زهير أندراوس الإعلام باللغة العبريّة في دولة الاحتلال بات عنصريًا أكثر من نتنياهو، وفاشيًا أكثر من ليبرمان، يدعم بكل قوته احتجاجات اليهود على حقهم في المسكن ويُحرّض على العرب الذين ‘يشيدون بيوتهم بدون رخص’، أمّا عن الأطباء فحدّث ولا حرج: أضربوا من أكثر من 100 يوم، ولكن الإعلام العبريّ لم يجر مقابلة واحدة مع طبيب عربيّ يُعاني مثل زميله اليهوديّ، لأنّ العربي وفق منطق الإعلام الصهيونيّ هو لص، مغتصب، ومخرّب، وما إلى ذلك من ألقاب هدفها تأليب الرأي العام ضدّه والتأكيد على أنّه الطابور الخامسبادئ ذي بدء، أعتذر من جميع القارئات والقرّاء، لأننّي سأتطرق لموضوعٍ يخص دولة الاحتلال. وأقترح على الجميع الاطلاع على المادّة من منطلق اعرف عدوّك. الدولة العبريّة في حالة توترٍ شديدٍ للغاية، الطبقة الوسطى المسحوقة حتى الثمالة نتيجة السياسة الاقتصاديّة التي تقودها حكومة الثنائي غير المرح بتاتًا، نتنياهو-ليبرمان أوصلتْ إسرائيل إلى الحضيض من الناحيّة الاقتصاديّة، الغلاء بات مستشريًا، أسعار الوقود أصبحت من أغلى الأسعار عالميًا، أمّا عن منتجات الأكل والشرب فحدّث ولا حرَج، وكنتيجة طبيعيّة لهذه السياسة تمّ سحق الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي عادةً تقود الثورات والاحتجاجات في العالم، وهذا ما جرى ويجري في بلاد ‘اللبن والحليب والعسل’، كمنا يحلو لهم تسمية فلسطين التي اغتصبوها قبل 63 عامًا ونيّف. الجبنة اليهوديّة واللبن العربيّفجأة وبدون سابق إنذار قررت الشركات الكبيرة التي تُنتج الجبنة اليهوديّة-الإسرائيليّة، المعروفة باسم (كوتج) رفع أسعارها بشكلٍ كبيرٍ، الأمر الذي أقام الدنيا ولم يُقعدها: الإسرائيليون باشروا بحملة مقاطعة الجبنة اللذيذة والحبيبة، والإعلام العبريّ تجند بكل قوته، وعتاده وأسلحته التقليديّة وغير التقليدية لدعم ثورة الكوتج. ولكي نضع النقاط على الحروف نشير في هذه العجالة إلى أنّ العرب في مناطق الـ48 لا يأكلون اللبن الذي يُصنّعه أولاد العم، بلْ يُصنّعون اللبن والجبنة في مصانعهم الخاصّة، وما زال العديد منهم ملتزمون بتصنيع اللبنة العربيّة في البيوت. واستمرت ثورة الجبنة، ورئيس الوزراء كعادته في كل شيء، بات يدعم الثورة حينًا، ويُعلن موقفًا مضادًا خلال ساعات، ليؤكد لكل من في رأسه عينان، على أنّه لم يتغيّر، وبأنّه يخشى ردود الفعل الجماهيريّة من ناحية، وترتعد فرائضه خوفًا من رجال الأعمال الكبار الذين احتضنهم في سياسته الاقتصاديّة المفتحة، على حد تعبيره. الهبّة الشعبيّة حققت النتائج المرجوّة وقهرت الشركات الكبرى التي تُصنّع (الكوتج) وبات المدراء العامين لهذه الشركات يتنقلون من أستوديو إلى أخر معلنين عن تخفيض سعر (الكوتج) من أجل المواطنين. وهكذا حققّ ‘الشعب المقيم في صهيون’ الانتصار على الرأسماليّة الإسرائيليّة وموبقاتها. كما أسلفنا فإنّ عرب الـ48 كانوا خارج اللعبة الجبنيّة واللبنيّة، ولكن مع الأكل تزداد الشهيّة، يقول المثل العربيّ، الذي تمّت ترجمته حرفيّا إلى العبريّة، ولا نستبعد البتة، أنْ تزعم إسرائيل حقوقها على المثل، فكما تعلمون بات الحمص الأكلة الشعبيّة الإسرائيليّة، وأصبحت الدولة العبريّة تُنافس في المسابقات العالميّة بالفلالفل والتبولة وما إلى ذلك من مأكولات خاصّة بالعرب من محيطهم إلى خليجهم، وعن هذا نقول إنّ من سرق فلسطين، لن يتورع عن سرقة المأكولات العربيّة الأصليّة.
