الإعلام الجديد: موارد الحرية ومهالك الابتذال

حجم الخط
0

مالك التريكي

من خصائص الحياة المعاصرة أن معظم معلوماتنا وانطباعاتنا عن العالم ليست مستقاة من التجربة الشخصية المباشرة، بل هي نتاج ما ينقله لنا الإعلام. وقد ظل الأمر كذلك منذ بداية العصور الحديثة، قبل أكثر من قرنين، إلى أن أتى الانترنت، قبل أقل من عقدين، فوسع نطاق المدارك الإعلامية، وحتى المعرفية، بشكل مذهل لم يكن قابلا للتصور. وبينما كانت الإنسانية ما تزال في طور تلمّس طريق التكيف مع ما أحدثه الانترنت من زلزال في أنماط الإدراك والسلوك، أي انها ما تزال في مرحلة انتقالية بين عصرين، إذ بها تكتشف أنها قد أدركها زمان ما يسمى بالإعلام الاجتماعي.

ولعل زمان الإعلام الاجتماعي، عبر وسائط مثل فيسبوك وتويتر، هو من ‘الأزمنة المهمة’، حسب التعبير الصيني الذي كثيرا ما يستخدم في اللغة الإنكليزية للدلالة على الفترات التاريخية المضطربة، التي تستحوذ على الاهتمام بقدر ما تصيب بالهم. فقد فتح الإعلام الاجتماعي (الذي ربما يكون من الأدق تسميته بالاتصال أو التواصل الاجتماعي) عوالم من الإمكانات والمبادرات الفردية والجماعية، التي ثبت عظم أثرها إبان الثورات الشعبية في الوطن العربي، والانتفاضات الاجتماعية في بلدان مثل اليونان وإسبانيا وأمريكا وروسيا، بل وحتى في افريقيا جنوب الصحراء، مثلما تدل على ذلك المظاهرات الشعبية المستمرة في السنغال منذ أكثر من أسبوعين. ورغم أن دور مواقع التواصل الاجتماعي في تيسير الثورات والانتفاضات يبقى، حتى هذه اللحظة، هو أقوى أدوارها وأبرز مفاعيلها، فإن من الممكن القول إن ما هو ثوري حقا، بالمعنى التاريخي العميق، في هذا الإعلام الاجتماعي الوليد المنبثق من رحم الإعلام الجديد إنما هو تحريره للفرد من شرطه الذاتي المحض، وجعله قادرا على إدراك بعده العددي، بلوغا ـ في أفضل الحالات ـ إلى تحقيق منزلته الإنسانية الكلية، وذلك عبر ‘تمكينه’ (حسب التعبير المستخدم في أدبيات الأمم المتحدة والدوائر المهتمة بالتنمية البشرية)، أي إكسابه قوى ومهارات تمكّن له في الأرض (بالتعبير القرآني) وتسلحه بأدوات التأثير التراكمي، بل وحتى التأثير الناجز، في عالم السياسة والاجتماع.

كثيرة هي أشكال الحريات والمبادرات والممارسات الفردية التي أطلقها الإعلام الاجتماعي فنقلها من عالم ‘وجود بالقوة’، لم تكن البشرية تتخيله مجرد الخيال قبل بضعة أعوام، إلى عالم ‘وجود بالفعل’ يرقى في بعض الوجوه إلى صيغة من صيغ ‘الواقعية السحرية’ (مع الاعتذار عن تحريف الكلام الاصطلاحي عن مواضعه). كثيرة هي موارد الحرية التي أوردنا إياها الإعلام الاجتماعي فنقل الإنسانية إلى حالة حضارية طريفة جديرة بالعجب والإعجاب. لكن التعود ـ ذلك العدو اللدود لكل ما هو جوهري ـ هو الذي يفقدنا القدرة على الانتباه، لأنه سرعان ما يطفئ جذوة الدهشة التي هي مبدأ المعرفة. كثيرة هي أسلحة التحرر التي أتاحها الإعلام الاجتماعي. لكن قد يكون أخطرها وأبقاها هو ما يطلق عليه اسم ‘صحافة المواطن’. ذلك أنه قد صار في مستطاع كل فرد أن يتحول إلى محطة بث: يصور الوقائع بهاتفه الجوال ويلتقط الصور ويحملها على المواقع الاجتماعية، منشئا الأخبار إنشاء، ومضيفا التعليقات التي يختلط فيها الصحيح بالخاطئ والنزيه بالمغرض، والتي تتنافس فيها المعلومات الصعبة المنال مع الشائعات السهلة الصنع (حيث لا عناء بحث، ولا تكاليف إنتاج ولا يحزنون). حريات عظيمة ونعم سابغة هي تلك التي أتى بها الإعلام الاجتماعي. إلا أنه جلب نقمتين على الأقل. نقمة فردية هي هوس أولئك الأقوام الفيسبوكيين، وهم كثر، ببث عشرات (إن لم يكن مئات) الرسائل والصور والتعليقات. يفعلون ذلك ويدمنونه كل يوم! أعمار وأعمار تهدر في إنتاج محيطات من نافل الكلام!

أما النقمة الاجتماعية والسياسية فهي اعتماد العموم، بل وحتى الصحافيين، على الفيسبوك مصدرا وحيدا موثوقا للأخبار! فمنذ أكثر من عام لا تكاد تسمع صحافيا تلفزيونيا واحدا في تونس، على سبيل المثال، يقول لضيفه وهو يحاوره: لقد ورد ذلك في جريدة كذا أو قرأته في كتاب كذا، بل كلما أراد أحدهم الاستشهاد بالدليل على صحة الخبر، قال بحرارة الإيمان: رأيته على الفيسبوك! لكأن صحافي هذه ‘الأزمنة المهمة’ يريد، بلغة أخرى، أن يقول: صدقوني، لقد سمعت ذلك في المقهى! وكأن صحافي ‘آخر زمن’ عربي، يريد، في ترجمة ما قبل فيسبوكية، أن يهتف: هنئوني، لقد أتيتكم من عند الحلاق بالخبر اليقين!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية