الإصلاح في سورية: بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية
إرث الأسد الأب جعل من اشكالية الاصلاح مصيرية.. وسنوات بشار الأولي لا توحي بقدرته علي مواجهة التحدياتالاخوان حركات تفتقد التواصل والمصداقية.. والشيوعيون قرأوا الخطاب الرسمي بعقلية الماضيالإصلاح في سورية: بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية والدوليةمحمد أبو رمانيثير انشقاق عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري، وأحد أبرز الرجالات التاريخية لنظام البعث الحاكم، سؤالا محوريا حول مستقبل الإصلاح السياسي في البلاد، ومصائر النظام بعد هذه الهزة الكبيرة. إلا أن جدل الإصلاح لم يطرح الآن فقط بل طرح بقوة منذ عام 1999 أي في الفترة الأخيرة لحكم حافظ الأسد، إذ بدت معالم تيار إصلاحي في الصعود يتآلف عموده الفقري من عدد من المثقفين والكتاب، من أبناء الطبقة الوسطي، ويتمركز في قوي المجتمع المدني وبالتحديد في ظاهرة المنتديات الثقافية . وقد صاحب صعود القوي الإصلاحية ونشاطها حوارات وجدالات متعددة حول المسار المطلوب للإصلاح وسيناريوهاته المحتملة والعلاقة مع السلطة..الخ.أحد الكتب القليلة التي تتناول موضوع الإصلاح الجديد في سورية كتاب الإصلاح في سورية: بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية . والذي قام بتحريره الكاتب والباحث رضوان زيادة، وشارك فيه عدد من الباحثين والكتاب المخضرمين في هذا الشأن.يقدم الكتاب إطارا فكريا يتضمن جملة من المقاربات لرصد وتحليل مفردات المشهد السوري في السنوات الأخيرة من خلال دور النظام الحاكم وسمات الحقبة البشارية والأجنحة المختلفة في النظام، والقوي السياسية المطالبة بالإصلاح والظروف الداخلية والإقليمية والدولية الحاضنة للمشهد الداخلي والاحتمالات والإمكانيات المختلفة.الرأسمالية العشائريةيرصد المفكر السوري المعروف برهان غليون صعود التيار الإصلاحي والجدل الداخلي حول العلاقة مع الحقبة الجديدة لبشار الأسد، بين من كانوا يرون أن الرئيس الشاب الجديد يحمل توجها للإصلاح الحقيقي، لكنه يحتاج إلي وقت كي يتمكن من مواجهة العراقيل والحواجز التي تحول دون تحقيق عملية الإصلاح، والتخلص من الحرس القديم الذي يمانع التغيير خوفا علي مصالحه المشتبكة مع السلطة. إلاّ أنّ هذا الاتجاه تراجع بعد مرور خمس سنوات علي حكم الرئيس بشار، وتعزز الاتجاه الذي يري أنه لا أمل في إصلاح النظام بقرار رئاسي أو بمبادرة داخلية، في ظل تراكم حالة الفساد وتشابك المصالح الخاصة بالنخب السياسية.علي الصعيد الرسمي حاول النظام الاستجابة لمطالب الإصلاح وللمتغيرات الدولية والإقليمية من خلال انفتاح سياسي جزئي ومحدود، مع الإصرار علي استخدام مصطلح التحديث والتطوير بدلا من الإصلاح. من ناحية ثانية، حدثت زيادة طفيفة علي رواتب العاملين في الدولة، لكنها لم تكن مكافئة أو معادلة لارتفاع تكاليف الحياة ومعدلات الفقر والبطالة.الظاهرة الخطيرة، التي يحللها ويستفيض غليون في دراستها، مرتبطة بالانفتاح الاقتصادي، إذ تم توجيه هذا الانفتاح بما يخدم أبناء القيادات السياسية البيروقراطية والطائفية، التي راكمت ثرواتها سابقا من الفساد في نهب المال العام، مما يؤدي إلي انتقال مركز الثقل من البيروقراطية ومؤسسات الدولة إلي ما يسمي بالتكنوقراط والقطاع الخاص. لكن رؤوس القطاع الخاص الحالية هي محصلة الاحتكار والفساد والمحاصّة، أو ما يسميه غليون رأسمالية العشيرة . يقول غليون: فعلي أنقاض الطبقة الوسطي التي تعرّضت لعملية إفقار وتهميش منهجية أفرز النظام البعثي الذي ولد عام 1963 طبقة جديدة من أبناء المسؤولين استفادت من تماهيها مع الدولة لتحقيق تراكم استثنائي وسريع في الرساميل الخاصة جعلها تشكل اليوم النواة الرئيسية في أي نظام جديد لاقتصاد السوق يمكن أن يظهر في سورية .