قررت زيادة جهدها في رمضان ببرنامج ‘الشعب يسأل والرئيس يجيب’:ريما كمالتتجه كل المؤسسات الرسمية والخاصة في رمضان في عالمنا العربي، إلى تقليص عدد ساعات العمل ومتطلباته مراعاة لمشقة الصوم. ورغم ذلك ترى الناس وقد أعياهم الصيام، وباتوا يشكون من كثرة التعب وقلة الراحة. في خضم هذا الوضع، تظهر حالات استثنائية إنسانية، خارجة تماما عن هذا الإطار، ومنها حالة الإعلامية الإذاعية السيدة آمال فهمي، والتي يتضاعف جهدها في رمضان، فلا تكاد تعرف معنى للراحة، وذلك على مدى ما يقارب الستين عاما! والغريب أنها قررت في هذا العام أن تزيد من جهدها، وتحمل على أعبائها برنامجا مبتكرا إضافيا كانت هي المبادرة إليه في الشهر الفضيل، تحت عنوان ‘الشعب يسأل والرئيس يجيب’ حيث سيقوم رئيس مصر الدكتور محمد مرسي بالإجابة على أسئلة المواطنين من خلال برنامجها اليومي. ولعله من الضروري أن أسارع إلى الإشارة الى أن هذه السيدة الاستثنائية قد جاوزت الثمانين من العمر، وما زال عطاؤها متجددا نضرا عطرا مبهرا. إنها الإذاعية الوحيدة التي أمتعت ملايين العرب، وعلى مدى عقود طوال، من خلال برنامجين متميزين عبر البرنامج العام للإذاعة المصرية، أولهما فوازير رمضان، والذي كانت المبتكرة له منذ عام 1955، حين أقنعت الشاعر المبدع بيرم التونسي بكتابة أفكارها في شعره الرائع، ولتنتقل بعد وفاته إلى مبدعين آخرين منهم صلاح جاهين ثم ولده بهاء صلاح جاهين. أما البرنامج الثاني والأهم فهو البرنامج الأسبوعي ‘على الناصية’ والذي بدأته منذ عام 1957 وما زال مستمرا. حيث تلتقي من خلاله بعدد من الناس على ناصية الشارع بطريق الصدفة، لتتعرف على أحوالهم وقضاياهم الخاصة. وقد نال هذا البرنامج وعلى مدى ثلاثين عاما متتالية لقب أفضل برنامج إذاعي على مستوى الوطن العربي، ونالت صاحبته لقب أحسن مذيعة. ووصل الأمر في استفتاء عام في لبنان إلى منح السيدة آمال فهمي لقب ‘ملكة الكلام’، وهو لقب لا أرى فيه مبالغة، فقد استحوذت صاحبة برنامج ‘على الناصية’ على ناصية اللغة العربية منذ أن تخرجت من قسم اللغة العربية بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) عام 1949، واكتسبت من خلال برنامجها خبرة عميقة في حوار كافة الأعمار والثقافات. فقد جالت إلى جانب بقاع مصر، أكثر من عشرين دولة آسيوية وأوروبية وأمريكية. وساعدها شغفها بالرسم على أن تنقل لنا من خلال صوتها الماسيّ صور ما تشاهده، في الوقت الذي لم يكن فيه التلفاز موجودا في العديد من دولنا، فشاهدنا معها معالم باريس وموسكو، وأعماق البحار، ومناجم الفوسفات، وفتيات الجيشا في اليابان، وسوق الحميدية في دمشق، وجبال ثورة الجزائر وغير ذلك كثير… إلا أن أهم ما تميزت به صاحبة برنامج ‘على الناصية’ أنها امتلكت ثلاث مزايا لم تتوفر في أي برنامج إذاعي آخر في حدود علمي. المزية الأولى أنها نقلت المعرفة بطريقة مبسّطة ومؤثرة يفهمها رجل الشارع ويتأثر بها ويتعلم منها. والثانية أنها تمكنت من مخاطبة جميع أفراد الأسرة، الصغير والكبير معا، لما جمعته في حوارها من متعة وخفة ظل ومفاجئات جذابة. ولعلّ هذا ما دفع الفنان عبد الحليم حافظ إلى الظهور معها في فيلم حكاية حب ليغني ‘باحلم بيك’ إلى جانبها على ناصية الشارع. أما ثالث هذه المزايا، ولعله الأهم، فهي أنها لم تكتف بعرض قضايا وهموم الإنسان المواطن البسيط، بل سعت بكل جهدها إلى المساهمة في حلّ هذه الهموم والمشاكل بقدر ما تستطيع. وأصبح المواطنون يتسابقون إلى لقائها لعرض مشاكلهم التي استعصى عليهم حلّها. وقد دفعت آمال فهمي ثمن تصديها لحل مشاكل الناس، بأن تمّ إيقاف برنامجها منذ عام 1967 ولمدة تسع سنوات، بعد أن نقلت صوت المواطن البسيط الذي شكا ظلم علي صبري، نائب الرئيس المصري حينها، لأنه لم ينصف قريته في محافظة الشرقية بإيصال الكهرباء إليها، واكتفى بإيصال الكهرباء إلى القرية التي ولد صبري بها، رغم أنها الأبعد في الترتيب. اللافت للنظر أن آمال فهمي قامت بتطوير برنامجها بعد استعادته، بأن أعلنت عن جمع تبرعات لدعم أقسام جراحة القلب والأورام والأطفال في عدة مستشفيات في مصر، وانهالت الحوالات البريدية على برنامجها لتجمع ملايين الجنيهات التي ساهمت في دعم الوضع الصحي في بلدها. كما أنها ساهمت في تحويل العديد من الحالات الصعبة للفقراء، من خلال الاتصال بكبار الجراحين المصريين لعلاجهم مجانا. لقد حصلت هذه الإعلامية على عشرات الجوائز والتقديرات، وكانت الوحيدة الحاصلة على جائزة مصطفى أمين وعلي أمين للصحافة لتميزها في إجراء التحقيقات الإذاعية. كما كانت أول سيدة يتم تعيينها مديرة لإذاعة الشرق الأوسط عام 1964، ووصلت إلى درجة مستشارة في وزارة الإعلام في الثمانينات. إلا أنها رفضت التخلي عن برنامجها، حيث قالت في إحدى المقابلات أن الميكروفون قد علمها حب الناس والعمل على خدمتهم. وأحسب أنها هي من علّمت الميكروفون ذلك، فشكلت لنا قدوة عظيمة للقدرة الإنسانية على حب الناس والعمل على خدمتهم دونما كلل أو ملل. والمدهش أن من يسعده الحظ بمقابلتها، فإنه سيلمس كم هي غاية في التواضع والرقة، إلى جانب اعتزازها وثقتها العالية بالنفس. هي نموذج لا يسهل تكراره… إنها الاستثنائية المبدعة آمال فهمي، والتي عارضت عمليا زهير بن أبي سلمى حين قال في معلّقته: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش، ثمانين حولا لا أبالك يسأم. في كل أسبوع، تنهي آمال فهمي برنامجها بجملتها المأثورة ‘ولمصر الحب كله’، ويطيب لي أن أقول لها ‘ولك كل الاحترام والتقدير، وكل عام وأنت ومصر بألف خير’.