السياسي، رؤية ومشروع وموقف وفعل. السياسة، علاقة مرآوية بين الشكل والمضمون. الممارسة السياسية، بناء مرصوص متكامل اللبنات، كلما اهتز له ركن، تداعى الباقي. الحدث السياسي، مثله مثل كل إفرازات المجتمعات المؤسساتية وليست المشخصنة، يخضع للتأويل العقلاني. الحداثة السياسية، مفهوم ونظرية ومنهجية وغاية، تحوي في المجمل مختلف آليات التجديد التي يعيشها المجتمع في بواعثه الأخرى الاقتصادية والاجتماعية. يستحيل، تجذير حداثة سياسية بالمعنى الصحيح للكلمة، في ظل سياقات تقليدانية. كلما، تابعت سجالا إعلاميا، مع أحــــد زعمائنا السياسيين، أو حديثا لوزير من وزرائنا، إلا وأحسست بارتجاج زلزالي تحت رجلي. كلام ينطح كلاما، نظرية تركل النظريات، و’الشرابية’ تأتي على الأخضر واليابس. وزير في السكنى والتعمير، هاجر حد السويد ليستعين بفلاسفتهم في المدينة والتمدن. زميله في التعليم، يزمجر يمينا وشمالا، منافحا عن المدرسة المغربية التي يحسدنا عليها الفرنجة واليهود، دليله تلك النسب المئوية التي تتقاطر كالأمطار الاستوائية مع نهاية كل فصل دراسي، في حين أن تلميذ البكلوريا اليوم، تعصره المكابدة اعتصارا كي يكتب لك موضوعا إنشائيا من خمسة أسطر، والحبل على الجرار. السياسة لدينا ظاهرة صوتية، أولا وأخيرا، يجدر، أن تزخر كلاما كيفما اتفق، تزبد وترغي مرددا الاسطوانة المشروخة، كي تصير من عتاة الطبقة السياسية وحماتها. لا يجوز لك، أن تقول ‘ربما’ أو تفترض وجه الاحتمال، مع أن كل خطابات الدنيا تقوم على هذه القاعدة. نعمة السياسي، من ارتقائه الملحمي بنعم جهرا، أما خفية فيتلاشى حتما الثقافي المنمق والممسرح، لصالح جوهرية الطبيعي المغيب. هذه الأقنعة، التي يرتديها ساستنا كل صباح، التي تذكرني بالشيزوفرينيا الذهانية لشخصية رواية قرأتها في صغري اسمها ‘الدكتور جيكل والمستر هايد’، والتي في الحقيقة لا تزداد إلا استفحالا مع تعاقب السنين، مما يجعل الواحد منا يضع يده على قلبه، فزعا عندما يستحضر السيناريوهات المحتملة، مع الوجوه التي سئمها السأم. فكيف، سنرفع تحديات المستقبل بشخوص الولائم والأضرحة؟ عشية، إلقاء الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي لمحاضرته في بروكسيل، وفضحه العلني لاختلال اغتال منهجية ديمقراطية لازالت تحبو خطواتها الأولى، وهو الرجل الذي بقينا على أية حال نطمئن له، ومتحسسين معه شظايا نبل السياسة، كما أرادها رموز الحركة الوطنية. تأكد بالملموس، أن زمن السياسة بمفهوم الأغورا اليوناني قد انتهى، وصارت مهمتنا إخفاء عوراتنا بما تناثر من العشب الذي تتصارع فوقه الفيلة. جميع ساستنا، يتكلمون باسمنا نحن المغاربة. لكن، من الصادق فيهم حقا؟ من باب التمثل العيني، لما أشرت إليه، سأخبركم بواقعة صادفتها مؤخرا، وتركت أثرا سيئا في نفسي، وامتعاضا منفرا، رغم كونها قد تبدو بسيطة ومعزولة، ولا ترقى إلى مرتبة المؤاخذة لدى الكل. غير، أنها في اعتقادي، خطب جلل، لما تتعلق بقيادي استقلالي من ‘صقور’ حزب الاستقلال، ترأس فريقه البرلماني سنوات التسعينات، وكان إلى جانب فتح الله ولعلو، يلمع شاشات تلفزاتنا، منافحا عن الإصلاح والنهوض بالبلد والعباد. صاحبنا، يصرع الكلام صرعا، ويساجل كل شيء من دون أي شيء: الوطنية والفرنسيس والاستقلال والشباب والتعادلية والعروبة والهوية الإسلامية والنقد الذاتي، إلخ إلخ. أوكل إليه منصب وزير، وتم التخلي عنه في تعديل حكومي، انزوى قنوطا يائسا، مراهنا على جدلية الخفاء والتجلي مع اقتراب كل مناسبة انتخابية. يظهر هنا، ثم ينط هناك، بل بلغت به التضحية، أن ذرف الدموع حزنا على مآل الاستقلال. الفاتح المصلح، والمنتمي إلى ‘صفوة’ نخبتنا السياسية، وقف أخيرا أمام عربة لبيع الفواكه. بعد، تفاوضه على الثمن، مع صاحب العربة المقهور، أشارعليه متعجرفا، بأن يزن له كيلوغرامات من البرتقال. في انتظار، تلبية طلبه، أسرع الزعيم بأصابعه صوب برتقالة. شرع يقشرها بكيفية شرهة، ملقيا بالقشور أرضا. أقول أرضا، على طريقة الأطفال الصغار. انتبه، الفاكهاني ‘الأمي’ لهذا السلوك البدائي، لاسيما أن صاحب الفعل ليس رجلا عاديا. قدم له سلة القمامة، لكنه لم يأبه بها، وواصل صنيعه ثم قضمه للبرتقالة المسكينة، مدندنا بكلام لم يستوعبه الفاكهاني. بما أن الأسلوب هو الإنسان، فلا شك أن الإصلاح يبدأ من كيفية التعامل مع الأشياء البسيطة.