قبل زهاء عشر سنوات، تنبأ ميشال ويلباك بمصير فرنسا. كتب رواية «استسلام» (صدرت ترجمتها عن دار الجمل) وحكى فيها عن انتخابات في بلده، يتصارع فيها حزبان. الأول هو اليمين المتطرف والثاني تحالف إسلامي. يظفر الطرف الثاني بالانتخابات، مستفيداً من دعم مسلمي فرنسا له. هذا السيناريو لم يتحقق، لأن اليمين المتطرف كسب الانتخابات البرلمانية، في دورها الأول (هذا الأحد) لكن ويلباك لم يجانب الصواب، عندما تحدث عن تحالف إسلامي في فرنسا.
ليس المقام ملائماً قصد الخوض في آراء ويلباك الجدلية، ولا الحديث عن مواقفه من الإسلام، لكنه غير قصد منه رسم ملامح فرنسا، كما شاهدناها هذه الأيام، حيث تصارع في انتخابات البرلمان اليمين المتطرف ضد اليسار المتطرف، الذي تبنى الإسلام خياراً له. ليس دفاعاً عن هذا الدين بالطبع، وإنما في مغازلة المسلمين الفرنسيين، من أجل كسب أصواتهم.
استطاع جان لوك ميلانشون (1951) زعيم اليسار المتطرف، أن يقنع المسلمين بمشروع مغرٍ ظاهرياً، لكن يتعسر عليه إنجازه في الواقع. المسلمون ابتلعوا الطعم وساروا خلفه. صار ميلانشون مثل شيخ جماعة يرجو مبايعة الأنصار والمهاجرين له. استعان هذا اليساري العتيد بعلم فلسطين، في تجمعات انتخابية، مع أنه لا يعرف من خريطة فلسطين إلا غزة، فرأى فيه المسلمون فاتحاً مثل صلاح الدين. رطب لسانه باسم فلسطين، مع أنه لم يقرأ غسان كنفاني ولا محمود درويش، المهم أن يحشد الناس من حوله، وكلما ردد كلمة فلسطين زادت الهتافات والتصفيقات. عرف أن المسلمين بوسعهم أن يملأوا صناديق الاقتراع، فطالع القرآن، لكنه لم يفقه سوى آية: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». وعدو جان لوك ميلانشون هو اليمين المتطرف.. هذا اليمين جعل من الإسلام كذلك حجة في بلوغ السلطة، كسب متعاطفين معه بالطعن في الدين وفي تخويف الناس من المسلمين، بينما اليسار المتطرف، بقيادة ميلانشون، جعل منهم ملائكة لا حياة دونهم.
اليمين واليسار المتطرفان يتزاحمان من أجل الحكم، والطريق يمر على باب المسلمين في فرنسا. الأول يصوب بندقيته صوبهم، والآخر ينتصب حماية لهم. هكذا صار الإسلام قضية فرنسية وشأناً داخلياً. وصار له إمام اسمه جان لوك ميلانشون. منذ سنين قليلة اكتشف هذه الديانة، وسخر لسانه في مغازلتها، فهل يجب على المسلمين أن يثقوا فيه انتقاماً من اليمين المتطرف؟ أم يحذروا منه ويدركوا أن الرجل لا يرى في المسلمين سوى سبيل يوصله إلى سدة السلطة؟
متى يصير المسلم مواطناً فرنسياً؟
ليس من السهل أن يكون الشخص مسلماً في فرنسا. إذا كان أجنبياً من بلاد أوروبية أو من أمريكا اللاتينية، فسوف يشار إليه حسب بلد المنشأ. وإذا كان من الجزائر أو مصر أو العراق أو أفغانستان، فلا أحد يهتم بالمنشأ، ويشار إليه حسب الديانة. إذن الإسلام هوية وليست ديانة في نظر الفرنسيين. هو قضية مجتمعية وليس مسألة سياسية، يمكن حلها بقرار أو تعليمة. لكن هذا التفصيل لا يراعيه جان لوك ميلانشون، من أجل الوصول إلى الحكم يوزع صكوك الغفران على من يصوت له من المسلمين. يعدهم بالجنة ويعلم أن كلامه ينفصل عن الواقع. يترقب هجوماً من اليمين المتطرف على المسلمين، كي يبادر بهجوم معاكس. لا يتحرك في نصرة مواطنيه المسلمين، إلا إذا أصابهم أذى من معسكر مارين لوبان، لذلك أعد برنامجاً انتخابياً، لا جديد فيه، سوى أنه يعاكس ما يذهب إليه اليمين المتطرف. مثلاً يعد بالاعتراف بدولة فلسطين. مع أن هذا الأمر لا يفضي إلى وقف الحرب في غزة. اعتراف رمزي بينما الأطفال والنساء يستهدفون كل يوم. زعيم اليسار المتطرف لا يخبر المسلمين ما هي خطته في وقف الحرب، فالمهم أن يكسب ود المسلمين بالإقرار بفلسطين، من غير أن يخبرهم ما هي المساعدات التي سوف يؤديها إلى فلسطينيي الداخل، وما هي القرارات التي سوف تتخذها فرنسا في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.