اليهوديّ يبحث عن المسكن والعربيّ يُلزم بهدم بيتهنجاح ثورة (الكوتج) دفع الطبقة الوسطى المسحوقة في الدولة العبريّة إلى خوض نضالٍ شرسٍ ولكنّه اتخذ من الفعاليّات السلميّة تكتيكًا، ضدّ أصحاب البيوت الذين رفعوا أسعار الاستئجار بصورة غير مسبوقة، علاوة على ذلك، كالبت هذه الطبقة من الحكومة تخصيص البنايات الجديدة لها بأسعار معقولة. في هذه العجالة جنّ جنون نتنياهو، فعارض الأمر وهو والوزراء ‘الاجتماعيين’ ورفض الانصياع للمطالب، زاعمًا أنّ هذا الاحتجاج سينتهي كما انتهى الاحتجاج الذي نظّمه لفترةٍ طويلةٍ مرضى السرطان، ولكنّ الرياح لم تجر، كما اعتقد ويعتقد رئيس وزراء الدولة العبريّة، فجادة روتشيلد في تل أبيب تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى مخيمٍ يسكن فيه أصحاب البيوت المهددين بالطرد من بيوتهم بسبب غلاء أسعار الإيجار، وانتقلت عدوى الخيام من مدينة إلى مدينة، وبدأ الإعلام العبريّ بمواكبة الأحداث وبتخصيص ساعات بث حيّ ومباشرٍ عن هذه الاحتجاجات، الأمر الذي منحها زخمًا لم يسبق أنْ حدث في إسرائيل. بالنسبة للعرب الفلسطينيين في دولة اليهود ‘الديمقراطيّة-اليهوديّة’ فإنّ قضية المسكن هي من أعصى المشاكل، ولكن في الوقت الذي يُطالب اليهوديّ حكومته تخصيص بيت له بأسعار مدعومة من الحكومة، يناضل العربيّ ضدّ سياسة الحكومة بهدم بيته وتشريده وتهجيره، ذلك أنّه وفقًا للإحصائيات العربيّة الرسميّة فإنّ أكثر من ثلاثين ألف بيتٍ عربيّ في مناطق الـ48 معرضة للهدم بأوامر صادرة من المحاكم الإسرائيليّة، وهكذا لم تكن مشكلة للإعلام العبريّ العنصري والمتطرف في تغطيّة ثورة المسكن، فالعرب خارج اللعبة، وبما أنّ الصحافة العبريّة على مختلف مشاربها، تبنت منذ زمن طويل المقولة بأنّ الكتابة ‘الإيجابيّة’ عن العرب الفلسطينيين تُبعد اليهود عنها، فقد دعمت هذه الصحافة المأجورة، صحافة البلاط أوْ ما تحت البلاط، هذا الاحتجاج، وجندّت المحللين الموالين للطبقة الوسطى لكي يدلوا بدلوهم، ويوم السبت الـ23 من شهر تموز (يوليو) الجاري شارك عشرات الآلاف من الإسرائيليين اليهود في مظاهرة جبّارة ضد سياسة الإسكان الحكوميّة، وقامت قنوات التلفزيون الحكوميّة والتجاريّة بمواكبة الحدث لحظة بلحظة.