في المقابل، فإنّ التبدل في مصادر القوة والنفوذ والامتيازات التي تتمتع بها الطبقة الجديدة، لا يقابل بارتياح من قطاعات واسعة من بيروقراطية الحزب والدولة والجيش التي لا تستفيد من هذا التحول، ولا تنظر بعين راضية إلي عملية الانفتاح الاقتصادي وكأنها إثراء منظم لفئة، تحت الحماية السياسية والقانونية والإعلامية الشاملة التي يؤمنها لها إلغاء الحياة السياسية والفكرية بقانون الطوارئ.علي الطرف المقابل، تبدو المشكلة في المعارضة، التي نشطت في السنوات الأخيرة وتمثل الطبقة الوسطي، أنّها لا تمتلك رؤية استراتيجية واضحة لمراحل الإصلاح، وتعتمد علي البيانات وعلي ردود فعل السلطة، بينما لم تتمكن إلي الآن من تجاوز حالة النخبوية التي وقعت فيها، والانتقال إلي الشارع من خلال بناء جبهة ديمقراطية، ذات ثقل اجتماعي، تحمل المطالب الإصلاحية في مواجهة السلطة الحالية.وعلي الرغم من إقرار غليون بأن الطبقة الوسطي، قد أصابها التآكل في الحقبة البعثية، وأنها غير مؤهلة بعد إلي التقدم في عملية الإصلاح، إلا أنه لتحقيق الإصلاح المنشود لا بديل من إعادة إنتاج الدور السياسي للطبقة الوسطي، والاستناد عليها في مطالبة الإصلاح. أما الضغوط الأجنبية علي النظام، فليست جدية، وما يقال عن دفع خارجي باتجاه الإصلاح غير حقيقي، إنما لأهداف مرتبطة بالمصالح الغربية في المنطقة، فلا بد إذن من بناء جبهة ديمقراطية من القوي المتضررة من الوضع السياسي الحالي وعدم المراهنة لا علي الضغوط الخارجية ولا علي التيار الإصلاحي داخل النظام الحالي، بل الاعتماد أولا وأخيرا علي تشكيل الجبهة الديمقراطية الداخلية. تحديث النظام السلطويمن جهته، يرصد البروفسور فولكر برتس ـ في بحثه إدارة السياسة الداخلية: تجديد النخبة وحدود التغيير في سورية ـ التحديات الرئيسية والسياسات العامة التي انتهجها الرئيس بشار منذ توليه الحكم. فعلي الرغم من السلاسة والسهولة التي انتقلت فيها أزمة الأمور من الأب (حافظ) إلي الابن (بشار) إلا أن طموح بشار بالهدوء والتركيز علي الشأن الداخلي والمعضلات الاقتصادية المتفاقمة لم يتحقق. إذ سرعان ما انهارت محادثات (كامب ديفيد2) عام 2000، فتوترت المنطقة واندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وعاد اليمين الإسرائيلي إلي الحكم، وألغي كل ما وصلت إليه مفاوضات السلام مع سورية، ثم وقعت أحداث أيلول والحرب العراقية، وبدت التغيرات الإقليمية تعصف بالمنطقة ولا تترك مجالا للرئيس الشاب الجديد أن يلتقط أنفاسه.أدرك بشار أن النظام بحاجة إلي تحديث، وهو ما بدأ به خلال السنوات السابقة، إذ قام بتبديل واسع في القيادة شمل ثلاثة أرباع المسؤولين البالغ عددهم ستين، الذين يشغلون المناصب العليا، وتمكن ـ بذلك ـ من بناء شبكة من الموالين حوله. إلا أن العديد من كوادر حزب البعث الدنيا والوسطي يرون أن تلك التغييرات تعبر عن جيل جديد وليس سياسات جديدة في النظام، وهو ما يطرح سؤالا رئيسيا فيم إذا كان بشار يريد إحداث إصلاح سياسي حقيقي أم تغييرات جانبية لا تنال البنية الحقيقية لنظامه السلطوي.فلقد ورث بشار نظاما سلطويا يقوم علي ثلاث دعامات رئيسة، هي: بيروقراطية الحكومة المركزية، حزب البعث، والأجهزة الأمنية. وفي ظل حزب البعث تم قبول حفنة من الأحزاب الصغيرة في إطار جبهة بقيادة الحزب.