الإشارة إلى بلاغة العبارة: مقاربة في قصائد قصيرة لممدوح عدوان

حجم الخط
0

د. إبراهيم خليلمن الظواهر اللافتة في الشعر العربي الحديث شيوع ما يعرف بالقصيدة القصيرة، أو القصيدة التوقيع، سميت بذلك تشبيها لها بالتوقيعات، وهي رسائل نثرية موجزة جداً، شاعت كتابتها في العصر العباسي. ومن الناس من يسميها القصيدة الومضة، على أن العبرة ليست في الاسم، وإنما هي في المفهوم الذي تفصح عنه هذه القصيدة، التي تمثل نوعاً جديداً يعتمد- فيما يعتمده – على الإيحاء، وعلى العبارة الموجزة، وربما على الإشارة البليغة التي تفاجئ القارئ فيما تنتهي به، إذ من الشائع، في هذا اللون من الشعر، أنْ يخالف الشاعرُ، في خاتمة النصّ، توقع القارئ، فينتهي بما لم يخطر له ببال، ومع ذلك لا يبدو الأمر قلباً متعمّداً لمسار القصيدة، ونموّها الخطي، واتجاهها نحو نقطة معينة جرى التخطيط لها، والتمهيد لأجلها في المطلع، وإنما هو نسجٌ يقود إلى هذه النهاية، ولتلك الغاية، شاء القارئ ذلك، أم أبى.

مخطط القصيدةففي قصيدة لممدوح عدوان (1941-2004) بعنوان (ممْسحة) ما يوحي بأنَّ الموضوع بسيط جداً، وعادي، ولا يستحق أن يكون موضوع قصيدة، أصلا، وقد جاء مخطط القصيدة الشكلي على هيئة معروفة وهي هيئة الحكاية السردية القصيرة، فالمتكلم يمتلك ما يمتلكه غيره من الناس، وهو تلك القطعة من النسيج الخشن (الخيش) التي ينظفون بها أحذيتهم شتاءً، وصيفاً، أمام مداخل البيوت، حفاظاً على نظافة البلاط والأثاث:

كانت لديّ ممسحةأدوسها متى أشاءكي لا ألوّث الأثاث في بيوتنا أو في بيوت الأقرباء فالحكاية ها هنا توحي بتسلسل نثري، واطراد غير شعري، فعدا الوزن والقافية (أشاء، أقرباء) لا يوجد في النص ما يوحي بالشعرية، والشعر. غير أنّ الشاعر يدلي على لسان المتكلم بما يوحي إيحاءً غير مباشر بأن هذه القطعة من النسيج الخشن ما هي في الواقع إلا دالٌّ تحرّر من وظيفته الاصطلاحية، ومن مدلوله المعجمي، وانزلق ليصبح ذا مدْلول شعريّ، وذلك عندما يصفُ المتكلـّمُ تلك الممسحة بالخضوع، وأنها لا ترفضُ ما ُندبتْ له من وظائف مهينة، وهي أن تكونَ موطئ أحذية الداخلين، والخارجين، من الأقرباء، والأصدقاء، فضلا عن المالكين. فهي تخضعُ لهذا الوطء الثقيل في بعْض الأحيان، المُمِضّ في أحيان أخرى، دون أن تبدي تألماً، أو شكوى، ممّا تَتَعَرّضُ له من ضروب الإذلال المستمر:

كانتْ إذا ما دُسْتها وحينما أرصّ فوقها الحذاءتنزّ ماءً آسناً وأستريحُ دائماً لما تبديهِ من خضوع ونستطيعُ القولَ: إنّ ما سبق من القصيدة يمثل نصفها الأول، أما النصفُ الثاني فهو الذي يشهد حدثا مفاجئاً ينضمّ إلى السابق بقوله ‘وذات يوْم’. فما الذي جرى في ذلك اليوم؟

فاجأني صوتٌ كأنه توجّعٌ مريعأحسستُ نبضها يمرّ في الحذاء يهزّني، يصْعَقني كالكهْرباء كأنني سمعتُ صوْتا.. نهدةً مكبوتة البُكاءْ ويبدو المتكلم، في هذا، غيرَ مُتحقّقٍ ممّا يُحس به، ويسمعه، ويراهُ. كأنما هو لا يصدق عينيه، ولا مسمعيه، وهذا أسلوبٌ لجأ إليه الشاعر لإقناع القارئ المتلقي بغرابة الموقف، وبالتالي بسلامة الفكرة، لأنها لم تأت منه؛ فالمتكلم نفسه يروي لنا ما يرْتابُ في صحته، ويشكُّ في وقوعه، مع أنه في غاية اليقظةِ، والوعي بما يرْوي:

طأطأتُ رأسي وانحنيتْكأنّني أهمّ بالركوع، نظرتُ صَوْبَ موْطئ القدَم فاجأني نهرٌ من الدموعالمفارقة المدهشةيتبيَّن في ضوء هذا التحول لمسار القصيدة أنّ ما كان يَذكرُهُ المتكلم على سبيل الظن، تحول إلى يقين، فعندما انحنى حتى كاد يلامس بجبينه الخيش الذي منه نسيج تلك الممْسحة، اكتشف دمعاً غزيراً يتدفق من النسيج (الجماد) دليلا على توجّع مريع، وألم حادّ فظيع، ونبض مُفجع، يمتلئ بالحزن، ويفيض بالأسى. ومن الطبيعي ألا يتوقع القارئ هذه الإيحاءات في الأبيات الأخيرة، من هذا النصّ المكثف جداً. وهذا هو الذي يضفي على القصيدة صفة المفارقة المدهشة، فالخضوع المستمرّ، المتراكم، لزمن طويل، تحوّل إلى شكوى، وإلى نزيفٍ داخلي، وإلى ثوْرَة، لكنها ثورة تصطخبُ بصمْتٍ، كونها لا تستطيعُ التعبيرَ عن ذاتها إلا بلغة الدموع.

يستخلصُ القارئ، بلا ريب، أن هذه الممسحة لا تقل عن أي تعبير يختاره الشاعر رامزاً به لمن يداسون باستمرار، ولا يُظهرون ـ وقد اعتادوا أن تطأهم الأقدامُ، والأحذية، سواء منها أقدامُ الأصدقاء، أو الأقرباء، أو المالكين ـ غيْرَ الصبْر، والخضوع، لكنّهم، في نهاية المطاف، ينفجرونَ في وجه من يدوسونهُم، انفجاراً مفاجئاً، غير متوقع، قد يعبّر عن ذاته بالتوجّع مرة، وبالنبض الصاعق مرّة، وبالنزفِ الداخلي، والدموع، التي تذرف بلا حسابٍ، مراتٍ أخَر. قصيدة قصيرَة، نعم، لكنها صيغت صياغة شعرية مُحْكمة، أدّى فيها السرد ذو الطابع الزمني، التسلسلي، دوْرَه، فجاءت كما لو أنها متواليات تتخللها حوادث صغيرة، يصل بينها المتحدث الذي يتكلم في القصيدة متباهياً، لا بما تبديه من شكوى، وإنما بما تبديه من خضوع، واستكانةٍ، وخنوع، وهو أول من يُصغي لأوجاع هذا الكائن غير الحيّ، وهو أول من يتأثر بتلك الأوجاع، اهتزازاً تارَة، وصعقاً تارة أخرى، وهو الذي يقع بصرُه على الدموع التي هي الشاهدُ الوحيدُ على المظالم الكبيرة التي تلحقُ بهذا الكائن، الذي سرعانَ ما يتحولُ، في مجالِ الرؤية الشعرية، إلى ما يشبه الكائنَ الحيَّ، أو ـ بكلمة أدق- إلى إنسان.

الغريبُويكرّرُ ممدوح عدوان هذه الطريقة في بناء القصيدة مِراراً، ففي قصيدة ‘ الغريب ‘ نجد الإشارة البليغة الموحية تلخص أو تكثف- بكلمة أدقّ ـ موضوع القصيدة. فالغريبُ فدائيّ فلسطيني يقاتلُ هو ورفاقه، فيُقتلونَ واحداً تلو الآخر، فيقاتل وحدَه، حتى النبضة الأخيرة، بذخيرة وبلا ذخيرة، وذلك دفاعاً عن قرية وُلد بعيداً عنها، فهو لم برَ فيها حجراً، ولا بَشراً، ولا يعْرفُ ـ على الأقلّ- أين تقع. يُعْوزُه كلُّ شيءٍ، بما في ذلك الجدارُ الأخير، أو الظهير، الذي يسعي للاستناد إليه في معركته الأخيرة هذه، فماذا يفعلُ غير الاستناد على ذراعه إذ يضيق عليه الحصارُ، وتقتربُ النهاية:

