الإصغاء واقتناص الحكي

منذ أيام كنت اقرأ في كتاب «فن الإصغاء» لإيريش فروم، وترجمة محمود الهاشمي، وهو نوع من الكتب التي قد لا تستمتع بقراءتها نسبة لما تحمله من معارف كثيرة قد لا تكون مطلوبة، ونظريات فلسفية جافة إلى حد ما، ولكن لا بد أن تكمله لتحس بأنك عرفت شيئا لم تكن تعرفه من قبل.
الموضوع الذي يتطرق إليه الكتاب غالبا هو فلسفة الأخلاق، بمعنى أن تنصت باتزان إلى محدثك مهما كان ما يقوله غير جدير بسماعه، ما دمت اخترت أن تنصت إليه. إنها نظرية قد تبدو مجحفة، وبعض الذين يحكون لا ينقطعون عن الحكي بسهولة، وإن وجدوا آذانا صاغية استمروا، وهكذا يضيع وقت طويل، نحصل فيه على فائدة قليلة، أو لا فائدة على الإطلاق.
بالنسبة لبعض المهن، التي تقوم على الإنصات مثل مهنة الطبيب عموما، والطبيب النفسي خاصة، يكون فن الإصغاء واجبا، فكثير من الأعراض التي يتحدث عنها المريض تسهل تشخيص مرضه، وعدم الاستماع إلى شكواه كاملة قد يقود إلى تشخيص خاطئ، وفي هذا العصر تكثر مثل تلك التشخيصات الخاطئة، لازدياد عدد الناس الذين هم بحاجة لرعاية صحية في كل مكان، وعدم استطاعة الخدمات الصحية في أي بلد أن تواكب تلك الزيادة. وهناك بلاد لا توجد فيها أصلا منظومة صحية عادية، لذلك يقع عاتق التشخيص على الطبيب وحده، والذي قد لا يجد وقتا ليصغي جيدا لشكاوى المرضى، وتحدث تلك الأخطاء.
بالنسبة للطبيب النفسي، الأمر ضرورة كما قلت، وكل ما يتفوه به المريض في حضرته يستحق أن يفهم، ويحلل. فالذي يقول للطبيب مثلا أنا خائف من أمي، لا ينبغي أن يبتسم له الطبيب وإنما ينبغي أن يبحث وراء ذلك الخوف ويستخرج ما لم يقله المريض.
كثير من الروايات منذ أن عرف الناس كيف يكتبون قائمة على الإنصات أولا، الإنصات لما قد يحكيه لك أحد، وما قد تصادفه في الطريق من حكي مشتت هنا وهناك، وما قد تقرأه في كتب ما. إنه لمّ المعرفة كما يمكن الاصطلاح على ذلك، ثم إعادة كتابتها في شكل جذاب، وبالتالي يمكن أن يستفيد منها قارئ. ولو قرأنا عددا من الكتب التي تحلل الشخصيات بدقة مثل الروايات الروسية الكلاسيكية، وروايات الفلسفة التي يكتبها إيرفين يالوم مثل رواية «عندما بكى نيتشة» التي ترجمها خالد الجبيلي إلى العربية، نجد ثنائية الحكي والإنصات متوفرة بشكل كبير. ومن خلال تلك الحواريات نحصل على تماسك النص في الغالب، هنا لا يوجد خيال كثير، ولا توجد غنائية أو وصف أدبي للأزمنة والأمكنة، وإنما حقائق منتزعة من الإصغاء، إنها بالضبط مهمة الطبيب النفسي التي لا يجب أن يستهين بها.
