عمان-“القدس العربي”: سجلت الفلاتر البيروقراطية المحترفة مفارقات من عدة أنواع خلال الأسابيع القليلة الماضية في الأردن، خصوصا عندما تعلق الأمر بطموح مئات الشخصيات التي تتوسم في نفسها الأهلية للحصول على مقعد في مجلس الأعيان قبل أيام فقط من انتهاء ولايته الدستورية نهاية أيلول/سبتمبر الجاري.
جهة ما أحصت على الأقل وبعد استبعاد الطلبات غير المنطقية وغير الجادة، نحو 250 طلبا وسيرة ذاتية على الأقل وردت من شخصيات ووجهاء وجنرالات متقاعدون من الصنف الذي يصعب على أي موظف في الديوان الملكي تجاهله. تزاحم كبير ولافت للنظر وموسمي في منطقة ضيقة يفترض انها لا تستوعب أكثر من 65 مقعدا.
تلك ظاهرة ليست جديدة، لكن أهم ما يلفت النظر فيها ان البعد الوظيفي والوجاهي لا يزال يحكم اعتبارات مئات النخب بالرغم من الضجيج الصاخب بعنوان “أزمة اقتصادية ومالية حادة جدا”.
والأهم بالرغم من كل الرسائل الأعمق التي ترد مرجعيا لتبلغ الأردنيين أن تحديات جدية ومفصلية تواجه دولتهم في هذه المرحلة.
هو تزاحم نتج أصلا عن إحساس قادة ورموز المجتمع بأن الفرصة قد تلوح بالصدفة إذا ما قدمت سيرة ذاتية لديوان الملك ونتج بالضرورة عن سلسلة من التقاليد المماثلة في المحاصصة البائسة التي اعتمدت عليها في الكثير من المفاصل أجهزة ومؤسسات الدولة.
قد لا يقف الأمر عند هذا الحد، فما يرد من بعض المؤسسات المرجعية يؤشر على تزاحم من نوع آخر، فالطاقم الرشيق العامل مع أو في الديوان الملكي يستقبل اليوم آلاف البرقيات والمذكرات ومئات الأشخاص الراغبين في مقابلة مسؤولين من الذين يزعمون أن لديهم موضوعات مهمة أو غير مهمة.
يفتح ديوان الملك عمليا أبوابه للجميع ويحرص رئيسه التكنوقراطي الذي يعتزل الأضواء يوسف العيسوي، على الاستماع للجميع وتلمس إيقاع قادة ورموز الشرائح الاجتماعية والمناطقية التزاما بتوجيه ملكي في هذا الصدد.
لفت الأنظار هنا تحديدا انه وبالرغم من جسامة التحديات الاقتصادية والسياسية لا بل الوجودية على مستوى الدولة في بعض الأحيان يتحدث الزوار والضيوف ومن يطلبون مقابلات مع المسؤولين في الإطار المطلبي والخدماتي والباحث عن امتيازات سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الشريحة الاجتماعية. بمعنى آخر لا يريد أحد التواصل مع طاقم الديوان الملكي لكي يناقش في التحدي السياسي أو لان لديه فكرة أو أي برنامج مقترح، أو لأنه يريد المساعدة بدون الحصول على امتيازات في مواجهة التحديات حيث يشهد الزحام على أبواب وأعتاب مؤسسة الديوان إطارا كلاسيكيا لا يرتقي إلى مستوى تحديات المرحلة. ذلك في كل حال وسط القناعة بان هذه الممارسات وان كانت مؤسفة اليوم إلا انها تنتج عن تراكم آليات التواصل في نمطها الكلاسيكي والمألوف سابقا، حيث نادرا ما سمح مسؤولون في السابق بإدارة نقاشات عميقة وجدية.
لكن طبيعة التحديات السياسية التي يواجهها الأردن هذه الأيام خصوصا في ظل الحصار المالي أمريكيا وسعوديا وفي ظل ما يتسرب عن تداعيات صفقة القرن ساهمت في بروز شوق وتوق من قبل بعض المسؤولين للأحاديث النخبوية العميقة وانتهى الأمر هنا بمستويات مختلفة من مظاهر الانفتاح على شرائح جديدة في المجتمع خصوصا في المسار الإعلامي على أمل التقاط رسالة جديدة أو التنويع في الإصغاء.
التواصل الإعلامي هنا حصريا شمل مؤخرا بعض الكتاب والمثقفين من النوع الذي لا يستقبل في العادة في نقاشات الديوان الملكي ومظاهر الانفتاح شملت المواقع الالكترونية وحتى العناصر النسائية في بعضها ولو من باب الإقرار بقوى الواقع التي تتحكم في الرواية.
في الأثناء لم تظهر بعد خطوات موضوعة برامجيا لإقامة حوارات استراتيجية أعمق مع خبراء ومفكرين ضمن مجالسات مرجعية وملكية تحاول البحث عن خيارات ومبادرات واقتراحات خلاقة أو منتجة بدلا من الاسترسال في منطقة الشكوى والتذمر.
حتى عندما استقبل الملك عبد الله الثاني مجلس نقابة الصحافيين، بحث المعاونون والمستشارون عن اقتراحات لها علاقة بالواقع الإعلامي المتردي أكثر من تحفيز الشكوى وتشخيص الإشكالات التي يقر بها أصحاب القرار المرجعي اليوم.
تتراوح وبعدما قررت مؤسسات مرجعية الإصغاء والاستماع للآراء والنقاشات والتعليقات ما بين الرغبة في الاستعراض أو المبالغة في اظهار الولاء والمجاملة أو الاسترسال في إعادة عرض المشكلات رغم ان المطلوب قبل أي شيء آخر هو مبادرات للمعالجة لأن قرار التغيير والإقرار بالتحديات اتخذ ويحظى بغطاء سياسي ومرجعي.
تلك مفارقات لم يعد من الممكن إنكارها ترافق اليوم تقنيات المراجعة التي تدعمها مؤسسة القصر الملكي.
لكن الانطباعات الأولى قد لا تبدو مبشرة اليوم لأن كلاسيكيات التعليق والتزاحم الاستعراضي والرغبة في وظائف وأدوار تطفو على السطح على الأقل في بعض المجالسات وليس كلها أكثر من التحليل العميق واقتراح الحلول، الأمر الذي يكرس القناعة وبصورة متأخرة في الواقع بوجود جذر وأصل ومنطق للقناعة بوجود أزمة نخب عميقة وأزمة أدوات أعمق.