يمدّ كفهُ فلا يرىلظهْرهِ جداروحينما هوى رفاقهوضاقَ حوله الحِصارولم يجدْ لظهرهِ جدارْ أسند ظهرهُ إلى ذراعهِ، ثمَّ ارتمى، وفمهُ مُعبّأ دماًوفوق وجْههِ تراكمَ الغُبار يكتفي ممدوح عدوان بالإشارة البليغة، الموجزة، مضيئاً بها أرجاء هذا النصّ من الداخل، مؤكداً أن صورة الشهيد لا تحتاج لأكثر مما ذكر من التفاصيل، فعبارة واحِدة ‘وفوق وجْههِ تراكم الغبار’ تعبّر عن الفكرة، وتنقل لنا المعنى نقلا لا يخلو من تصوير، وهذه هي بلاغة التكثيف. وتتكرّر الطريقة هذه، أيضاً، في قصيدة أخرى قصيرة، وهي قصيدة ‘وداع ‘ التي يختصر فيها المسافة بين قول الشهيد لأصدقائه إلى اللقاء، وعودته محمولا على الأكتاف، أو الرؤوس. فأنْ لا يمد المقاتل يده لأصدقائه مودّعاً مكتفياً بمد رأس البندقية، وأن يتحدى الخصم، وأن يغيب عن الأعين زمناً يخوض فيه مستنقع الحرب من مصرع لآخر، فذلك شيءٌ عاديٌّ جداً، ولا يحتاج إلى لمَسات:

خاض البلاد مصرعاً فمصرعاًحتى أتوْا به ِوكانَ محْمولا على الرؤوس وعلى هذا النحو جاءت العبارة الأخيرة لتضيء لنا النصَّ المكثف، بصفةٍ عامّة، فالقصيدة شأنها في ذلك شأن أيّ قصيدة قصيرة، تبدو سلسلة من محمولاتٍ متباعدة، أوْ مُتمحْورَة حول شيءٍ واحد، لكنَّ الخاتمة التي لا تتجاوز في الغالب، والأعمّ، مثل هذه الجملة القصيرة، تلقي الضوء على مغزى هاتيك المحمولات، وهذا هو ما نراهُ ـ فعلا- في قصيدةٍ له بعنوان ‘الصحْراء’ التي يتحدث فيها على لسان متكلم يختاره مستخدماً، مع ذلك، ضمير الجماعة (نحن) بدلا من الفرْد، واصفاً بعض الأحوال المعروفة في الصحاري: كقلة الماء، واحتباس المطر، والإحساس بأن الحياة والموت صنوان لا يفترقان، فهما من شدة الشظف كالشيء الواحد: نبحث عن قطرة ماءننتظرُ الغيث فلا يأتيمن أيِّ سماءْكنا قوما لا نعرفُ إن كنا موتى أمْ أحياء وتلي هذه الوحدة، في النصّ، أبيات أخرى قليلة جداً، تنحو بمسار القصيدة منحىً آخر، إذْ ينبجسُ الماءُ من الرمال في أعقاب غارة شعْواءَ شنتها طائرة مُعاديَة:

حين أتتْ طائرة الأعداءقصفتنا ألقتْ كلَّ قنابلها فتفجّر نبْعُ الماءْ وما من شكّ في أن هذه الصورة الأخيرة تلقي الضوء كاشفاً على النص، فما كان من ذكرٍ للصحراء، وما كان من ذكر للجفاف، والظمأ، والقحْط، وشظف العيش، ليسَ سوى مجموعةٍ من العتبات، أو العلامات، التي حرَّرها الشاعرُ من دلالاتها الاصطلاحية، ليجعلَ منها تعبيراتٍ رمزية عن انبثاق الحياة من العدم. فنبْع الماء ـ ها هنا- هو أيضاً دالّ تحرر من مدلوله الأصلي، التقليديّ، ليعبّر عن طريق الإيحاء عن مغزى القصيدة الأساسيّ، وهو أنّ قصف الأعداء وسقوط الشهداء لا يعني الهلاك والموت إلا في نظر الناس الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، فالموتُ، والشهادة، في عقيدة المتكلم، ميلادٌ جديد، وطريقٌ للحياة معبّدة، حياة لا يعاني فيها الناس لا من الظمأ، ولا من فقر، ولا من عوَز، ولا من شظفٍ، فالقصيدة- إذاً- بعبارة موجزة بليغةٍ، اكتملتْ من حيث الشكل والمعنى، وبدلا من أنْ يظن القارئ بالمتكلم ظنَّ السوء، وبأنه يتسلى بما يرويه ممّا هو مألوفٌ، ومعروفٌ، عن الصحراء، إذا به، بتلك الإشارة، يجعل من النص الشعري نصاً خصباً ثرياً يتنقل به من المسير في اتجاه يوحي به الوهمُ، إلى المسير في اتجاه آخر، هو الاتجاه المضاد. * ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية