الإسلاميون والحكم: تحديات جديدة

حجم الخط
3

من أهم الدلالات التي يمكن تسجيلها تعليقا على التحولات الجارية في العالم العربي هو: محورية الشعب في أي عملية تغيير سواء بالنسبة لنموذج الثورات أو بالنسبة لخيار الإصلاح في ظل الاستقرار فإن دور الشعب كان دورا أساسياـ خصوصية البيئة المغربية وتوفرها على مجموعة من الخصائص التي تجعله قادرا على تطوير تجربته الديموقراطية بطريقة مختلفة عن سياقات عربية أخرى: طبيعة النظام السياسي، طبيعة النخبة السياسية، توفر المغرب على تقاليد الدولة.
الثورات التي وقعت في العالم العربي ونجحت في إسقاط رموز أنظمة دكتاتورية، كانت لها تكلفة باهظة من الدماء والشهداء ودمار البنيات التحتية، كما أن صعوبة المرحلة الانتقالية والثورة المضادة التي تقودها فلول الأنظمة السابقة تجعل الأفق مفتوحا على جميع الاحتمالات.
في المغرب هناك شكوك قوية حول مدى اقتناع الجميع بأن هناك خيار وسط بين الجمود والثورة هو خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، ومع ذلك فإن مسار الإصلاح هو مسار تطوري تراكمي تصاعدي ستعترضه الكثير من التحديات والصعوبات وهو ما يتطلب التأكيد على ضرورة الاستمرار في ترسيخ قيم التدافع.
الآن نحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الكبير هو ضرورة إنجاح التجربة، بكل ما تعترضها من صعوبات وعراقيل.
إن إمكانيات النجاح في هذه التجربة ليست مسؤولية الحكومة بأكملها وليست مسؤولية الحزب الذي يقودها لوحده، ولكنها مسؤولية جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين، من أجل وضع المغرب في سكة الديموقراطية الحقيقية وفي سكة الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي والقطع مع جذور الفساد والإفلات من المحاسبة والمراقبة.
قوى الإصلاح اليوم في موقع يؤهلها لتفكيك بنى السلطوية من الداخل وهي أمام فرصة تاريخية لم يسبق لها أن استفادت منها في مراحل سابقة…ومع ذلك فإن المرحلة الجديدة تحمل تحديات جديدة لم تكن تظهر لها في زمن ‘المحنة’.
نعم، نستطيع القول بأن تجربة الحركة الإسلامية في المغرب استطاعت تجاوز بعض التحديات التي تظهر اليوم بالنسبة للتجارب المقارنة في العالم العربي تحديدا، من قبيل التمييز بين المجال السياسي والمجال الدعوي وضبط الحدود الفاصلة بين مستلزمات العمل داخل الجماعة الدعوية ومتطلبات العمل داخل حزب سياسي، والتمييز بين منطق السلطة ومنطق الدعوة.
لكن مع ذلك، فإن حداثة تجربة إدارة شؤون الحكم بالإضافة إلى حداثة تجربة تنزيل المقتضيات الجديدة للدستور، وكون الحزب الأول مجرد شريك في الحكم وليس حزبا حاكما بالمعنى السائد في الدول العريقة في التجارب الديمقراطية، وبالنظر إلى الطبيعة الانتقالية للمرحلة التي تفرض اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية ..كل هذه المعطيات تؤدي إلى تأكيد صعوبات المرحلة وتعقيداتها المختلفة، وهو ما يجعل المواطن العادي يطرح الكثير من الأسئلة حول مآلات انتظاراته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
بالإضافة إلى ما سبق، تعترض الإسلاميين بعض الإشكالات المرتبطة بموقع الدفاع عن الهوية في المرحلة الجديدة، خصوصا من موقع قيادة القرار السياسي، وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى توضيح الرؤية بخصوص صراع القيم الذي تنساق وراءه الحركات الإسلامية في كثير من الأحيان بدافع العاطفة الدينية والغيرة على المعتقد.. هنا وجب التحذير من الاستدراج إلى معارك مفتعلة، ذات طبيعة هوياتية بالدرجة الأولى، تسهم في التشويش على جدول أعمال البناء الديموقراطي.
هناك اليوم، إصرار غريب من طرف جهات متعددة على فرض نقاش عمومي حول قضايا بعينها: حكم المرتد، حرية المعتقد، المرأة في السينما، حرية الجسد، إشهار القمار، زواج القاصرات، عصمة الرسول، حرية الفن، إلى غير ذلك من الموضوعات التي يراد لها أن تحتل مساحة كبيرة في التداول العمومي..
في هذه المرحلة، أتصور أن الإسلاميين مطالبين كثيرا بضبط النفس، وعدم الانسياق وراء بعض الاستفزازات الفكرية خاصة منها التي تفتقر إلى أجوبة ناضجة، والتحلي بأعلى درجات السكينة وتفويت الفرصة على البعض الذي يريد إشغال الرأي العام بهذه القضايا على حساب أولوية بناء الديموقراطية الحقيقية وحسم إشكاليات توزيع السلطة والثروة..
لكن هل معنى ذلك التفريط في تعزيز المرجعية الإسلامية والدفاع عن الهوية؟ لا ليس هذا هو المقصود. إن إقرار الديمقراطية الحقيقية هو السبيل إلى تعزيز المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع وتأكيد الصدور عنها في السياسات العمومية للدولة، وهو السبيل لدعم الهوية الوطنية في أصالتها وتعدديتها وتكامل مكوناتها، فالديمقراطية في الجوهر هي إعلان لسيادة الإرادة الشعبية كما أنها في السياقات العربية عموما، حيث المجتمعات العربية متمسكة بمرجعيتها ومعتزة بهويتها وبانتمائها الحضاري، لا يمكن أن تفرز في النهاية سوى سياسات عمومية ترعى ذلك، ولا يتصور غير ذلك إلا إذا تم التمكين لديكتاتورية أقلية بطرق غير ديمقراطية، توظف مواقعها لغرض مرجعيات وهويات أخرى ونظام أخلاقي غريب عن المجتمع المغربي..
إن موقع تدبير الشأن العام يختبر بالملموس القدرة التجديدية للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ومدى قدرتها على إبداع مقاربات وممارسات وبرامج ملموسة فيما يتعلق بعدد من القضايا ذات الصلة بقضايا الحرية والديمقراطية، وما يرتبط بها من قضايا الحقوق الفردية والجماعية وحقوق المرأة وقضايا التعددية الفكرية والسياسية.
يتأكد هذا التحدي أيضا بالنظر إلى أن البلاد العربية والإسلامية هي جزء من المجتمع الدولي ومنخرطة فيه، فتصديق المغرب مثلا على عدد من الاتفاقيات الدولية، وانخراطه في عدد من الشراكات من قبيل الشراكة من أجل الديمقراطية، واستحقاقات الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي، كل ذلك يلقي على الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية باعتبار وضعها الجديد مسؤولية الانتقال من وضع الدفاع المحكوم بالهواجس الهوياتية إلى وضع الفاعل في الحوار من أجل تطوير منظومة حقوقية كونية حقيقية تمثل رسالة رحمة للعالمين وتؤمن بالتعارف بين الشعوب والثقافات المتنوعة.

‘ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية