عمان- “القدس العربي”: خلاف كان يمكن الاستغناء عنه بين سلطتي التنفيذ والتشريع في الأردن.
محور الخلاف الذي فخخ وأنهى جلسة بمزاج عصبي للبرلمان ظهر الثلاثاء هو الإجراء الجديد الذي اقترحته الحكومة بخصوص ملف الإعفاءات الطبية.
أخفقت جلسة ارتفعت فيها أصوات بعض النواب غضبا في الانعقاد وتم الاتفاق بين رئيسي السلطتين على اجتماع خاص خلف الكواليس بهدف احتواء الخلاف.
عقد الاجتماع فعلا لكنه لم يصل إلى نتيجة تنزع فتيل الخلاف المرشح للانتقال إلى مستوى الصدام ثم خرج بعد عصر الثلاثاء المكتب التنفيذي لمجلس النواب ليعلن إرجاء اجتماعه مع رئيس الوزراء والحكومة ليوم غد الأربعاء.
الهدف التكتيكي هنا واضح من وراء تأجيل الاجتماع وهو البحث عن صيغة لاحتواء الصدام بين السلطتين على خلفية ملف الإعفاءات الطبية.
لكن تلك الصيغة لا تبدو متاحة ببساطة لأن الحكومة ولأسباب مالية بالمقام الأول أغضبت النواب عندما قررت وبصورة غير مفهومة بعد وقف إصدار الإعفاءات الطبية للمواطنين بذريعة تنظيمها ووقف الهدر فيها، ثم طالبت النواب بإرسال مطالباتهم من الإعفاءات الطبية إلى وزارة الشؤون البرلمانية تمهيدا لتحويلها إلى الديوان الملكي.
وما قالته الحكومة في القرار بوضوح هو تجميد إصدار إعفاءات طبية لمواطنين بسطاء وفقراء لا يشملهم نظام التأمين الصحي ونقل الملف برمته إلى الديوان الملكي.
جزء من الترتيب الحكومي له علاقة بتنظيم مسألة شائكة تكلف مئات الملايين من الدنانير سنويا.
والهدف توحيد مرجعية إصدار الإعفاءات الطبية لكن الإجراء أغضب 7 كتل برلمانية، وشوهد بعض النواب يصيحون ويعترضون على القرار ويتهمون الحكومة بالتخلي عن صلاحياتها والهروب من مسؤولياتها المباشرة لصالح تحويل تلك الصلاحيات لمؤسسة الديوان الملكي.
طبعا إجراء الحكومة يهدف إلى الحد من الهدر المالي. لكن هذه الجزئية تتعاكس مع مصالح النواب لأن إصدار إعفاء طبي هو الخدمة الأساسية والأفضل التي يقدمها نواب الأمة لناخبيهم ضمن نطاق خدمات القطاع العام الوحيدة المتاحة.
شعر النواب بالتالي بأن الحكومة تقلص حضورهم وسط الناخبين، واعترضوا بشدة ولسبب بسيط إجرائي الطابع فكرته أن مجلس النواب لا يملك أدوات الضغط المناسبة على الديوان الملكي بينما يملكها على الوزراء والحكومة.
بكل حال يكشف جدال السلطتين في ملف الإعفاءات الطبية الذي طالما سبب “صداعا بيروقراطيا” عن ملف أعمق وأهم مسكوت عنه هو الإخفاق في فلسفة توفير مظلة تأمين صحي شامل للأردنيين أو آلية تضمن لهم أصلا حقوقهم الدستورية في العلاج الذي توفره الدولة، لأن الأصل في المسألة هنا هو ضعف احتمالية زيادة ميزانيات مالية لوزارة الصحة بهدف تمكينها من برنامج يغطي في التأمين أكبر قاعدة ممكنة من المواطنين.
المشهد معقد والسلطتان في حالة تلاوم الآن وما يسكت عنه الجميع هو وقائع تشير إلى غياب منظومة تأمين صحي شمولية، وفيما يبدو عدم وجود إمكانية مالية لتوفيرها مما يدفع الحكومة وهي تفكر بتقليص الهدر المالي ما دامت الخزينة تعاني عجزا أصلا باتجاه نقل صلاحياتها بالإعفاء الطبي إلى الديوان الملكي.
لم يعرف بعد موقف الديوان الملكي الأردني من هذا الجدال بين النواب والوزراء. لكن الأزمة أكبر مما تبدو عليه ومرتبطة بالوضع المالي حصرا، والأهم بإخفاق كل المشاريع الطموحة التي تهدف إلى تأسيس غطاء منطقي في التأمين الصحي وبصيغة لا تسمح للحراكات والاعتراضات باصطياد المفارقة والتهويل فيها وإن كانت مشكلة المخصصات المالية الصحية هي الأعمق والأكثر قرعا لجرس الإنذار.