بدرت بعض الإشارات في خطاب تنصيب بشار تدل علي توجه نحو انفتاح سياسي، وممارسة سياسية مختلفة، وهو وإن لم يتعهد بإصلاح ديمقراطي إلا أنه ذكر محاربة الفساد واحترام القانون وتحدث عن تجربة ديمقراطية ذات خصوصية سورية. تلا ذلك بعض الخطوات كإطلاق عدد من السجناء السياسيين وإغلاق سجن المزة العسكري. ولم توفر المعارضة الوليدة الفرصة إذ سرعان ما بدأت بنشاطاتها وإصدار بياناتها كبيان الـ99 مثقفا، الذي نشر في الصحافة اللبنانية، وعلي الرغم من أن الرئيس لم يكن سعيدا بحركة المعارضة، لكن علي ما يبدو فإنّ عقدة الخوف قد انكسرت علي حد تعبير الكاتب عبد الرزاق عيد.في هذا السياق يري برتس أنّ هناك ثلاثة تيارات عريضة داخل نخبة النظام نفسها صاغت جدل الإصلاح وكان لها دورها في التطورات، التيار الأول وهو التيار المحافظ ويري الاستمرار علي النهج السياسي الداخلي والخارجي والتحالفات التي يعتمد عليها النظام، ويقر بالحاجة إلي إصلاحات لكن وفق تقدير النظام بعيدا عن الضغوط التي قد تهدد الدولة وأمنها واستقرارها، ويذكر برتس اسم عبد الحليم خدام (قبل انشقاقه) ضمن هذا التيار الأمر الذي ينفيه خدام (في تصريحاته بعد الانشقاق) مستدلا علي كتابه حول النظام العربي المعاصر الذي أكد فيه علي أهمية الحرية والتعددية. أما التيار الثاني المحدِّثون ويشكل الرئيس والنخبة الملتفة حوله نواته، ويري أن التغيير السياسي لا بد أن يسبقه تحديث اقتصادي واجتماعي وإصلاح إداري، وأن يدار الانفتاح السياسي بالتدريج وبتسارع أقل من التحولات الاقتصادية. بينما هناك التيار الإصلاحي ـ الديمقراطي، وهو مشتت ومنتشر في أكثر من مكان. والغريب أن برتس يعد التيار الإصلاحي من نخبة النظام، في حين لا يبرز هذا التيار إلي الآن بوضوح داخل هذه النخبة، كما أن الأسماء التي يذكرها برتس كرياض سيف وميشيل كيلو ليست رموزا في النظام بل في المعارضة، ويبدو أن المقصود التيارات داخل المشهد السياسي السوري، وليس النظام حصرا، بالتالي يكون النظام قد انقسم فقط إلي تيارين: محافظين، ومحدِّثين.حاولت النخب المعارضة والمثقفون استثمار الظروف واللحظة التاريخية وشكلوا ظاهرة المنتديات وأصدروا البيانات ونشطوا في المطالبة بالإصلاح في الصحافة والندوات، وطرحوا كل مواضيع الإصلاح علي الطاولة، وأصبح التيار الإصلاحي ـ الديمقراطي فاعلا ورقما صعبا، علي الرغم أنه لم يستطع بعد اكتساب الشعبية المطلوبة. في مقابل هذا النشاط كانت هناك فعالية موازية من السلطة وحزب البعث تتمثل بطمأنة عناصر الحزب وكوادره في الجامعات والمحافظات وتشويه صورة المعارضين باتهامهم بالعمالة للخارج. وفي آذار (مارس) 2001 وضع الأسد النقاط علي الحروف عندما أكّد علي أنّ الوحدة الوطنية والبعث والقوات المسلّحة ونهج الرئيس الراحل حافظ الأسد ليست مطروحة للنقاش!تلا ذلك إغلاق أغلب المنتديات واعتقالات واستدعاءات أمنية، وبدأ التخوف الحقيقي من أن ربيع دمشق الذي بشرت به ظاهرة المنتديات قد انقلب إلي خريف، وأن السلطة بدأت الانقلاب علي التيار الإصلاحي.الجدل السياسي حول الإصلاح والتطورات المتسارعة كانت تطرح السؤال مشرعا حول أجندة الرئيس الأسد ونواياه الحقيقية. في هذا السياق يري برتس أن أجندة الأسد هي تحديث النظام السلطوي ، وليست أجندة ديمقراطية بالمعني المطلق. فعلي الرغم من تغيير الكثير من الأشخاص في النخبة الحاكمة، إلا أن هذا لم يترافق مع تغير واضح في السياسات بقدر ما عكس حالة من صراع الأجيال داخل البعث، لم ينل طبيعة البنية السياسية والفكرية، وحتي التعددية والانفتاح النسبي الذي يشهده الإعلام السوري فهي تعددية في إطار سلطوي، ذات طابع محدود.أزمة المعارضةيقدم الباحث لؤي صافي تحليلا لأزمة المعارضة السورية وتياراتها الرئيسية والأخطاء التي وقعت فيها. كما يرسم معالم الإصلاح المطلوب. ويري صافي أن المعارضة، التي نشطت بعد ثلاثة عقود من الإقصاء، وقعت في خطأ كبير ـ ابتداء ـ هو أنها علقت آمالها علي خطاب تنصيب الرئيس بشار، وقرأته وفق منطق الخمسينيات والستينيات، أي إما معنا أو ضدنا، واستثمرته للتنفيس عن ميراث الصراع مع السلطة وتحميلها مسؤولية ما وصلت إليه الأمور، واستمتعت بالقراءة الحالمة غير العقلانية لتطور الأمور. وقد أساءت المعارضة قراءة خطاب الرئيس من زاويتين: الأولي أولويات الإصلاح إذ رأت في الخطاب دعوة إلي إصلاح شامل، في حين دعا الرئيس إلي إصلاح إداري يهدف إلي تنمية الاقتصاد الســــوري. والثانية أنها أخطأت في تقدير الإصلاح الحاصل في النظام، وقدرة الرئيس علي القيام بالإصلاح الشامل، علي افتراض أن الإصلاح الشامل هو المطلوب لدي الرئيس الجديد.وأهم معالم عجز المعارضة عن إدارة صيرورة الإصلاح تتمثل بغياب خطة متكاملة ذات أولويات ومفاصل محددة والاكتفاء بالشعارات، وقصور التحليل في القدرة علي قراءة المرحلة والقوي الكفيلة بالتعامل معها، وفقدان المعارضة لقــــواعد شعبــــية داعمة لها، والخطاب الحدي ، والتركيز علي سلبيات السلطة ما جعل المعارضة في مواجهة السلـــــطة ومتناقضة معها، ورأت القوي المتحالفة مع السلطة في انتصار المعارضة خســـارة كبيرة لها.في المقابل، فإن تيارات المعارضة انقسمت بين ثلاثة اتجاهات رئيسة: الأول الإخوان المسلمون الذين يصفهم صافي بالحركات وليس الحركة، إذ شتتهم المنفي وجعل منهم منابر خطابية تفتقد التواصل مع القواعد الشعبية. كما يفتقر الإخوان إلي الخطاب الإصلاحي وإلي المصداقية بسبب احتكامهم إلي السلاح في صراعهم مع البعث سابقا. أما التيار الثاني فيقوده رياض الترك، المنشق عن الحزب الشيوعي الذي يقوده خالد بكداش (الذي انخرط في الجبهة التقدمية)، وحضور الترك وتياره ما زال محدودا اجتماعيا، وقد تعرّض الترك إلي السجن سنوات طويلة، والمشكلة أن هذا التيار فقد كثيرا من قدراته التنظيرية وغير قادر علي صوغ البدائل عن الحالة الراهنة، ولا يحظي بقبول شعبي علي العموم. من جهة أخري يقود رياض سيف، وهو صناعي سوري ناجح انخرط في العمل السياسي في التسعينات، التيار الثالث، وقد فاز سيف بمقعد في مجلس الشعب، ونشط بعد انتقال السلطة إلي بشار. وأعلن عبر المنتدي السياسي الذي عرف بـ منتدي الحوار الوطني تأسيس حزب سياسي باسم حركة السلم الاجتماعي . واستعان بعدد من المثقفين السوريين كأستاذ الاقتصاد المعروف عارف دليلة والمفكر السوري المغترب برهان غليون.وفي الوقت الذي يضع لؤي صافي فيه مفهوم الإصلاح السياسي (مطلب المعارضة) في مواجهة الإصلاح الإداري (رؤية الأسد) فإنه ـ أي صافي ـ يناقش الحجج والقضايا المرتبطة بهذا الجدل ليقول أن المشكلة هي أن المعارضة بدأت بمطالب سياسية ومحاولة تغيير من الأعلي دون أن تتلمس موضع أقدامها، إذ تفتقر إلي القواعد الاجتماعية التي تحمل مطالب الإصلاح. من ناحية أخري هناك مشكلة حقيقية ترسخت مع حقبة حزب البعث تكمن في افتقار المجتمع السوري إلي ثقافة سياسية ديمقراطية تؤهله لخوض صراع من أجل الإصلاح، أو حمل المشروع الديمقراطي بقوة والحفاظ عليه. لكن السؤال الذي يطرح في هذا السياق ـ تعليقا علي رؤية لؤي صافي ـ هل يمكن القول أنّ حقبة البعث طمست الميراث الديمقراطي السوري ووأدت الرغبة الشعبية بالتحرر السياسي؟ وهل المجتمع السوري يفتقر إلي الثقافة السياسية المؤهلة للإصلاح أم أن هذه الثقافة كامنة غير متحركة مرعوبة بسبب عصا الأمن التي لا ترحم، وأن استدعاء هذه الثقافة وتحفيزها يمثل إحدي أولويات المعارضة السورية؟حدود الإصلاح ومقدماتهيعود رضوان زيادة إلي سؤال يتداوله المعارضون والسياسيون السوريون وهو هل كان الأسد راغبا في الإصلاح في الفترة الأخيرة من حكمه، ابتداء من إحالة عدد من المسؤولين الكبار (رئيس الوزراء ووزراء في الحكومة ومديرين عامين ومسؤولين أمنيين نافذين) إلي القضاء للتحقيق معهم في عدد من الصفقات التي تحوم حولها شبهة الفساد، والقيام بأكبر عملية تغيير حكومي بعد عزل رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي وطرده من الحزب والحكومة؟ يري زيادة أن الجواب علي السؤال السابق، ومعرفة وتحليل أهداف الحركة التصحيحية التي قام بها حافظ وتابعه فيها ابنه بشار ستتيح لنا معرفة حدود الإصلاح الذي من الممكن أن يقوم به النظام الحالي. يعيد زيادة انفتاح الجدل الحقيقي للإصلاح وانطلاق الأصوات المطالبة به من عقالها إلي خطاب القسم الذي أداه حافظ الأسد عام 1999 والذي تحدث فيه عن ضرورة الإصلاح ولمّح إلي الفساد والعديد من الأمراض المنتشرة في النظام. وكان التمهيد لانعقاد المؤتمر التاسع لحزب البعث بعد سنوات طويلة لم ينعقد فيها، وبدا واضحا من خلال إعادة تشكيل المناصب العليا في الدولة أن هناك توجهات جديدة. وزاد من حيوية الجدل والتوقعات مشاركة بشار الأسد، نجل الرئيس وخليفته المرشح، في العديد من ورشات العمل التي تنتقد الحكومة والفساد..الخ.لكن كما هو حال السياسات الشرق أوسطية فإن وراء الأكمة ما وراءها، فقد كانت التغييرات الكبيرة في المشهد الداخلي ومحاولة التسريع في المفاوضات هي عملية ترتيب للبيت الداخلي وتخفيف من التركة من الأسد الأب تمهيدا لاستلام الابن أزِمة الحكم. لكن الوقت لم يسعف الأب الذي توفي وترك لابنه تركة كبيرة وثقيلة من القضايا الداخلية والخارجية. يقول زيادة إن كبر الإرث الذي تركه الرئيس حافظ الأسد لخليفته يجعل من سؤال الإصلاح بالنسبة إليه مصيريا وحساسا وصعبا بنفس الوقت. فمصيريته تنبع من اهتلاك آليات النظام السابق بشكل مفرط واستمراره يتطلب تجديدا واسعا لمفاصله وطبيعة عمله. أما حساسيته فتقوم علي أساس أن التغيير المطلوب يشترط تغييرا هيكليا في مؤسسات الحزب والدولة وفي الأشخاص القائمين عليها، مما يضع علي المحك إمكانية استمرار النظام نفسه، وهو مصدر الصعوبة المستحيلة فتجديد النظام ذاته علي الأسس نفسها أشبه بالمعادلة المستحيلة غير القابلة للحل .ويصل زيادة إلي أن السنوات الأولي من حقبة بشار الأسد لا توحي بأنه يمتلك الجرأة علي القيام بالإصلاح البنيوي المطلوب والذي ينهي سيطرة حزب البعث، ويؤدي إلي تغييرات دستورية وسياسية كبيرة، ويعيد تأسيس مؤسسة القضاء. فهذه التغييرات من المستحيل تصورها دون وجود تيار إصلاحي يقود التغيير من داخل النظام، لكن المشكلة أن هذا التيار غير موجود الآن. إلاّ أن ما نراه مستحيلا اليوم يمكن أن يتحول ممكنا غدا إذا تم النظر من زاوية المصالح الوطنية السورية والضغوط الدولية والإقليمية التي تدفع النظام دفعا إلي خيارات خطيرة لكن لا غني عنها.الكتاب: الإصلاح في سورية: بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية المؤلف: مجموعة من الباحثين والمفكرين، تحرير رضوان زيادة.دمشق 2005.7