خلال عملي المهني بعيدا عن الكتابة تعودت على تدريب نفسي على الإصغاء، الإصغاء لكل ما يقوله الشخص الذي يجلس أمامي، وجاء مستجيرا، أو لنقل مستغيثا من مرض ما، ويأمل في الشفاء. وفي تصنيف المرضى يوجد مرضى عاديون، يحكون أعراضهم باقتضاب ويحصلون على العلاج سريعا، ويوجد مرضى مزمنون لا يكتفون بمراجعة طبيب واحد يثقون في علاجه ويستمرون معه، وإنما يطوفون بعشرات الأطباء ويحكون لكل طبيب جديد تجاربهم السابقة، التي يصعب في كثير من الأحيان الإصغاء إليها. وبعضهم يحمل ملفا ضخما به تحاليل وأشعات وتقارير، ويطالب الطبيب المزدحم بمطالعته، ويكون ذلك مستحيلا، لكن هل نهمل هؤلاء، أم نصغي إليهم بالفعل؟
هنا وظيفة فن الإصغاء، أن تصغي، وتقاطع الذي يحكي للحصول على أقل قدر مفيد من المعلومات، اختصارا للزمن، وإعطاء الفرصة لآخرين ينتظرون دورهم، وغالبا تنجح تلك الفكرة، وقد يكف الشخص الذي يضيع وقته في البحث عن آراء مختلفة بشأن مرضه، هنا وهناك، عن فعل ذلك، ويستجيب للعلاج.
لكن بالنسبة لرواية الخيال القائمة على اللغة الأدبية، والوصف الأدبي، وتحويل الشخوص داخلها إلى كائنات أسطورية أحيانا، هل يمكن نبش بعض معالمها من فن الإصغاء أيضا؟
طبعا، ونتفق جميعا في مسألة الكتابة، أن الواقع لا بد أن يكون موجودا، ومنه يمكن نسج الخيالي أو حتى الفنتازي والأسطوري بعد ذلك. أنت مهما كتبت شخصيات غريبة، لا تستطيع كتابتها على الهواء، لا بد من مكان ثابت، وزمن معين، وشوارع وحارات تتحرك فيها الحكاية. وأظنني أعتبر الإصغاء هنا مهما جدا، لأن من يحكي يزود الكاتب بأشياء كثيرة قد تكون غائبة عنه، ومعظم الحكائين لديهم خيال جامح، ورؤية خاصة لمجريات الأمور، ويتحدثون بثقة عما يرد بأذهانهم ساعة حكيه. وتجد نفسك منغمسا رغما عنك في حكاية بطلتها ممثلة شهيرة، وجميلة، خاضت قصة حب مع الحكاء الذي تعرف تماما أنه لم يخرج من الحي الشعبي الذي ولد فيه، وبالرغم من ذلك تصدقه لحظتها وتثني عليه.
لقد عرفت كثيرا من هؤلاء الذين كانوا يملكون أحلاما، أجهضتها الحياة، وبات تحقيقها ممكنا فقط في الكلام، الذي إن وجد من يصغي إليه، اكتمل الحلم من وجهة نظر الحالم. وكنت أعرف واحدا اسمه عبد الله، كان يحلم أن يصبح مخرجا سينمائيا، يخرج عشرات الأفلام الناجحة، تماما مثل ستيفن سبيلبيرغ، الذي كان ينطق اسمه ببعض الازدراء حين يحكي أنهما عملا معا في فيلم كبير، وكان ستيفن مساعدا له، ولم يكن عبقريا ساعتها. لكنه هو، أي الحكاء الفقير المعدم، في بلد لا توجد فيه سينما أصلا، هو من علمه العبقرية ليصبح ما وصل إليه. قد يكون هناك من الجالسين من يريد إحراج الرجل، ويسأله ماذا حدث؟ ولماذا لم تستمر مخرجا إذن، أو ما هي أبرز أفلامك؟ لكن الحاضرين أمثالنا، الذين يريدون أن يستمر الكلام ويصغون إليه في متعة، لن يسمحوا لأحد بفعل ذلك. هذا الرجل استلفت شخصيته، ووظفتها في نص لي اسمه «منتجع الساحرات»، وكانت الشخصية مطابقة.

*كاتب من السودان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية