الإعلام الرسمي الأردني: آباء متعددون.. وروايات إيجابية للدولة والقصر لا تجد من يسوّقها.. ونقاش في المناطق الرمادية
لقطة تلفزيونية للشيخ أبو فارس ببدلة السجن أثارت الجدل وأغضبت الحكومة… ومبادرات إنسانية تجاه لبنان حققت نتائج عكسية:الإعلام الرسمي الأردني: آباء متعددون.. وروايات إيجابية للدولة والقصر لا تجد من يسوّقها.. ونقاش في المناطق الرماديةعمان ـ القدس العربي من بسام البدارين: لا تدخل لقطة التلفزيون الاردني التي اظهرت الشيخ السجين محمد ابو فارس وهو يرتدي بدلة السجن الزرقاء في باب الرشد الاعلامي والدفاع عن خيارات الدولة فهذه اللقطة التي اثارت الكثير من الجدل وسط نخبة عمان الاعلامية والسياسية يمكن تصنيفها في باب النكايات الزائدة عن الحاجة لان الدول والانظمة تتصرف بحزم وتطبق القوانين وتحافظ علي النظام لكن اجتهادات اعلامها الرسمي ينبغي ان تلتزم بهذا الخط.وواحدة من الاشكالات الرئيسية في الاعلام الرسمي الاردني كثرة الاجتهادات الفردية والشخصية لمسؤولي الاعلام وللابوات الذين ينصبون انفسهم ممثلين اكثر من غيرهم للنظام احيانا وللوطن وحتي لله في بعض الاحيان.وهذه الاجتهادات التي تظهر علي شكل لقطات تلفزيونية لا مبرر لها في تلفزيون الحكومة تضر اكثر مما تنفع او شكل مقالات هنا وهناك يغلب عليها التوتر والتأزم.ومثل هذه التعبيرات سبق ان وترت العلاقة الاردنية مع سورية ومع الحكومة الفلسطينية وحتي مع ايران ومع اطياف العراقيين، وسبق لمثل هذه التعبيرات ان خلقت ازمات مع بعض اهرام الاعلام العربي سواء مع محطة الجزيرة او حتي مع حكومة قطر او مع محمد حسنين هيكل.ومن الواضح ان النقاش المستمر داخل الدولة الاردنية وفي اروقة الحكومة تحت عنوان اداء الاعلام الرسمي وطريقته في الفزعة والدفاع المأزوم عن الخيارات لم يؤد حتي الان لا لتطبيق توصيات الاجندة الوطنية بخصوص اعادة هيكلة الاعلام ولا لتغيير الاسس التي تحكم معادلة الاعلام والصحافة في البلاد. وتجربة لبنان الاخيرة اثبتت ان اشكالا رئيسيا من اشكالات الاداء السياسي الاردني والحكومي ينبثق من اشكال الاعلام الرسمي فالقيم النبيلة او الايجابية في الخطاب الملكي الاردني او الاراء التي يمكن تسويقها والدفاع عنها وترويجها علي مستوي الاعلام العربي والدولي لا تجد من ينجح في تسويقها بسبب سيطرة نخبة محسوبة علي اساس غير مهني علي مؤسسات الاعلام الرسمية.ومن هنا اصبح التحرش بالمواقف الرسمية الاردنية اعلاميا في الخارج مألوفا وموسميا، ومن هنا ايضا لا تجيد الحكومة الاردنية تسويق مبادراتها ولا ترويج رايها لان الافراد في المؤسسات لا يلتزمون بمعيار وطني جماعي في الحكم علي النص الصحافي، ولان ابوات الاعلام في عمان كثيرون ولان افضل الاعلاميين اضطروا او يضطرون اما للعمل في الخارج او العمل كمستقلين ومهمشين. ولذلك لا يوجد لعمان ذراع اعلامية في الخارج، ولا يوجد لها في الواقع اصدقاء او انصار مؤثرون في الاعلام العربي وحتي الاعلام الداخلي يساعد في تعزيز المسافة الفاصلة بين الحكومة واحيانا الحكم وبين الناس بسبب اداء فوقي ومتردد ومحسوب علي اعتبارات لا علاقة لها بالمهنة ومتشنج اضافة لكونه اداء يبالغ في النفاق وفي اسقاط حسابات الاجندات الشخصية لمن يتولي مسؤولية القرار من المعاونين والمساعدين والمستشارين والوزراء. ويبدو ان ما حصل داخل مؤسسة الاعلام الرسمي خلال التعاطي مع احداث لبنان الحالية والاخيرة يعكس هذا النمط من فقدان البوصلة فقد انفلت عقال الصحف المتزنة ورسمت صحفيا حالة جديدة ضد عملية السلام وضد التطبيع وضد