أجرى الحوار عادل العوفي: من الإجحاف ربط اسمها فقط بثورتها على الواقع المتردي وكشفها المستور داخل أروقة التلفزيون المغربي ذلك أنها صحفية وإعلامية مميزة صاحبة مسار جد مشرف وتطمح للمزيد.. عرت الكثير من الحقائق وصدحت بأعلى صوتها ضد الفساد.. ترفض مجرد التفكير في العودة إلى الوراء وتصر على أنها لم تندمسوى على تأخرها كل هذا الوقت في ‘قول الحقيقة.. إنها الإعلامية المغربية ‘المتمردة ‘ حورية بوطيب التي خصت قراء ‘القدس العربي ‘ بهذا البوح الصادق بعد كل اللغط والشائعات التي أضحت ترافق مستقبلها الإعلامي.:’ كسؤال أولي متى أحست الإعلامية حورية بوطيب بان الوضع داخل أروقة التلفزيون المغربي على حافة الانفجار ‘وان ساعة قول الحقيقة قد دنت؟’ لا أظن بأن الوضع كان كارثيا إلى هذه الدرجة، كانت هناك دائما مجموعة من الاضاءات الإيجابية التي تشير الى ‘أن ظروف العمل والاشتغال داخل أروقة التلفزيون ستتحسن وما هي الا مسألة وقت لا أكثر. لا أعتقد بأن تصريحاتي عرت واقع التلفزيون. كل ‘ما قمت به أنني لم أتبنى موقف لعنة الظلام. الإعلامي له قوة العطاء، هذه القوة تجعلك تبحث أين تفجرها. التلفزيون يتوفر على مجموعة من الطاقات الصحفية و التقنية التي أضناها الانتظار في أن تأخذ فرصتها في إثبات ذاتها ‘وأنهكها التهميش الذي طالها دون سابق إشعار.
الجو العام لم يكن صحيا لمواصلة العمل بنفس الوتيرة دون أن ننتقذ الأوضاع التي نعيشها بصوت عال.’ ما الذي شجعك على المجاهرة بكشف المستور وفضح الكثير من الحقائق التي ظلت طي الكتمان؟’ في بعض الأحيان عندما يتعدى الإنسان أنانيته، تهون مشاكله في سبيل الوضع العام؛ لا أنكر بأنني كنت من الصحفيات المحظوظات داخل التلفزيون فقد كنت مقدمة أخبار باللغة الإسبانية كما اشتغلت بالقسم العربي وأسندت إلي مجموعة من المهام، آخرها إعداد و تقديم برنامج حواري سياسي ـ للنساء كلمة ـ من ‘إخراج رحمة عياش ‘؛ الذي حاز مؤخرا ‘على الجائزة الثانية في سلسلة البرامج الحوارية التلفزية والجائزة التقديرية لمركز المرأة العربية للتدريب و البحوث في إطار الدورة الخامسة عشر للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس. الفرص التي حظيت بها لم تتح لباقي زملائي.
الجهر بالحق فضيلة لا يؤدي إلى الهاوية، بل ينير الطريق المظلمة.
كل ما قمت به هو انفعال ايجابي اتجاه وضع سلبي، و ليس ضد شخص أو جهة معينة. فكرت بصوت مسموع ما يفكر فيه باقي زملائي بصوت خافت.’ بعد كثرة ‘القيل والقال حول مستقبلك المهني داخل القناة الأولى وعن إحالتك للمجلس التأديبي في فترة من الفترات وتضامن الكثيرين معك، ظن الجميع أن الأمور عادت إلى نصابها ‘، كيف عايشت ذلك الوضع ومع استفحال تلك الشائعات؟’ الشائعات تتغذى دائما على الإعلام المغلوط، و هذا ما لا نريده لمستقبل إعلامنا.
لم تعد تهمني تلك الشائعات، لأن القضية أصبحت قضية رأي عام.
مشاكلي الخاصة ذابت وسط وضع غير صحي تأذى منه الكثيرين قبلي.
من موقعي كإعلامية أنا أدافع عن المحيط الذي أنتمي إليه و أرغب أن يكون أفضل مما هو عليه الآن.’ المتتبع الحالي لمسيرتك المهنية يجد غيابا واضحا عن الشاشة وحتى على صعيد التقارير الخارجية، هل هي ضريبة الجرأة ‘ أو بمعنى اصح هي مرحلة تصفية الحسابات معك؟ ومن المسئول عن هذا التهميش؟’ عندما نتهم شخصا أو جهة معينة فإننا نبخس القضية. ‘أن أكون أمام أو خلف الكاميرا ‘لا يساوي قوة إعلام مميز ‘أسعى إليه معية مجموعة من زملائي ما يظنه الكثيرون مكتسبات فقدتها بانتقاذي للأوضاع الداخلية للتلفزيون هي مجرد مهام طال الزمن أو قصر كنت سأتخلى عنها؛ لأنني كإعلامية لا أقبل أن أظل جاثمة مكاني كمقدمة أخبار طوال حياتي.
الإعلامي الذي يرى بعين المستقبل لا يجب أن يحتكر الأشياء؛ كما أنه حينما تتسع الرؤيا و الآفاق فإن وجهة نظرنا تأخذ منحى آخر. ما نطمح إليه و زملائي أن نساهم ‘في صياغة مستقبل القناة التي ننتمي اليها.’ ألا يراودك الندم على تلك الخطوة الشجاعة التي قمت بها؟ ولو عاد بك الزمن إلى الوراء هل كنت ستعيدين نفس الخطوة؟’ هل تقصد بالندم أن أقول غير الحق، هل تقصد بالندم أن أظل قابعة مكاني لا أحرك ساكنا؛ فإذا كنت ذلك فأنا لست نادمة بالمرة. الخروج إلى منطقة الضوء والحقيقة ولو كانت محرقة، خير من أن أظل في منطقة جهالة؛ و أن اساير وضعا تأذى منه الآخرين قبل أن يؤذيني أنا.
ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لقلت رأيي جهارة. أنا نادمة على شيء واحد هو أنني لم أقل رأيي مبكرا ومنذ البداية.’ ما الذي ينقص التلفزيون المغربي في نظرك كي يرتقي إلى مصاف المحطات الأخرى؟’ التلفزيون المغربي لا ينقصه شيء. لديه ميزانية محترمة للتسيير كما انه يتوفر على طاقات صحفية وتقنية متميزة.
التلفزة المغربية ينقصها شيء واحد الرغبة في التغيير.’ كثيرون من زملائك يتخذون من الهجرة حلا لمشاكلهم.
لماذا برأيك؟ وهل يمكن آن نرى حورية بوطيب في محطة فضائية أخرى مثلا؟’ صحيح أنني تلقيت الكثير من العروض بالعديد من الفضائيات، لكن في آخر المطاف عندما تشعر بأنك تنتمي إلى هذا الوطن و تشعر بأنك ‘مسؤول فيه وعنه فلن تستطيع أن تدير ظهرك له، لا لشيء إلا لكونك رضعت من هذه الأرض الطيبة و شممت رائحة ترابها؛ و تشعر بأنك مطالب بأن تعطيها أكثر مما أخذت منها.
فأنا سأبقى و سأجتهد كي أكون مواطنة ‘صالحة قبل أن أكون صحفية تجهر بالحق و تساهم من موقعها لتأسيس غذ أفضل.
لا يهم أن آكل ثمار أفكاري الآن؛’ فلا يهم أن تزرع في حقلك أو في حقول الآخرين، مادام خير ما ستزرعه سيصلك آجلا أم عاجلا. الإعلام المغربي محتاج إلى كل أبنائه و في هذه الظرفية بالضبط ‘لأننا دخلنا مرحلة التشكل من جديد؛ و إذا فكرنا في الهجرة فإننا نفكر في حلول فردية. وربما ما جنى علينا هو التفكير في الحلول الفردية.
لا سبيل لتغيير هذا آلوطن و جعله ينمو و يتطور إلا في التفكير الجماعي، التفكير في الكل قبل أن نفكر في أنفسنا.’ كيف تنظرين إلى مستقبل التلفزيون المغربي؟ وهل هناك بوادر ايجابية تلوح في الأفق؟’ سبق وقلت لك بأن التلفزيون المغربي فيه من الطاقات المتميزة التي بإمكانها أن تضيء سماء الإعلام المغربي؛ كما أن هناك مجموعة من البوادر الإيجابية التي تشير إلى أن التغيير سيأتي لا محالة. أنا متفائلة جدا؛ قد أبالغ في تقييم الجزء المليء من الكأس. لكن أفضل أن أرى مستقبل القناة بعيون كلها أمل.’ سؤال يطرحه المتتبعون بقوة ‘متى ستعودين إلى مزاولة عملك كما في السابق؟
وهل حاولت الاستفسار عن سر تغييبك هذا؟’ هل تقصد بذلك ‘بأن أخذ حصتي من ‘الظهور في التلفزيون أو الاستفادة من الخرجات داخل و خارج أرض الوطن.
الأمر لم يعد يغريني، بقدر ما أجد بأن الصحافي أينما وجد فذلك مكانه، و من ذلك المكان يمكنه أن يعبر عن رأيه وأفكاره و مواقفه.’ حورية بوطيب المتمردة والشجاعة، كيف تتعاملين مع انتشار هذه الألقاب حول اسمك؟’ أنا أتحفظ بشكل كبير على صفات التمرد؛ فالتمرد يعني بأن هناك وضعا آمنا و تمردت عليه؛ في حين أن الواقع هو الذي يعرف التمرد، و المحيط هو الذي يدفع الإنسان المسالم إلى أن يصبح متمردا.
لم أختر يوما أن أكون متمردة، بقدر ما كنت أطمح إلى أن أكون راضية مرضية، غير أن الواقع أكد غير ذلك.
أما الشجاعة فلن تكون إلا في شخص ينكر لنفسه ما يحبه لغيره.
و حين تشعر بأنك لا تحتاج إلى أي شيء من الآخر وأنك لا تدين بأي شيء لأي شخص كان، فستشعر بأنك إنسان حر و الشجاعة من طبيعة الإنسان الحر؛ رغم أنني لا أنكر هذه الصفة على جميع زملائي الذين يشاطرونني الرأي.