت هذه الحالة تتم قبلا تسلمهم للسلطة، فكيف ستكون بعدها؟.

كان ملاحظاً تصريحات العديد من المسؤولين الغربيين والأمريكيين (ولعل التصريح الأهم كان من كلينتون وزيرة الخارجية) وفحواها: ‘أن هذه الدول لا تمانع في تسلم الحركات الإسلامية المعتدلة للحكم في بلدانها’. هذه التصريحات لم تأت إلا بعد حالات من الحوار طويلة جرت بين مندوبي هذه الدول، والعديد من الحركات الإسلامية. صحيح أن الولايات المتحدة تعاملت مع متغيرات الربيع العربي وفق ‘الممكن’ و’الموضوعية’ لكن بالضرورة فإن أكثر ما يهم هذه الدول بشكل رئيسي موضوعان: هو موقف هذه الحركات من العلاقة معها، كذلك الموقف من إسرائيل ومن معاهدة كمب ديفيد تحديداً، والطبيعي والحالة هذه ألاّ يأتي الترحيب إلاّ بعد تطمينات تؤكد على استمرار العلاقة مع هذين العاملين وفق ما كانا.

صناديق الاقتراع أفرزت تقدم الحركات الإسلامية، من حقها بالتأكيد تسلم السلطة، لكن الأضمن والأفضل هو الائتلاف مع كافة الأحزاب والقوى اليسارية والقومية الوطنية والليبرالية الأخرى، في تجربة الحكم.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية