لست فقيها إسلاميا ولا متعمقا في الأديان عامة أو في الإسلام خاصة، لكن ولدت من أبوين مسلمين، فنشأت مسلما واعتدت أن أصلي وأصوم بغير انتظام ولا أزكي، وفي عدم الزكاة لا تقصير أو معصية أرتكبها، فليس لدي فائضا من المال أزكيه، ولم أحج وفي عدم الحج لا تقصير أو معصية أيضا، لأن ديوني تحول دون حجي، فالله يمهلني ويقبل التأجيل، أما الدائن فلا يطيق تأخير السداد ويحب التعجيل. لكن أبقى مقصرا في صلاتي وصومي غير الكاملين. ما ذكرناه يخص العبادات المباشرة والفروض، وما يخص المعاملة فسيأتي ذكره لاحقا.يحب الإنسان خالقه ويخشاه بالفطرة، وتدفعه إنسانيته نحو السلوك السليم بالفطرة أيضا، مَن مِن خلق الله لا يعلم أن الصدق فضيلة والأمانة فضيلة، وأن الكذب والمغيبة مذمومتان والزنا فاحشة ورذيلة وأن السرقة رذيلة ومعصية تأباها النفس السوية، وأن قتل النفس بغيا وظلما ذنب لا يغتفر. دلوني على دين سماوي أو غير سماوي يعتنقه ملايين الناس، لا يدعو لمكارم الأخلاق أو يدعو لإباحة القتل والسرقة والزنا والشذوذ الجنسي أو يحلل الكذب والنفاق. وفي دين الإسلام.. دلوني على مذهب من مذاهبه لا يوحد الله ولا يؤمن بنبوة محمد بن عبد الله، أو لا يتخذ من القرآن الكتاب المقدس الأول له، أو يتوجه لقبلة غير الكعبة المشرفة.دلوني على شعوب غير شعوبنا العربية والإسلامية ما زالت تشهر السيوف بوجوه بعضها البعض لأن قسما منها يعرب عن سخطه على شخصيات طواها التاريخ منذ قرون. دلوني على شعوب تتقاتل فيما بينها من أجل شخصية تاريخية كان لها ما لها وعليها ما عليها، هل من المقبول أن يكفّر فريق مسلم فريقا مسلما آخر لأنه يخالفه بتفاصيل ليست ذات صلة بأبجديات الإسلام؟ هل لغير الله محاسبة الناس على أعمالهم ومعتقداتهم؟ وهل من شريك لله في سلطانه ولديه الحق والقدرة في أن يرسل على هواه عباد الله إما للجنة أو للنار؟على اتساع مساحة المكان والزمان، وفي مختلف الأماكن والعصور، اعتدى أناس كثيرون على طهارة كافة الأديان وفسروا غاياتها ومفهومها كما يشتهون، فمنهم من انخرط ‘بكهنوت ديني’ باعتباره مؤسسة نفعية مقدسة الطابع تجلب له المال الوفير والمنصب الرفيع (الكهنوت قد يكون مسيحيا أو إسلاميا أو يهوديا أو بوذيا أو هندوسيا.. الخ). وقد اعتاد الإنسان الكهنوتي وبموجب سلطته الروحية إصدار الفتاوى وأحيانا الأوامر بالنيابة عن الله. ‘الإسلام القادم’.. هو موضوعنا في هذا الخطاب، وما كتبته كان مقدمة توضيحية، الغاية منها إلقاء الضوء على طبيعة العلاقة الأزلية بين الإنسان والدين التي يشوبها في الغالب التعدي على نقاء الدين لمصلحة السياسة الخالية من النقاء، أي لمصلحة السلاطين ووعاظهم الأكثر من الهم على القلب، وهؤلاء لا يحتاجون لأكثر من نيل شهادة الشريعة (السهلة المنال)، ليتاح لهم توقيع عقود عمل مع أي نظام عربي استبدادي ومحتكر للسلطة، ثم تأهلهم عقودهم لاعتلاء منبر رسول الله في جميع مساجد البلاد، ومن أجل ‘تحليل الراتب’ يتسابقون فيما بينهم من فوق المنابر، ليشيدوا بصاحب السلطة ويجملوه وليدينوا معارضيه ويقبحوهم، وفي الطريق لا يفوتهم تقرير المصير الأخروي لعباد الله فيعدون المخالفين لهم أو المختلفون عنهم بالمنهج أو بالطائفة والمذهب، بالنار التي وقودها الناس والحجارة، ويعدون من والاهم وأطاع ولي أمرهم بجنة عرضها السماوات والأرض. أحلم بإسلام قادم.. يرفض القائمون عليه إسلام السلاطين ووعاظهم، ويستوعب شتى المذاهب التي انبثقت منه عبر العصور الفائتة،وينبذ الغلظة في القول والتكفير وينادي لعبادة وطاعة الله بالترغيب لا بالترهيب والتكفير، فالتكفير يعني التعدي على ملك الله ورحمته وهو ليس من مهام البشر الذين لا يملك أحدهم مفاتيح أبواب الجنة والنار.أحلم بإسلام قادم.. يرعاه عقلاء الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبهم ويتسامح مع كافة المذاهب والأديان، أحلم بإسلام يقول لنا: كل أبناء آدم سواسية وأفضلهم عند الله أتقاهم، ولا عدو لله والإنسان غير التكفيري ومرتكب الكبائر والباغي والمستكبر والمحتل لأرض ومقدسات الغير والسالب لثرواتهم. عمر عبد الهادي[email protected]