يطرح ميلانشون نصف الحل، ويترك الأمور عالقة على أرض الواقع. يعد كذلك بقوانين ضد الإسلاموفوبيا، لكنها قوانين موجودة في الأصل. يعلم أن منتخبيه لا يبالون بالقانون، فيقدم لهم خدمة (صاغها القانون سلفاً) كأنها مزية منه إزاء المسلمين، ثم يشرع في تلاوة وعود أخرى، لا تخرج عن الشعبوية، مثلاً يعدهم بسكنات اجتماعية، وتسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين (انتقاماً من اليمين المتطرف) وككل مرة يقدم وعوداً، من غير أن يفيد منتخبيه بالسبيل في تحقيقها على أرض الواقع.
حركات الجسد التي تفضح الوعود
جان لوك ميلانشون، يحسب له فن الخطابة، التي تعلمها من فرنسوا ميتران. يتكلم مثل نهر يجري. عندما يمسك الميكروفون أمام الحشود، لا يصمت قبل أن ينتهي وقت المداخلة. جل كلامه في هجاء اليمين المتطرف، والتبشير بالحلم الذي يحمله اليسار المتطرف. لكن يهمنا عندما يتحدث عن المسلمين. في تلك الأثناء سوف تتغير نبرة الرجل وحركات يديه ووجهه. عندما يتحدث عن الإسلام والمسلمين لا ينظر إلى المستمعين بشكل مباشر، بل يزيح بصره إلى جنب، ما يوحي بأن الرجل لا يثق في كلامه. يتفادى النظر في أعين الناس، الذين يجلسون قبالته، كأنه يشعر بخجل أو توتر من الكلمات التي يتلفظ بها. عندما يتحدث ميلانشون عن المسلمين نرى حاجبيه في حركة كذلك. مما يعبر عن اضطراب في تلك اللحظة. حركات جسد الرجل من شأنها أن تفضح قناعاته. ومن أجل ألا يشعر الناس بالملل من الاستماع إليه، يستعين بيديه. كل جملة ينطقها ترافقها حركة باليد. إذا كان غير واثق من وعوده إزاء المسلمين، فهو حريص على أن يضمن تعاطفهم معه، بتحريك يديه، في كل مرة، كي يضمن ألا ينصرفوا عنه. يستعين بيده اليسرى أكثر من اليمنى، هكذا هي الخطابة على طريقة ميلانشون، وعود تليها وعود، من أجل أن يملأ المسلمون الصناديق باسمه، مع أن الجميع يعلم أن برنامجه يشبه الحلم لا الواقع، وأن المسلم سوف يستيقظ في اليوم التالي، من غير أن يتغير شيء في حياته، كما إن حياة الناس في غزة لن تتغير، وأن مأساتهم يستغلها شخص في باريس، من أجل مكاسب في انتخابات لا أكثر. كسب ميلانشون المسلمين في صفه، ونصب عداء إزاء مواطنيه، فرفع من شعبية اليمين المتطرف. المسلمون تعاطفوا معه، لكن اليمين المتطرف كسب الانتخابات. هل يعلم المسلمون في فرنسا أنهم كانوا وقود هذه الانتخابات؟ حزب يستغلهم، في غفلة منهم، وآخر يستفيد من معاداتهم؟
كاتب جزائري