اسرائيل كما لم تبرز رواية موحدة لكل التفاصيل ما بين الصحف ومؤسسات الاعلام الرسمي. وفي الاثناء برز وجود فارق كبير وهوامش في الشكل والمضمون داخل مؤسسات الاعلام ولم تظهر اية مستويات في التنسيق بين الشركاء والابوات فاعلام الرئاسة علي سبيل المثال غاب تماما عن الحدث، والتلفزيون الرسمي لم ينافس علي شيء ووكالة الانباء الرسمية بترا هي وحدها التي تفوقت وتميزت تقريبا فيما كانت الصحف تتصرف علي مزاجها وبدون خطة اعلام وطني يجمع علي الاقل هوامش الموقف الرسمي. وبالمواصفة الفنية كان الاداء كارثيا فالاردن هو البلد الذي كسر الحصار علي لبنان جوا لكن ذلك لم يظهر بالاعلام والمبادرة تاهت وسط حسابات ونكايات الافراد داخل المؤسسات الرسمية، والاردن اول بلد يقيم مستشفي ميدانياً في بيروت وبسبب غياب الثقل الاعلامي الرسمي وعدم وجود كفاءات حقيقية اصبح الخبر هو امتناع جرحي الحرب عن زيارة المستشفي وليس اقامة المستشفي نفسه. ووحدها وكالة الانباء تابعة المسألة دون غيرها وعدلت مزاج الصورة فيما كانت احدي اليوميات تتبني قناعة الرواية المناقضة للرواية الاردنية حول نفس الحدث، وبعد ذلك كان وزير الخارجية عبد الاله الخطيب اول وزير خارجية عربي يزور بيروت في ظل الحصار لكن عدم ثقة الرجل بالاعلام الرسمي دفعه لتأخير الاعلان عن الزيارة حتي اللحظات الاخيرة وبالتالي قطف المصري احمد ابو الغيط والسعودي سعود الفيصل ثمار المشهد رغم ان زميلهم الاردني سبقهما في التوقيت والمبادرة ما اظهر تماما عدم وجود اعلام رسمي حقيقي. وحتي في الملفات الداخلية تبرز اشكالات لا مبرر لها فخلال مساندة الحكومة في موقفها المنحاز للمنطق بخصوص عزاء ابو مصعب الزرقاوي لم يفلح التلفزيون الرسمي بانجازات حقيقية. ولقطة الشيخ الطاعن في السن ابو فارس ببدلة السجن الزرقاء جاءت بتأثير عكسي وأغضبت حتي اوساط رئيس الوزراء لان الاصل في المشهد هو المعيار الموحد للقانون الذي يسري علي كل الاشخاص بواسطة ارتداء زي السجن التقليدي لكن الكاميرا اختارت ابو فارس دون غيره من مئات الذين خضعوا للمحاكمة بنفس البدلة لكي تقول بان الحكومة جادة في موقفها الا ان التاثير كان عكسيا فانتقاد هذه اللقطة التي تنطوي علي نكايات تترفع الدولة عنها في الواقع حصل علي اعلي المستويات. وحسب الكثير من المراقبين فان ازمة الاعلام في الاردن لا يمكن معالجتها بمعزل عن ازمة الاصلاح والتحول الديمقراطي فوجود آباء متعددون للاعلام مشكلة مستمرة ولا احد يريد الاعتراف بها، وعدم وجود قراءة موحدة لاي نص اعلامي يخص البلد مشكلة اخري يرفض الرسميون الاعتراف بها. واللعبة الاساسية مع الاعلاميين والصحفيين لازالت في المستوي الرسمي تعتمد خيارين لا ثالث لهما اما اخضاعهم بمعني جعلهم تابعين او خانعين او الضغط عليهم بمعني ابعاد الشاذين عن مصادر المعلومات ودوائر صناعة القرار وما دامت اللعبة مستمرة علي هذه القواعد فالفرصة متواصلة لكي يخسر الاردن المزيد من الاصدقاء مع الايام ولكي يضطر القصر الملكي لبذل المزيد من الجهد والتعب لمعالجة فراغات تخلقها في الواقع العملي بقية المؤسسات. وما يمكن قوله باختصار ان لقطة البدلة الزرقاء للشيخ ابو فارس وظهور العجز الواضح في الاعلام الرسمي عن بيع او تسويق او ترويج المبادرات الايجابية علي هامش ما حصل في لبنان.. مسألتان كشفتا امام الداخل الاردني العيب المركزي في ماكينة الاعلام الرسمي، وهي مسألة تستطيع القدس العربي ان تؤكد بانها تخضع للنقاش والمراجعة الان في المستويات العليا التي تصر علي مغادرة مناطق الإعلام الرمادي.