أين الأطبّاء العرب؟
أمّا عن الأطباء فالحديث أطول من الطويل، فقد أعلن أطباء إسرائيل من الشمال حتى الجنوب ومن الغرب حتى الشرق إضرابًا مفتوحًا منذ أكثر من مائة يوم، وما زال مستمرًا، وهذه الشريحة تضم العديد من الأطباء العرب المسحوقين كزملائهم اليهود، الإعلام العبريّ، الذي دعم بكل قوته إضراب الأطباء وأكد مرة تلو الأخرى على أنّه لا يُعقل أنّ يتقاضى الطبيب الذي يعمل في المستشفى ساعات طويلة في اليوم ضمن عمليّة اختصاصه، راتبًا يصل في أحسن الأحوال إلى ألف وخمسمائة دولار، قرر عن سبق الإصرار والترصد ‘إخفاء’ الأطباء والطبيبات العرب من هذا الاحتجاج، فقام بإجراء المقابلات مع ‘الثوار’ وسرد قصصهم بالبنط العريض، ولكن كما كان متوقعًا، فإنّ وسائل الإعلام العبريّة لم تُكلّف نفسها عناء الالتقاء بطبيب عربي مسحوق، مسحوق مرتين: مرّة لكونه طبيبًا مختصًا، والثانية لكونه عربيًا في دولة عنصريّة بتفوقٍ وامتياز، وهكذا فإنّ المتتبع للإعلام العبريّ يصل إلى نتيجة بأنّ جميع الأطباء هم من اليهود، وأنّ العرب ما زالوا حطّابين، وهذا التطرف ليس غريبًا على الإعلام العبريّ، الذي يتصرف مثل دولته، سلوكه شاذ وقائم على نفى الآخر وإقصاء غير اليهودي عن الأجندة وعن المشهد.
عرب الـ48 طابور خامسالعرب من الداخل الفلسطينيّ في الإعلام العبريّ يصلون إلى العناوين الرئيسيّة عندما يُنفذون جريمة قتل أوْ اغتصاب، أوْ يقومون بعملية سطوٍ مسلحٍ على متجر يهوديّ، والطامة الكبرى لشيطنة العربيّ من قبل الإعلام، الذي يعتمد على الأجهزة الأمنيّة، تطفو على السطح عندما ‘يكشف’ جهاز الأمن العام (الشاباك) عن أنّ هذا العربيّ الفلسطينيّ من مناطق الـ48 تخابر مع حماس أوْ مع حزب الله، عندها يُكشّر الإعلام العبريّ عن أنيابه ويبدأ بقيادة حملة تحـريض أرعن بهدف تأليب الرأي العام الإسرائيليّ اليهوديّ على العرب ‘الخونة’، وكأن الرأي العام في دولة الاحتلال بحاجة إلى التأليب، فهناك شبه إجماع، يغذيه الإعلام العبريّ، بأنّ الفلسطينيين في مناطق الـ48 هم الطابور الخامس، لا أكثر ولا أقّل.
الإعلام العربيّ ضعيف المشكلة أنّ الإعلام العربيّ في مناطق الـ48 هو إعلام ضعيف، ضعيف جدًا، وليس قادرًا على ردّ الصاع صاعين، وهو لا يستطيع صنع الرأي العام، أوْ وضع هذه القضيّة أوْ تلك على رأس سلّم الأولويات لفلسطينيي الداخل، أمّا المشكلة الأكبر فتكمن في العالم العربيّ، فالسواد الأعظم من وسائل الإعلام العربيّة يتجاهل المليون ونصف المليون فلسطيني، الذين يعيشون في موطنهم، فلسطين، وليس في دولتهم، إسرائيل، ويتعرّضون يوميًا للتمييز العنصريّ، وهذا التجاهل يمنع التواصل بين أبناء الأمّة الواحدة، ونُنهي بمناشدة العرب، جميع العرب، بالالتفات إلينا، وشحذ الهمم وتضافر الجهود لنقل معاناتنا اليوميّة إلى الأمّة العربيّة، ذلك أنّ فئات لا يستهان بها في فضائنا العربيّ ما زالت تعتقد أننّا جواسيس للدولة العبريّة، وهو اعتقاد قائم في ما هو قائم على عدم المعرفة، بخفايا وخبايا الأمور، وهنا تتجلّى وظيفة الإعلام العربيّ خارج حدود فلسطين التاريخيّة.